الفاعلُ هو الاسمُ المرفوعُ المذكُور قبله فعله ودلَّ على منْ فَعَلَ الفَعلَ أو قامَ بهِ الفعلُ نحو قام زيدٌ وماتَ أحمدُ.
وكُلُّ ما جاءَ منَ الأسماءِ *** عَقيبَ فِعْلٍ سالمِ البناءِ
كلُّ ما جاءَ من الأسماءِ بعد فعلٍ أُسْنِدَ إليه ووقَعَ منه سالـمٍ من تغييرِ بنائهِ للمفعول أي مبنيّ للفاعل:
فارفَعْهُ إذْ تُعْرِبُ فَهْوَ الفاعلُ *** نَحْوُ جَرَى الماءُ وجارَ العاملُ
فارفع ذلكَ الاسمَ وهو الفاعلُ نحو جرى الماءُ وجارَ العاملُ.
وَوَحِّدِ الفعلَ مَعَ الجماعَهْ *** كَقَوْلِهِمْ سارَ الرجالُ الساعهْ
وحِّدِ الفعلَ إذا أسندَته إلى فاعلٍ ظاهرٍ في الجمعِ كما تُوَحِّدُهُ في المفردِ والمثنى فتقول قالَ رجالٌ كما تقولُ قال رجلٌ وقال رجلانِ ولا تَقُلْ قالا رجلانِ ولا قالوا رجالٌ ولا ساروا الرجالُ بل سارَ الرّجالُ.
وإنْ تَشَأْ فزِدْ عليه التاءَ *** نحوُ اشتكَتْ عُرَاتُنَا الشتاءَ
إن تَشَأْ زِدِ التاءَ على الفعلِ المسنَدِ إلى الفاعلِ الظاهرِ الذي هو جمعُ تكسيرٍ نحو سَارَتِ الرجالُ أي جماعةُ الرجالِ وإن تَشَأْ فلا نحوُ سارَ الرجالُ باعتبارِ معنى الجمعِ، ومثلُه اشتكَتْ عُراتُنا الشتاءَ واشتكى عراتُنا الشتاءَ.
وتُلحَقُ التَّاءُ على التَّحْقيقِ *** بكلِّ ما تأنِيثُهُ حقيقيْ
يَلْزَمُ لحوقُ تاءِ التأنيثِ بكلِّ فعلٍ فاعلُه مؤنَّثٌ تأنيثًا حقيقيًا ولم يَنْفَصِلْ عنه نحو جاءَتْ هندٌ القومَ والمؤنثُ الحقيقي ما له فرجٌ والمجازيُّ خلافُه.
كقولِهِمْ جاءَتْ سعادُ ضاحِكَه *** وانطلَقَتْ نَاقَةُ هندٍ راتِكَهْ
وكقولِـهم جاءَتْ سعادُ ضاحكةً وانطلقَتْ ناقةُ هندٍ راتكةً أي راكِضَةً مُـحَرِّكَةً عجيزتَـها(1) فإن انفصَلَ ما هو مؤنَّثٌ تأنيثًا حقيقيًا عنِ الفعلِ جازَ لحوقُ التاءِ الفعلَ وعدمُه نحو جاءَ القومَ هندٌ وجاءتِ القومَ هندٌ، وكذلكَ جازَ لحوقُ التاءِ بفعلٍ فاعلُهُ مؤنَّثٌ تأنيثًا مجازيًا نحو طلعتِ الشمسُ وطلعَ الشمسُ.
وتُكْسَرُ التاءُ بِلا مَحَالَهْ *** في مثلِ قَدْ أقْبَلَتِ الغَزَالَهْ
تُكْسَرُ تاءُ التأنيثِ الساكنةُ بلا مانعٍ في مثلِ قولِكَ أقبلتِ الغزالةُ لالتقاءِ الساكنينِ.
باب ما لم يسم فاعله
نائبُ الفاعلِ هو الاسمُ المرفوعُ الذي لم يُذْكَرْ معه فاعلُه نحو ضُرِبَ زيدٌ.
واقضِ قضاءً لا يُرَدُّ قائِلُهْ *** بالرفعِ فيما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهْ
احكُمْ حكمًا لا يُرَدُّ قائلُهُ لصوابِهِ بالرفعِ في المفعولِ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه أي نائبِ الفاعلِ وذلكَ:
مِنْ بعدِ ضمِّ أَوَّلِ الأفعالِ *** كقَوْلِهِمْ يُكْتَبُ عهدُ الوالِيْ
إذا أريدَ بناءُ الفعلِ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ يُضَمُّ أوَّلُ الفِعْلِ ويُكْسَرُ ما قبلَ آخرِه إن كان ماضيًا كقولِـهم كُتِبَ عهدُ الوالي ويُفْتَحُ إن كانَ مضارِعًا كقولهم يُكْتَبُ عهدُ الوالي.
وإنْ يَكُنْ ثانِيْ الثُلاثِيِّ ألِفْ *** فاكسِرْهُ حينَ تبتدِي ولا تَقِفْ
إن كانَ الحرفُ الثاني منَ الفعلِ الثلاثيّ المعتلِ ألفًا نحوُ باعَ وقالَ وأردتَ بناءَهُ للمفعولِ فاكسِرْ أولَهُ واقلِبِ الألف ياءً ولا تتردَّدْ في هذا.
تقولُ بِيْعَ الثَّوبُ والغُلامُ *** وَكِيْلَ زيتُ الشَّامِ والطعامُ
تقولُ من ذلكَ بِيْعَ الثوبُ والغلامُ وكِيْلَ زيتُ الشّامِ والطعامُ وقِيلَ الكلامُ.
بابُ المفعولِ بهِ
المفعولُ بهِ ما وَقَعَ عليهِ فعلُ الفاعلِ نحو ضربتُ زيدًا وما ضربتُ زيدًا ولا تَضْرِبْ زيدًا.
والنَّصْبُ للمفعولِ حُكْمٌ وَجَبَا *** كقَوْلِهِمْ صادَ الأميرُ أرنَبَا
النصبُ للمفعولِ حكمٌ لازِمٌ كقولهم صادَ الأميرُ أرنبًا وإنّـما جُعِلَ حُكْمُ النصبِ للمفعولِ بهِ ليُفْرَقَ بينَه وبينَ الفاعلِ.
ورُبما أُخِّرَ عَنْهُ الفاعلُ *** نَحْوُ قدِ استوفَى الخَرَاجَ العاملُ
الأصلُ أن يُؤْتَى بالفعلِ ثمَّ الفاعلِ ثم المفعولِ وربما أُخِّرَ الفاعلُ عن المفعولِ أي يجوزُ تقديمُ المفعولِ على الفاعلِ نحو استوفى الـخَراجَ العامِلُ والـخَراجُ أجرةُ الأرضِ.
وإنْ تقُلْ كَلَّمَ موسى يعلىْ *** فقدَّمِ الفاعلَ فهْو أوْلَىْ
إن قلتَ كَلَّم موسى يعلى فَقدِّمَ الفاعلَ وجوبًا خَوْفَ التباسِه بالمفعولِ لعدمِ ظهورِ الإعرابِ فيهما ولا قرينةَ تميِّزُ أحدَهما عنِ الآخر فلو ظَهَرَ الإعرابُ في أحدِهما نحو كَلَّم موسى زيدٌ أو دلَّ الفعلُ على الفاعلِ نحو أرضعتِ الصغرى الكبرى جازَ تقديمُ المفعولِ لأمنِ اللَّبْسِ.
بابُ ظننتُ وأخواتِها
الفعلُ ضربانِ لازمٌ ومتعدٍّ فاللازمُ ما لا يتجاوزُ بنفسِهِ إلى مفعولٍ كقام زيدٌ وخَرَجَ عمروٌ والمتعدي ما يتجاوزُ الفاعلَ بنفسهِ إلى المفعولِ بهِ فيرفَعُ فاعلَهُ وينصِبُ مفعولَهُ.
وكلُّ فعلٍ مُتَعَدٍّ يَنْصِبُ *** مفعولَهُ مثلُ سَقَىْ ويَشْرَبُ
كلُّ فعلٍ متعدٍ ينصِبُ مفعولَه سواءٌ كان مـما يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ مثلُ يَشْرَبُ زيدٌ الماءَ أو يتعدى إلى مفعولين مثل سَقى زيدٌ عمرًا لبنًا.
لَكِنَّ فِعْلَ الشكِّ واليقينِ *** يَنْصِبُ مفعولَيْنِ في التَّلْقيْنِ
لكنَّ أفعالَ الشَّكِ واليقينِ تَنْصِبُ مفعولينِ لا يجوزُ حذفُهما ولا أحدِهما لغيرِ دليلٍ لأنَّ أصلَهُما مبتدأٌ وخبرٌ وتُسَمَّى هذهِ الأفعالُ أفعالَ القلوبِ لما فيها من مَعنى إعلامِ غيرِك بما في قلبِك فمعانيها قائمةٌ بالقلبِ وهذهِ الأفعالُ هي ظننتُ وحَسِبْتُ وخِلْتُ وزَعَمْتُ ووجَدْتُ ورأيت وعَلِمْتُ ودَرَيْتُ.
تقولُ قد خِلْتُ الهلالَ لائحَا *** وقَدْ وجدْتُ المستشارَ ناصحَا
تقولُ من أمثلةِ أفعالِ الشَّكِ خِلْتُ الهلالَ لائحًا أي ظننتُه لامعًا فلا يجوزُ أن تقولَ خلتُ الهلالَ فقط ولا خِلْتُ فقط ومن أمثلةِ أفعالِ اليقينِ وجدتُ المستشارَ ناصحًا.
وما أظُنُ عامِرًا رفيقَا *** ولا أرى لي خالدًا صديقا
مثلُ ما تَقَدَّمَ من الأمثلةِ أظنُّ عامرًا رفيقًا وأرى خالدًا صديقًا لي.
وَهَكَذَا تَصْنَعُ في عَلِمْتُ *** وفي حَسِبْتُ ثُمَ في زَعَمْتُ
هكذا تَفْعَلُ في عَلِمْتُ نحو عَلِمْتُ الله نصيرًا وفي حَسِبْتُ نحو حَسِبْتُ زيدًا أميرًا وفي زَعَمْتُ نحو زَعَمْتُ زيدًا كريمًا.
ثمَّ اعلم أنَّ أفعالَ القلوبِ تُسَمَّى أيضًا أفعالَ الشَّكّ واليقينِ لأنَّ منها ما يفيدُ في الخبرِ شَكًّا نحوُ ظَنَّ وحَسِبَ وخالَ ومنها ما يفيدُ فيه يقينًا نحوُ وَجَدَ وعَلِمَ ورأى ومنها ما يَـحْتَمِلُ الشَّكَّ واليقينَ وهو زعم.
باب إعمال اسم الفاعل
اسمُ الفاعلِ هو اسمٌ يُشْتَقُّ من الفعلِ للدلالةِ على وَصْفِ مَنْ قَامَ بالفِعْلِ.
وإن ذَكَرْتَ فاعلًا مُنَوَّنَا *** فهْو كما لو كان فعلًا بيِّنَا
إن ذكرتَ اسم فاعلٍ مُنَونًا فهو يَعْمَلُ عَمَلَ فعلِه المبنيِّ للفاعلِ كما لو كانَ فعلًا مضارعًا بّينًا أي ظاهرًا.
فارفَعْ به في لازم الأفعال *** وانصِبْ إذا عُدِّيْ بكلِّ حالِ
ارفَعْ باسمِ الفاعلِ الفاعلَ إن كانَ فعلُه لازمًا وانصِبْ بهِ المفعولَ إن كان فعلُهُ متعديًا.
تقولُ زيدٌ مُسْتَوٍ أبوهُ *** بالرفعِ مِثلُ يَسْتَوِي أخُوهُ
تقولُ زيدٌ مستوٍ أبوه برفعِ أبوه كما تقولُ في فعلهِ اللازمِ "يستوي أخوه" برفعِ أخوه أيضًا على الفاعلية.
وَقُلْ سعيدٌ مُكْرِمٌ عثمَانا *** بالنَّصْبِ مِثلُ يُكرِمُ الضِّيفَانَا
وتقولُ "سعيدٌ مكرِمٌ عثمانَ" بنصبِ عثمانَ كما تقولُ في فعله المتعدي "يُكْرِمُ الضِّيفانَ" جمعُ ضيفٍ وكذلك يَنْصِبُ اسمُ الفاعلِ مفعولينِ إن كانَ فعلُه متعديًا إلى اثنينِ نحو "سعيدٌ مُعْطٍ زيدًا درهمًا".
بابُ المصدرِ
المصدرُ هو الاسمُ الذي يَدُلُّ على الحدَثِ دونَ أن يَقْتَرِنَ بزمانٍ كالسَّعْيِ والرَّكْضِ والكتابةِ والاستغفارِ.
والمَصْدَرُ الأصلُ وأيُّ أصْلِ *** ومِنْهُ يا صَاحِ اشتقاقُ الفعلِ
المصدرُ هو الأصلُ للأفعالِ ولهذا سُمِّيَ مَصْدَرًا لصدورِ الأفعالِ عنهُ فقولُك ضَرَبَ ويضربُ وأضرِبُ مشتقٌ منَ الضَّرْبِ.
وأوْجَبَتْ لهُ النُّحَاةُ النَّصْبَا *** كقولهم ضَرَبْتُ زيدًا ضربًا
أوجبتِ النحاةُ للمصدرِ حكمَ النَّصْبِ إذا كان فضلةً وسُلِّطَ عليهِ عاملٌ من لفظِهِ أو معناه ويُسَمَّى حينئذٍ المفعولَ المطلقَ كقولهم ضربتُ زيدًا ضربًا وقعدتُ جلوسًا.
وقد أُقيمَ الوَصْفُ والآلاتُ *** مُقامَهُ والعددُ الإثباتُ
قد أقيمتْ صفةُ المصدرِ والآلاتُ التي يفعلُ بها مُقامَ المصدرِ بعد حذفِهِ وكذلك عددُ المصدرِ المثبَتِ لا المنفيُ فينتصبُ كلُّ ذلك كما انتصب المصدرُ.
نحُو ضربتُ العبدَ سَوْطًا فَهَرَبْ *** واضرِبْ أشَدَّ الضَّرْبِ مَنْ يَغْشَى الرِّيَبْ
مثالُ الآلةِ التي أقيمت مُقام المصدرِ ضربتُ العبدَ سوطًا أي ضَرْبَ سَوْطٍ فحُذِفَ المصدرُ وأقيمَتْ آلتُه مُقَامَهُ، ومثالُ الصِّفةِ التي أقيمت مُقام المصدر اضرب أَشَدَّ الضرب أي ضربًا أشدَ فحذف المصدر وأقيم وصفه مُقامه والرِّيَبْ مواضع التهم.
واجلِدْهُ في الخَمْرِ اربعينَ جَلْدَهْ *** واحْبِسْهُ مِثْلَ حَبْسِ مَوْلًى عَبْدَهْ
مثالُ العددِ اجلدْه أربعينَ أي جَلْدًا أربعينَ فحُذِفَ المصدرُ وأقيمَ العددُ مُقامه ومثالُ الوصفِ أيضًا احبِسْه مثلَ حَبْسِ مولى عبدَه أي حَبْسًا مثلَ حَبْسِ مولًى عبدَه.
ورُبَّمَا أُضْمِرَ فِعْلُ المصدرِ *** كقولِهِمْ سَمْعًا وطَوْعًا فاخْبُرِ
ربما أُضْمِرَ فعلُ المصدرِ وجوبًا كقولهم عندَ الأمرِ بالفعلِ سَمْعًا أي أَسْمَعُ لك سَمْعًا وطوعًا أي أُطيعَ لك طَوعًا وحُبًّا أي أحبُّك حبًا فاختبِرْ ذلك.
ومِثْلُهُ سَقْيًا لَهُ ورَعْيَا *** وإنْ تَشَأْ جَدْعًا لَهُ وكَيَّا
ومثلُ ما ذكرناهُ من إضمار فعلِ المصدرِ في الدعاءِ لشخصٍ قولُك له سقيًا ورعيًا أي سقاه اللهُ سقيًا ورعاه رعيًا.
وإن تشأ فقُلْ في الدعاءِ عليه جَدْعًا وكيًّا أي جَدَعَ اللهُ أنفَه وكواه، والجدَعُ قطعُ طَرَفِ الأنفِ.
فهذه المصادرُ ونحوُها منصوبةٌ بأفعالٍ مُقَدَّرةٍ من جِنْسِها تُـحْفَظُ ولا يقاسُ عليها.
ومِثْلُهُ جاءَ الأميرُ رَكْضا *** واشْتَمَلَ الصَمَّاءَ إذْ تَوَضَّا
مثالُ المصدرِ الذي أُضْمِر فعلُه نحو جاءَ الأميرُ ركضًا أي يَرْكُضُ ركضًا وأقبلَ زيدٌ سعيًا أي يَسْعَى سعيًا فركضًا وسعيًا مصدرانِ أُضْمِرَ فعلُهما.
وأما زيدٌ اشتملَ الصَّمَّاءَ فمعناه اشتمل الشِّمْلةَ الصماء أي الاشتمالَ المعروفَ بالصمّاءِ بأن أدارَ الثوبَ على جسدِه من غيرِ أن يُخْرِجَ منه يدَهُ مع رفعِ طرفهِ على عاتقِه الأيسرِ وعلى هذا فهو من أمثلة ما نابَ فيه نوعُ المصدرِ منابَ المصدر وليس من أمثلة المصدرِ الذي أُضمَر فعلُه إذِ الصَّمّاءُ نوعٌ من الاشتمالِ الذي هو المصدرُ فنابَ نوعُهْ عنه.
(1) ضربٌ من السيرِ فيه اهتزازٌ.