بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخُ الإمامُ العلّامةُ جمالُ الدينِ أبو محمَّدٍ القاسمُ بنُ عليٍّ الحريريُّ البصريُّ:
أقولُ مِن بعد افتتاح القولِ *** بِحَمْدِ ذي الطَّولِ الشديدِ الحَوْلِ
أي أقولُ من بعدِ افتتاحِ القولِ بحمدِ اللهِ ذي الفَضْلِ والسَّعَةِ الشديدِ القوةِ.
وبعدَهُ فأفضَلُ السلامِ *** على النبيِّ سيدِ الأنامِ
أي وبعدَ افتتاحِ القولِ بحمدِ اللهِ تعالى أقول أفضلُ السَّلامِ على رسولِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم سيدِ الأنامِ أي الخلقِ.
وآلِهِ الأطهارِ خيرِ آلِ *** فاحفَظْ كلامي واستَمِع مقالي
أي وعلى أقاربِه صلّى الله عليهِ وسلَّم المؤمنينَ الأطهارِ فاحفَظْ يا طالبَ العلمِ كلامي بقلبِكَ واستمِعْ مقالي بأُذُنِك واعيًا له.
يا سائلي عن الكلامِ المُنتظِمْ *** حَدًّا ونوعًا وإلى كم ينقسِمْ
يا سائلي عن حَدِّ الكلامِ في اصطلاحِ النُّحاةِ المنتظِم أي المركَّب وعن أنواعِه وإلى كم ينقسِم كلُّ نوعٍ منها.
اسمَع هُدِيْتَ الرُّشْدَ ما أقولُ *** وافهَمْهُ فَهْمَ مَنْ لَهُ مَعْقُولُ
اسمَعْ أيها السّائلُ – هُدِيتَ الرُّشْدَ – قولي الذي أقولُه لكَ وأَدْرِكْهُ بعقلِكَ إدراكَ مَنْ له عَقْلٌ.
باب الكلام
حدُّ الكلامِ ما أفادَ المستَمِعْ *** نحوُ سعَى زيدٌ وعَمْرٌو مُتَّبِعْ
حدُّ الكلامِ عند النحاةِ: الكلامُ الذي أفادَ المستمع فائدةً تامةً يحسُن السكوتُ عليها وذلك هو اللفظُ المركَّبُ المفيدُ نحوُ سعى زيدٌ وعمرٌو مُتَّبع والجملة الأولى فعليةٌ والثانية اسميةٌ.
ونَوعُهُ الذي عليه يُبْنَى *** إسمٌ وفِعلُ ثم حرفُ معنى
أجزاءُ الكلامِ التي يتركّب منها ثلاثةٌ اسمٌ وهو كلمةٌ دَلَّتْ على معنى في نفسها ولم يقترنْ بأحدِ الأزمنةِ الثلاثةِ نحو: زيدٍ، وفعلٌ وهو كلمةٌ دَلَّتْ على معنى في نفسِها واقترنَ بأحدِ الأزمنةِ الثلاثةِ نحو: ضَرَبَ ويَضْرِبُ واضرِبْ، وحَرْفُ معنى وهو كلمةٌ دلَّتْ على معنى في غيرِها نحوُ: مِنْ وإلى، فخرجَ به حرفُ التَّهَجّي.
بابُ معرفةِ الاسمِ
فالاسْمُ ما يدخُلُهُ مِن وإلى *** أو كان مَجْرورًا بحتَّى وعلى
الاسمُ علامتُه ما يصلحُ لأنْ يدخلَهُ أحدُ حروفِ الجرِّ كمِنْ وإلى وحتَّى وعلى أو كان مجرورًا حقيقةً بأحدِها.
مثالُهُ زيدٌ وخيلٌ وغَنَمْ *** وذا وتلكَ والذي ومَنْ وكم
مثالُ ذلك قولك: مررتُ بزيدٍ وخيلٍ وغَنَمٍ وذا الرجلِ وتلك المرأةِ وبالذي أكرمكَ وبمن أكرمتهُ وكذا قولُكَ بكم اشتريتَ الثوبَ.
بابُ الفِعْلِ
والفعلُ ما يَدْخُلُ قد والسينُ *** عليه مثلُ بان أو يَبينُ
الفعلُ يُعرَفُ ويَتَمَّيزُ عن الاسمِ والحرفِ بأنّه ما يصلُحُ لأن يدخُلَ عليه قد والسينُ مثلُ قولِكَ قد بانَ الأمرُ وقد حَضَرَ الأميرُ وسَيَبِيْنُ الـحَقَّ.
أو لَحِقَتْهُ تاءُ مَنْ يُحَدِّثُ *** كقولهم في ليسَ لستُ أَنْفُثُ
أي يُعْرَفُ الفعلُ أيضًا بلُحوقِ تاءِ الفاعلِ في آخرِه سواءٌ كانتْ لمتكلمٍ أو مخاطَبٍ وهي علامةٌ تختَصُّ بالماضي كقولهِم في ليس لستُ أنفُثُ والنَّفثُ نفخٌ خفيفٌ معه ريقٌ.
أو كان أمرًا ذا اشتقاقٍ نحوُ قُلْ *** ومثُله ادخُلْ وانبسِطْ واشْرَبْ وكُلْ
ويُعْرَفُ الفعلُ أيضًا إذا دلَّ على الأمرِ الذي اشتُقَّ من المصدر نحوُ قُلْ فِعْلُ أمرٍ مُشْتَقٌّ من القولِ ومثلُه ادخُلْ وانبسِطْ واشرَبْ وكُلْ إذ هي أفعالُ أمرٍ مشتقَّةٌ من الدخولِ والانبساطِ والشربِ والأكلِ دلَّ كلُّ واحدٍ على الأمرِ بما اشتُقَّ منه.
باب معرفة الحرف
والحرفُ ما ليسَتْ له علامَهْ *** فقِسْ على قولي تَكُنْ عَلَّامَهْ
الحرفُ يُعْرَفُ بأنه كلمةٌ لا تَقْبَلُ شيئًا من علاماتِ الاسمِ ولا شيئًا من علاماتِ الفعلِ فيتعيَّنُ كونُها حرفًا – فقِسْ أيها الطَّالِبُ على قولي المذكورِ وإنْ فعلتَ ذلكَ تكُنْ كثيرَ العِلْمِ.
مثالُه حتَّى ولا وثُمَّا *** وهَل وبَل ولَو ولَمْ ولمَّا
مثالُ الحرفِ "حتَّى" وهو حرفُ جرٍّ و"لا" حرفُ نفيٍ ونهيٍ و"ثُمَّ" حرفُ عطفٍ و"هل" حرفُ استفهامٍ و"بل" حرفُ إضرابٍ و"لو" حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ و"لم" حرفُ نفيٍ وجزمٍ وقلبٍ وكذلك "لـمَّا".
بابُ المعرفةِ والنكرةِ
والاسمُ ضربانِ فضَرْبٌ نكِرَهْ *** والآخَرُ المعرفةُ المُشْتَهِرَةْ
الاسمُ بحسبِ التنكيرِ والتعريفِ نوعان؛ نوعٌ نكرةٌ ونوعٌ معرفةٌ، والنكرةُ كلُّ اسمٍ لم يُوضَعْ لـمُعيَّنٍ، والمعرفةُ عدا ذلك.
وكلُّ ما رُبَّ عليهِ تدخُلُ *** فإنه مُنَكَّرٌ يا رجلُ
كلُّ لفظٍ يصلُحُ لدخولِ رُبَّ عليه فإنه نكرةٌ؛ لأنَّ رُبَّ لا تدخُلُ إلا على النكرة، فكلّما وُجِدْتَ هذهِ العلامةُ وُجِدَتِ النكرةُ.
نحوُ غلامٍ وكتابٍ وطَبَقْ *** كقولهم رُبَّ غلامٍ لي أَبَقْ
مثالُ النكرةِ نحوُ غلامٍ وكتابٍ وطَبَقٍ فإنَّ كلَّ واحدٍ منها يصلُحُ لدخولِ رُبَّ عليه كقولهم "رُبَّ غلامٍ لي أبَقَ" أي هَرَبَ.
وما عدا ذلك فهو مَعْرِفه *** لا يَمْتَرِي فيه الصحيحُ المَعْرِفَهْ
أي ما عدا الذي يَصْلُحُ دخولُ رُبَّ عليه فهو معرفةٌ لا يَشُكُّ فيهِ صاحبُ المعرفةِ الصحيحةِ ثُمَّ مَثَّلَ لأقسامِ المعرفةِ فقال:
مثالُهُ الدارُ وزيدٌ وأنا *** وذا وتلكَ والتي وذو الغِنَى
مثالُ المعرفةِ الـمُحلَّى بألْ كالدارِ، والعَلَمِ كزيدٍ، والضميرِ كأنا، وأسماءِ الإشارةِ كذا وتلك، واسمِ الموصولِ كالذي والمضافِ للمعرفةِ كذو الغنى وهو مضافٌ لما فيه ألْ.
باب التعريف
وءالةُ التعريفِ أل فمن يُرِدْ *** تعريفَ كبد مُبْهَمٍ قال الكَبِدْ
ءالةُ التعريفِ عند الخليلِ وسيبويهِ ألْ بجملتِها فمن أرادَ أن يُعَرِّفَ الاسمَ النكرةَ أدخل عليه الألف واللاَم فيقولَ في كَبِدٍ مُبْهَمٍ الكبِد.
وقال قومٌ إنَّها اللَّامُ فقطْ *** إذ ألِفُ الوَصْلِ متى تُدْرَجْ سقَطْ
وقالَ قومٌ منهم الأخفشُ إنَّ ءالةَ التعريفِ اللامُ فقط وإنما زيدَتْ عليها ألفُ الوَصْلِ لأنها ساكنةٌ ولا يُبْتَدَأُ بساكنٍ ولهذا تَسْقُطُ عند دَرْجِ الكلامِ أي وَصْلِهِ.
بابُ قِسْمَةِ الأفعال
وإن أَرَدْتَ قِسمةَ الأفعالِ *** لينجلي عنك صَدَا الإشكالِ
إن أردتَ أيها الطالبُ قسمَة الأفعالِ وتَـمْييزَ كُلِّ قسمٍ عن أخويه ليزولَ عنك كَدَرُ الإشكالِ والالتباسِ.
فهْيَ ثلاثٌ ما لهنَّ رابِعُ *** ماضٍ وفعلُ الأمر والمضارعُ
أي فالأفعالُ ثلاثٌ فقط ما لهن رابعٌ وهُنَّ ماضٍ نحوُ ذَهبَ، وأمرٌ نحو اذهَبْ، ومضارعٌ نحو يَذْهَبُ.
باب الفعل الماضي
فكلُّ ما يَصْلُحُ فيه أمسِ *** فإنَّه ماضٍ بغَيْرِ لَبْسِ
كلُّ فعلٍ يَصْلُحُ لأن يَدْخُلَ عليهِ أمس، فإنّه ماضٍ بدون إشكالٍ ويَدُلّ على زمانٍ مضى وانقضى نحو سارَ زيدٌ أمسِ.
وحُكْمُهُ فَتْحُ الأخير منه *** كقولِهم سارَ وبانَ عنهُ
حكمُ الفعلِ الماضي فَتْحُ الحرفِ الأخيرِ منه إذا لم يتصل بآخره شيءٌ سواءٌ كان ثلاثيًا كسارَ الرجلُ وبان عنه أي انفصَل، أو رباعيًا كدَحْرَجَ وأكرمَ.
بابُ فعلِ الأمر
والأمرُ مبنيٌّ على السّكونِ *** مثالُهُ احذَرْ صَفْقَةَ المغبونِ
فعلُ الأمرِ هو ما دَلّ على الطَّلَبِ مع قبولِ ياءِ المؤنثةِ المخاطَبةِ وهو مبنيٌّ على السكونِ إذا كانَ صحيحَ الآخِرِ ولم يتصلْ بآخرِه ألف الاثنين أو واو الجامعة أو ياءُ المؤنثة المخاطبة. مثالُه احْذَرْ صَفْقَةَ المغبُونِ أي المغلوب بسببِ الغُبن.
وإن تلاه أَلِفٌ ولامُ *** فاكسِرْ وقُلْ لِيَقُمِ الغلامُ
إنْ تلا الأمرَ المبنيَّ على السكونِ ألفٌ ولامٌ فاكسِرْ آخرَهُ فِرارًا من التقاءِ الساكنينِ نحوُ صُمِ النهارَ واعتكفِ الليلَ، وتمثيلُ الناظمِ أي قولُه ليقُمِ الغلامُ فيه تسامحٌ لأنه مضارعٌ مجزومٌ بلامِ الأمرِ لا فِعْلُ أمرِ ولعلّه مَثَّلَ به لجامعِ الـحُكْمِ بينهما.
وإن أمرتَ مِن سَعى ومِن غدا *** فَأسْقِطِ الحرفَ الأخيرَ أبدا
إذا أمرتَ من فعلٍ آخرُ مضارِعِهِ حرفُ عِلّةٍ كتسعى وتغدو فاحذفِ الحرفَ الأخيرَ منه مطلقًا وهو حرفُ العِلّةِ.
تقولُ يا زيدُ اغدُ في يومِ الأَحَدْ *** واسْعَ إلى الخيراتِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ
تقول في مثالِ ذلكَ يا زيدُ اغدُ في يومِ الأحدِ بحذفِ الواوِ وإبقاءِ الضمةِ قبلَها دليلًا عليها وتقول اسعَ إلى الخيراتِ بحذفِ الألفِ وإبقاءِ الفتحةِ قبلَها دليلًا عليها.
وهكذا قولُك في ارمِ مِن رمى *** فاحذُ على ذلكَ فيما استبهما
كذلك قولك يا زيدُ ارمِ بحذفِ الياءِ وإبقاءِ الكسرةِ قبلها دليلًا عليها فقِسْ على ذلك ما أشكَلَ عليك.
والأمرُ من خَافَ خَفِ العقابَا *** ومِنْ أجادَ أَجِدِ الجوابا
إذا أردتَ صيغَة الأمرِ من المضارعِ الأجوفِ وهو ما كانَ عيْنه حَرْفَ علةٍ كتخافُ مضارعُ خافَ فاحذِفْ حرفَ العلةِ لملاقاتِه ساكنًا وهو آخرُ الفعلِ وقُلْ خَفِ العِقابَ ومِنْ تُجيدُ تقولُ أجدِ الجوابَ أي أحسِنْهُ.
وإنْ يكن أَمْرُك للمؤنثِ *** فقلْ لها خافي رجالَ العَبَثِ
وإن يكن أمرُكَ للمؤنثِ فلا تحذفْ حرفَ العِلّةِ لأنَّ آخرَ فعلِ الأمرِ متحركٌ بالكسرةِ التي قبلَ ياءِ المؤنثةِ فقُلْ خافي رجالَ العَبَثِ أي اللّعب وبيعي وقُولي وأجيدي الجوابَ.