رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ ءَامَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي". "وَمُخِّي" أَيِ السَّائِلُ دَاخِلَ الْعَظْمِ، "وَعَصَبِي" أَيِ الْوَاحِدُ مِنْ أَطْنَابِ الْمَفَاصِلِ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ". سُبُّوحٌ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَعَيْبٍ، وَقُدُّوسٌ الْبَلِيغُ فِي النَّزَاهَةِ عَنِ النَّقَائِصِ.

بَابُ مَا يَقُولُهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَفِي اعْتِدَالِهِ

رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ". سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَعْنَاهُ اللهُ يَتَقَبَّلُ حَمْدَ مَنْ حَمِدَهُ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَىءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ أَيْ إِذَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى لِعَبْدٍ أَنْ تُصِيبَهُ نِعْمَةٌ مِنَ النِّعَمِ فَهُوَ يُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْهُ.

بَابُ أَذْكَارِ السُّجُودِ

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي".

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ".

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَلِيِ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ ءَامَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ". سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ مَعْنَاهُ تَعْظِيمًا تَذَلُّلاً لِلَّذِي خَلَقَهُ، أَلْصَقَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ، هُنَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ لِأَنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ الأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ. أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرِينَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لاَ يُخْطِئُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ وَتَقْدِيرُ غَيْرِهِ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَءَاخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ". دِقَّةُ وَجِلَّةُ: بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا، وَمَعْنَاهُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ.

بَابُ الْقَوْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ

رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدُّعَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي". وَمَعْنَى وَعَافِنِي أَيِ ارْزُقْنِي الْعَافِيَةَ. الْمَرِيضُ يَدْعُو بِالْعَافِيَةِ وَالصَّحِيحُ يَدْعُو بِالْعَافِيَةِ.

بَابُ دُعَاءِ الْقُنُوتِ

رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنِ الْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ".

دُعَاءُ الْقُنُوتِ هُوَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ وَمَعْنَى وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ أَيْ وَاحْفَظْنِي مِنَ الأَمْرَاضِ مَعَ مَنْ حَفِظْتَهُمْ، وَمَعْنَى وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ أَيْ أَعِنِّي مَعَ الَّذِينَ أَعَنْتَهُمْ أَيِ اجْعَلْنِي مِنْهُمْ، وَمَعْنَى وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ أَيِ اجْعَلْ لِيَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَعْطَيْتَنِي، وَمَعْنَى وَقِنِي وَاصْرِفْ عَنِّي شَرَّ مَا قَضَيْتَ أَيِ الْمُقَدَّرُ الَّذِي قَدَّرْتَهُ مِنَ الشَّرِّ احْفَظْنِي مِنْهُ، لَيْسَ مَعْنَاهُ مِمَّا قَدَّرْتَ أَنْ يُصِيبَنِي بَلْ مِمَّا قَدَّرْتَ أَنْ يُصِيبَ بَعْضَ خَلْقِكَ، وَمَعْنَى فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ أَيْ أَنْتَ تُقَدِّرُ عَلَى مَخْلُوقَاتِكَ وَلاَ يَقْضِي عَلَيْكَ غَيْرُكَ أَيْ لاَ يُصِيبُكَ مِنْ أَحَدٍ نَفْعٌ وَلاَ ضَرَرٌ،

وَمَعْنَى وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ أَيْ مَنْ أَكْرَمْتَهُ لاَ يَكُونُ ذَلِيلاً، لَوْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُؤْذِيهِ وَيُذِلُّهُ فَهُوَ عَزِيزٌ. الأَنْبِيَاءُ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْكُفَّارُ قَتَلُوهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أُوذُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلُو إِلَى حَدِّ الْقَتْلِ وَمَعَ هَذَا عِنْدَ اللهِ أَعِزَّاءُ لِأَنَّ هَذَا الأَذَى نَالَهُمْ مِنْ الْخَلْقِ عِزٌّ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ. وَمَعْنَى وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ أَيْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لَكَ لاَ يَصِيرُ عَزِيزًا أَيْ عِنْدَكَ وَعِنْدَ خِيَارِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ أَمْثَالِهِ عَزِيزًا وَذَلِكَ لاَ عِبْرَةَ بِهِ.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ، اللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ،

وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيِمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ. هَذَا حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ". وَلاَ نَكْفُرُكَ: أَيْ لاَ نَجْحَدُكَ، وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ: أَيْ نَبْرَأُ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِكَ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ:

أَيْ إِلَى طَاعَتِكَ نَسْعَى وَنُسْرِعُ، إِنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ يَعْنِي لاَ بُدَّ مُلْحَقٌ بِالْكُفَّارِ. وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ: الْبَيْنُ هُوَ الْبُعْدُ وَالْفِرَاقُ، أَصْلِحْ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ فُرْقَةٍ وَشِقَاقٍ، مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ: أَيْ دِينِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ: اسْتَوْزَعْتُ اللهَ شُكْرَهُ فَأَوْزَعَنِي أَيِ اسْتَلْهَمْتُهُ فَأَلْهَمَنِي.