الاسمُ الممنوعُ من الصرفِ هو الاسمُ المشابِهُ للفعلِ في عِلَّتَيْنِ فرعيَّتَيْنِ من عِلَلٍ تسعٍ ترِجعُ إحداهُما إلى اللفظِ والأخرى إلى المعنى، أو واحدةٍ تقومُ مَقامَ العلتين.

ت

هذا وفي الأسماءِ ما لا ينصَرِفْ *** فَجَرُّهُ كنَصْبِه لا يَخْتَلِفْ

الأصلُ في الأسماءِ أن تكونَ مصروفةً ولكن منها ما لا ينصرفُ ومعنى الصَّرفِ أن يدخلَهُ الجرُّ بالكسرة والتنوينُ فجرُّهُ بالفتحةِ كنَصْبِهِ.

وليس للتنوينِ فيه مَدْخَلُ *** لِشِبْهِهِ الفِعلَ الذي يُستَثْقَلُ

ليسَ للتنوينِ في الاسمِ الذي لا ينصرفُ مَدْخَلٌ لكونه أشبهَ الفعلَ بوجودِ علتينِ فرعيتينِ فيه أو علةٍ تقومُ مقامَهُمَا فأُعطي حكمَه فمُنِعَ من التنوينِ كما يُـمْنَعُ الفعلُ منه.

مثالُهُ أفعَلُ في الصّفاتِ *** كقَوْلِهم أحمَرُ في الشِّيَاتِ

مثالُ ما لا ينصرفُ ما جاء على وزنِ أفعلَ منَ الصفاتِ التي لا تقبلُ تاءَ التأنيثِ كقولهم أحمرُ وأبيضُ في الألوانِ وأفضلُ وأحسنُ في غيرِها والمانعُ له منَ الصَّرْفِ الصفةُ ووزنُ الفعلِ بخلافِ ما يقبلُ تاءَ التأنيثِ نحو أرملٍ للفقير وأرملةٍ وهي المرأة لا زوج لها.

أو جاء في الوزنِ مثالَ سَكْرَى *** أو وَزْنِ دُنْيَا أو مِثالَ ذِكْرَى

كذلكَ إذا جاءَ الاسمُ بوزنِ فَعْلى بتثليثِ الفاءِ نحو سَكْرى ودُنيا وذِكرى مُنِعَ من الصرفِ والمانعُ له من الصَّرْفِ ألفُ التأنيثِ المقصورةُ وهي وحدَها تقومُ مقامَ علتينِ.

أو وزنِ فَعْلاَنَ الذي مؤنثُهْ *** فَعَلى كسكرانَ فخُذْ ما أنفُثُهْ

أي أو جاءَ الاسمُ على وزنِ فَعلانَ الذي مؤنثه فَعْلى كسَكران مؤنثه سَكرى ومثله غَضْبانُ وعطشانُ بخلافِ فَعْلانٍ الذي مَؤْنثه فعلانةٌ كشيطانٍ وسيفانٍ أي طويلٍ كالسيف وموتانٍ أي البليدِ. فخُذْ ما ألفِظُهُ من فمي.

أوْ وَزْنِ فَعْلاءَ وأفْعِلاءَ *** كَمِثْلِ حَسْنَاءَ وأنْبِيَاءَ

أو جاءَ الاسمُ على وزنِ فَعْلاءَ كحَسْنَاءَ وحَمْراءَ أو على وزنِ أفعِلاء كأنبياءَ وأصدقاءَ أي ما فيهِ ألفُ التأنيثِ الممدودةُ والمانعُ له من الصرفِ ألفُ التأنيثِ الممدودةُ وهي أيضًا تقومُ مقامَ علتينِ.

أو وزنِ مَثْنَى وثُلاثَ في العَدَدْ *** فأصغِ أيَا صاحِ إلى قولي السَّدَدْ

أو جاءَ الاسمُ على وزنِ مَفْعَلَ كمَوْحَدَ ومثنى ومَثْلَثَ ومَعْشَرَ أو على وزنِ فُعَال كأُحادَ وثُناءَ وثُلاثَ وعُشارَ وهذا خاصٌّ بالعددِ والمانعُ لهذا النوعِ منَ الصَّرْفِ الصفةُ والعدلُ إذ قد عدل بهذين الوزنين عن ألفاظ العددِ الأصولِ مكررةً فأصلُ جاءني القومُ أُحادَ واحدًا واحدًا فاستمع يا صاحِ إلى قولِ الصَّواب.

وكلُّ جمعٍ بعد ثانِيه ألِفْ *** وَهْوَ خماسيٌّ فليس يَنْصَرِفْ

كل جمعٍ مفتوحُ الأولِ ثالثُه ألفٌ بعدها حرفانِ فهو خماسيٌّ نحو مساجدَ ودراهمَ ودوابَّ أي كان على وزن مفاعِلَ فلا ينصرفُ والمانعُ له من الصرفِ كونُه على صيغه منتهى الجموعِ وهي علةٌ تقومُ مَقامَ علتينِ.

وهكذا إن زاد في المثالِ *** نحوُ دنانيرَ بلا إشكالِ

وكذلك إن زادَ على الخماسيِّ بأن كان ثالثُه ألفًا بعدها ثلاثةُ أحرفٍ أوسَطُها ساكنٌ وهو السداسيُّ نحو دنانيرَ ومصابيحَ أي كان على وزنِ مفاعيلَ فلا ينصرف أيضًا بلا إشكالٍ والمانعُ له من الصرفِ صيغةُ منتهى الجموع أيضًا وهي علةٌ تقومُ مَقامَ علتينِ كما تقدَّمَ.

فهذه الأوزانُ ليست تَنْصَرِفْ *** في مَوْطِنٍ يَعْرِفُ هذا المُعْتَرِفْ

أي هذهِ الأوزانُ الستةُ لا تنصرفُ في موضعِ تعريفٍ ولا تنكيرٍ يَعْرِفُ صدقَ هذا المعترفُ بالحقِّ. ثم أشار إلى ما يَـمْنَعُ الصرفَ إذا عُرِّفَ ويُصْرَفُ إذا نُكِّرَ بقوله:

وكلُّ ما تأنِيْثُهُ بلا ألفْ *** فَهْوَ إذا عُرِّفَ غَيْرُ مُنْصَرِفْ

كلّ اسمٍ تأنيثهُ بلا ألفٍ مقصورةٍ أو ممدودةٍ فهو إذا عُرِّفَ بالعلميةِ غيرُ منصرفٍ فلا يدخلُه التنوينُ ويُـجَرُّ بالفتحةِ سواءٌ كان مؤنثًا لفظًا ومعنًى كفاطمةَ وعائشةَ أو لفظًا فقط كحمزةَ أو معنى كزينبَ وسعادَ.

تقولُ هذا طلحةُ الجَوَادُ *** وهل أتَتْ زينبُ أمْ سُعَادُ

تقولُ في مثالِ مؤنثِ اللفظِ فقط: هذا طلحةُ الجوَادُ وتقول في مثال مُؤنثِ المعنى فقط هل أتت زينبُ أم سعادُ ومثالُ مؤنثِ اللفظِ والمعنى قولك رضي الله عن عائشةَ.

وإنْ يَكُنْ مُخَفَّفَا كدَعْدِ *** فاصرِفْهُ إن شئتَ كصَرْفِ سَعْدِ

إن كان مؤنَّثُ المعنى ثلاثيًا ساكنَ الوسطِ كدَعْدَ وهندٍ فلك صرفُه لخفتِه كصرفِ المذكرِ مثلُ سعدٍ ولكَ منعُ صرفهِ وأما لو كان متحركَ الوسطِ كسَقَرَ امتنعَ صرفُه.

وأجْرِ ما جاء بوزنِ الفعلِ *** مُجراه في الحُكْمِ بغيرِ فَصْلِ

أجرِ ما جاءَ من الأعلامِ بوزنِ الفعلِ الخاصِّ به مُـجرى العلمِ المؤنثِ بلا ألفٍ بلا فرقٍ بينهما فامنعْه من الصرفِ.

فقولُهم أحْمَدُ مِثْلُ أذْهَبُ *** كقولهم تَغْلِبُ مِثلُ تَضْرِبُ

مثالُه أحمدُ عَلَمُ شخصٍ على وزنِ أَذْهَبُ المضارعِ المبدوءِ بهمزةِ المتكلمِ وتغلبُ علمٌ لقبيلةٍ على وزنِ تَضْرِبُ فلا ينصرفُ واحدٌ منهما للعلميةِ ووزنِ الفعلِ ومثلُ ذلك أسعدُ ويزيدُ.

وإنْ عَدَلْتَ فاعِلًا إلى فُعَلْ *** لمْ يَنْصَرِفْ مُعَرَّفًا مِثلُ زُحَلْ

إن عدلتَ عَلَمًا بوزن فاعلٍ إلى وزنِ فُعَل لم ينصرفْ مثل زُحَل علمٍ لكوكب في الفضاءِ معدولًا به عن زاحِلٍ وعُمَرَ معدولًا به عن عامرٍ ومعنى العَدْل صرفُ لفظٍ من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى مع بقاءِ المعنى الأصليِّ.

والأعجمِيُّ مِثْلُ مِيكائِيلَا *** كذاكَ في الحُكْمِ وإسماعيلَا

الاسمُ العلمُ الأعجميُّ وضعًا مثلُ ميكائيلَ وإسرافيلَ وإسماعيلَ وآدمَ وهامانَ ويأجوجَ كالمعدولِ في الحكمِ وهو منعُ الصرفِ، واعلم أن جميعَ أسماءِ الأنبياءِ أعجمية إلا أربعةً محمدًا – صالحًا – هودًا – وشعيبًا.

وهكذا الاسمانِ حينَ رُكِّبَا *** تركيبَ مَزْجِ نحوُ مَعْدِ يكَرِبَا

أي وهكذا يمنعُ الصرفَ تركيبُ الاسمين تركيبًا مزجيًا وكان علمًا نحو معديكرِبَ وحضرموتَ فيعرب آخرُه إعرابَ ما لا ينصرفُ، والتركيبُ المزجي هو جعلُ اسمين اسمًا واحدًا مُنَزّلًا ثانيهما منزلةَ تاءِ التأنيثِ.

ومنه ما جاء على فَعْلانا *** على اختلافِ فائِهِ أحيانَا

مما يمنَعُ من الصرفِ العلمُ الذي جاء على وزنِ فَعْلان على اختلافِ حركةِ فائِهِ أي بالفتحِ والكسرِ والضّمِ أحيانًا.

تقولُ مروانُ أتَى كِرْمَانَا *** ورحمةُ اللهِ على عُثْمَانَا

تقولُ في مفتوحِ الفاءِ ومكسورِها مروان أتى كِرْمانَ وهو علمٌ لبلدٍ من بلادِ العجم وتقول في مضمومِ الفاءِ رحمةُ اللهِ على عثمانَ.

فهذهِ إنْ عُرِّفَتْ لَم تَنْصَرِفْ *** وما أتَى مُنَكَّرًا منها صُرِفْ

هذه الأنواعُ الستةُ إن عُرِّفَتْ بالعلميةِ لم تَنْصَرِفْ لوجودِ العلتينِ المانعتينِ منَ الصرفِ كمررتُ بطلحةَ وأحمدَ وعمرَ وإبراهيمَ ومعدِيكربَ ومروانَ وما قصد به التنكيرُ من هذه المذكوراتِ صُرِفَ لزوالِ العلميةِ تقول: رُبَّ طلحةٍ وأحمدٍ وإبراهيمٍ ومعديكربٍ ومروانٍ لقيتُهم بالجرِّ بالكسرةِ مع التنوينِ.

وإنْ عَرَاهَا ألِفٌ ولامُ *** فما على صارِفِهَا مَلامُ

إن دخلَ الأسماءَ التي لا تنصرف الألفُ واللامُ صُرِفَتْ لزوالِ علةِ منعِ الصرفِ عنها وهي شَبَهُ الفعلِ لأنه معلومٌ أن أل من خواصِّ الأسماءِ دونَ الأفعالِ قال تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد)(10).

وهكذا تُصْرَفُ في الإضافهْ *** نحوُ سَخَا بأطْيَبِ الضِّيافَهْ

كذلكَ تُصْرَفُ الأسماءُ الممنوعةُ منَ الصَّرْفِ بالإضافةِ لزوالِ شَبهِ الفعلِ أيضًا لأنَّ الإضافَة من خواصِّ الأسماءِ نحوُ سخا أَيْ جَادَ بأطيبِ الضيافة وقال تعالى: (في أحسنِ تقويم)(11).

وليسَ مصروفًا منَ البِقاعِ *** إلاَ نَواحٍ جِئْنَ في السَّماعِ

لا تُصْرَفُ أسماءُ الأماكنِ والبلدانِ للعلميةِ والتأنيثِ كمكةَ ودمشقَ إلا بقاعٌ استثنيت من هذا الحكمِ فجاءت مَصْروفةً في السَّماعِ عن العربِ فتُحْفَظُ ولا يقاسُ عليها.

نحوَ حُنَيْنٍ ومِنًى وبَدْرِ *** ودابِقٍ وواسِطٍ وحِجْرِ

نمتمنت أي مثلُ حُنينٍ اسم وادٍ بين مكةَ والطائفِ قال تعالى: (ويومَ حُنَيْنٍ)(12).

ومنًى اسمٌ لمكانٍ من مشاعرِ الحجِّ من الحرمِ الشريفِ، وبدرٍ موضع الغزوةِ العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة)(13).

ودابقٍ اسمُ بلدٍ ناحيةَ حلبٍ، وواسطٍ اسمُ مدينةٍ بين البصرةِ وبغدادَ وحِجْرٍ اسمٌ لبلدٍ على مرحلتينِ من الطائفِ إلى جهةِ اليَمنِ يقال لها حِجْرُ اليَمامةَ.

وجائزٌ في صَنعةِ الشِّعرِ الصَّلِفْ *** أن يَصْرِفَ الشاعرُ ما لا ينصرِفْ

يجوز خروجًا عن القاعدةِ في صناعةِ الشعرِ أن يصرفَ الشاعرُ للضرورةِ ما لا ينصرفُ من الأسماء نحو:

تَبَصَّرْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ *** تَـحَمَّلْنَ بالعلياءِ من فوقِ جُرْثُم

فَنوَّنَ ظعائنَ وكَسَرَهُ مع أنه على صيغةِ منتهى الجموعِ.


(10) سورة البقرة آية: 187.

(11) سورة التين آية: 4.

(12) سورة التوبة آية: 25.

(13) سورة آل عمران آية: 123.