إذا أردتَ إنشاءَ فعلِ التعجبِ فجِئْ به على وزنِ "ما أَفْعَلَ" ثم جِئْ بالـمُتَعجَّبِ مِن فعلِهِ منصوبًا نصبَ المفعولِ به نحوُ "ما أحسنَ زيدًا".
نمتمنت
وتُنْصَبُ الأسماءُ في التَعَجُّبِ *** نَصْبَ المفاعيلِ فلا تَسْتَعْجِبِ
تُنْصَبُ الأسماءُ الواقعةُ في التَّعجبِ بعدَ "ما أَفْعَلَ" على أنَّها مفاعيلُ لأفعَلَ وفاعلُه ضميرٌ مستترٌ فيه وجوبًا ولا تستغربْ ذلك.
تقولُ ما أحْسَنَ زيدًا إذْ خَطَا *** وما أحَدَّ سَيْفَهُ حين سَطَا
تقولُ في مثالِ ذلكَ: ما أحسنَ زيدًا وما أَحَدَّ سيفَهُ حينَ سطا أي وَثَبَ على عَدُوِّهِ وقَهَرَهُ، فزيدًا وسيفَه مفعولان.
وإنْ تعجَّبْتَ منَ الألوانِ *** أو عاهةٍ تَحْدُثُ في الأبدانِ
إن تَعَجَّبْتَ من لونٍ من الألوانِ كالبياضِ والسَّوادِ أو عِلَّةٍ من العِلَلِ الحادثةِ في الأبدانِ كالعَمى والعَوَرِ والعَرَجِ فلا تَقُلْ ما أبيضَهُ وما أعماه وما أعرجَهُ بل:
فابْنِ لها فِعْلًا من الثُلاثِيْ *** ثُمَّ ائْتِ بالألوانِ والأحداثِ
صُغْ للمتعجَّبِ منه لونًا كانَ أو عاهَةً فِعْلًا من الثلاثيِّ دالًا على المبالغةِ كأشدَّ وأقبحَ ونحوِهما ثُمَّ ائتِ بعدها بالألوانِ أو العِلَلِ منصوبةً على المفعوليةِ نحو ما أنقى بياضَه وما أشدَّ عَماه.
تقولُ ما أنقَى بياضَ العاجِ *** ومَا أشَدَّ ظُلْمَةَ الدَّياْجِي
تقولُ في التعجبِ من بياضِ العاجِ: ما أنقى بياضَ العاجِ وفي التعجبِ من عَوَرِ زيدٍ ما أقبحَ عَوَرَهُ.
ولا تُبْنَى صيغةُ التعجبِ مِنَ الرباعيِ فأكثرَ كدَحْرَجَ وانطلقَ واستخرَجَ بل يقال فيه أيضًا: ما أشدَّ دِحراجَهُ وما أسرعَ انطلاقَهُ وأحسنَ استخراجهُ.
بابُ الإغراءِ
الإغراءُ في الاصطلاحِ ترغيبُ المخاطَبِ في أمرٍ محمودٍ ليفعلَه نحو: الاجتهادَ الاجتهادَ ويُقَدَّرُ فعلٌ ناصبٌ للمغرَى به يناسِبُ المقَام نحو الزمْ أو اطلبْ وما شاكلَ ذلكَ.
والنَّصْبُ بالإغراءِ غيرُ مُلْتَبِسْ *** وَهْوَ بِفِعْلٍ مُضْمَرِ فافْهَمْ وَقِسْ
نصبُ الاسمِ المغرَى به ظاهرٌ غيرُ خافٍ لأنه مفعولٌ به والعاملُ فيه إما فعلٌ ظاهرٌ نحو الزمِ التقوى وإما فعلٌ مضمَرٌ جوازًا نحوُ الصلاةَ جامعةً أي احضروا الصلاةَ وإما فعلٌ مضمرٌ وجوبًا وذلكَ في:
1- العطفِ نحو الأهلَ والولدَ – العهدَ والذمةَ.
2- والتكرارِ نحو أخاكَ أخاكَ – الصلاةَ الصلاةَ.
تقولُ للطّالبِ خِلًّا بَرّا *** دُونَكَ زيدًا وعليكَ عَمْرا
تقولُ في مثالِ ذلكَ للطالبِ: "خِلَّا بَرَّا" أي الزمْ صديقًا محسِنًا، ودونَكَ الكتابَ بمعنى خُذْه و"عليك عمرًا" بمعنى الزمْه وكلٌّ من دونَك وعليكَ اسمُ فعلِ أمرٍ وما بعدهما منصوبٌ على المفعوليةِ.
بابُ التحذيرِ
التحذيرُ في الاصطلاحِ تنبيهُ المخاطَبِ وتخويفُه من أمرٍ مكروهٍ أو قبيحٍ ليجتَنِبَه نحو الأسدَ والتقديرُ احذرِ الأسدَ.
وتَنْصِبُ الإسمَ الذي تُكَرِّرُهْ *** عَنْ عِوَضِ الفعلِ الذي لا تُظْهِرُهْ
أي يجبُ إضمارُ أي عدمُ إظهارِ الفعلِ مع تكرارِ المفعولِ أو العطفِ عليهِ نحو الحيةَ الحيةَ ونفسَكَ والشرَّ، ويجوزُ إظهارُه في ما سوى ذلك فيجوزُ أن تقولَ الأسدَ بإضمارِ الفعلِ ويجوز احذرِ الأسدَ بإظهارِه لعدمِ التكرارِ والعطفِ ويُفْهَمُ مثيلُ هذا في الإغراءِ وقد تقدم.
مِثْلَ مَقالِ الخاطِبِ الأوّاهِ *** أللَّه أللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ
مثالُهُ قولُ الخطيبِ: اللهَ اللهَ عبادَ اللهِ، فلفظُ الجلالةِ منصوبٌ على التحذيرِ أي اتقوا اللهَ والعاملُ أي الفعلُ أُضْمِرَ وجوبًا لأنَّ تَكرارَ المفعولِ أُقيمَ مُقامَ إظهارِ الفعلِ المحذوفِ.
ويُفْهَمُ ممّا تقدَّم أن التحذيرَ كالإغراءِ في أحكامِه ولهذاَ مَثَّلَ الناظمُ بما يَصْلُحُ لهما.
باب إنَّ وأخواتِها
وسِتَّةٌ تَنْتَصِبُ الأسماءُ *** بها كما تَرْتَفِعُ الأنباءُ
ستةٌ من الحروفِ تُنْصَبُ أسماؤها بدخولِـها عليها كما تُرْفَعُ أخبارُها فهي من نواسخِ الابتداءِ تدخُلُ على المبتدأِ والخبرِ وتَنْسَخُ حكمَهما نحو إنَّ زيدًا قائمٌ.
وَهْيَ إذا رَوَيْتَ أو أمْلَيتَا *** إنَّ وأنَّ يا فتَى ولَيْتَا
هذه الحروفُ الستةُ هي إِنّ بكسرِ الهمزةِ وأَنّ بفتحِها تُسْتعملان للتأكيدِ أي تقويةِ نسبةِ الخبرِ للمبتدأِ وليتَ للتمني وهو طلبُ ما لا طمعَ فيه أو ما فيه عسرٌ.
ثُمَّ كأنَّ ثُمَّ لكِنَّ وعَلْ *** واللغةُ المشهورةُ الفُصْحَى لَعَلْ
وكذلكَ كأنّ وتستعمل للتشبيهِ ولكنَّ للاستدراكِ وهو تعقيبُ الكلامِ برفعِ ما يُتَوَهَّمُ ثبوتُه أو نفيُه من الكلامِ، وعلَّ وتأتي للترجي وهو طلبُ الأمرِ المحبوبِ نحوُ لعلَّ الحبيبَ قادمٌ وللإشفاقِ أي الخوفِ من المكروهِ نحو لعلَّ زيدًا هالكٌ والأفصحُ لعلَّ بدلَ علَّ.
وإنَّ بالكسرةِ اُمُّ الأحرُفِ *** تأتِي معَ القولِ وبعدَ الحَلَفِ
إنَّ بكسرِ الهمزةِ هي أمُّ هذه الأحرفِ الستةِ وتأتي مَحْكِيَّةً بالقولِ نحو (قال إني عبدُ الله)(2) وتأتي كذلكَ بعدَ الحلفِ أي في جوابِ القسمِ نحوُ قولك "واللهِ إني لقادمٌ" وتأتي في ابتداءِ الكلامِ نحو (إنا أنزلناه في ليلة القدر)(3).
واللّاَمُ تَخْتَصُّ بمَعْمُولاتِها *** لِيَسْتَبينْ فَضْلُها في ذاتها
إذا دخلتْ لامُ الابتداءِ على أحدِ معمولَي إنَّ وجبَ كسرُ همزتها لأنَّ لامَ الابتداءِ تختص بمعمولاتِ إنَّ المكسورةِ فتدخُلُ على خبرِها وعلى اسمِها المتأخِرِ عنها نحو (إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار)(4) وإن في الدارِ لزيدًا واختصَّتْ إنّ بهذا ليظهرَ تمييزُها على أخواتِها في نفسِها وأنها أمُّ البابِ لاختصاصِ معمولاتها باللامِ دونَ أخواتها.
مثالُهُ إنَّ الاميرَ عادِلُ *** وقَدْ سمعتُ أنَّ زيدًا راحِلُ
مثالُ نصبِ إنَّ الاسمَ ورفعِها الخبرَ "إنّ الأمير عادلٌ" ومثالُ أنَّ سمعتُ أنَّ زيدًا راحلٌ.
وقيل إنَّ خالدًا لقادِمُ *** وإنَّ هندًا لأبُوها عالمُ
وتقولُ في مثالِ دخولِ لامِ الابتداءِ على خبرِ إنَّ المفردِ "إنّ خالدًا لقادمٌ" ومثالُ دخولها على خبرِ إنّ إذا كان جملةً اسميةً قولك "إنّ هندًا لأبوها عالمٌ".
ولا تُقدِّمْ خَبَرَ الحُروفِ *** إلا معَ المجرورِ والظُّروفِ
ولا تقدِّم خبرَ هذهِ الحروفِ الستة على أسمائِها بل الزمِ الترتيبَ بذكرِها ثمَّ أخبارها إلا إذا كان الخبرُ جارًّا ومجرورًا أو ظرفًا فيجوزُ تقديمُه على الاسمِ مثالُه:
كقولِهِمْ إنَّ لزيدٍ مالا *** وإنَّ عِنْدَ عامرٍ جِمَالاَ
مثالُ تقديمِ الخبرِ إذا كان جارًا ومجرورًا على الاسمِ "إنّ لزيدٍ مالًا" ومثال الظرف "إنّ عند عامرٍ جمالًا".
وإنْ تُزَدْ ما بعدَ هَذِي الأحرُفِ *** فالرفعُ والنصبُ أُجيزَا فاعْرِفِ
إن زيدتْ ما الحرفيةُ الزائدةُ بعدَ هذهِ الأحرفِ الستةِ جازَ في الاسمِ الرفعُ على أنَّ ما كَفَّتْ عملَ هذهِ الأحرفِ وجازَ النصبُ على إعمالِهن وإلغائِها.
والنصبُ في لَيْتَ لَعَلَّ أظهَرُ *** وفي كأنَّ فاسْتَمِعْ ما يؤْثَرُ
النصبُ في ليتَ ولعلّ وكأنّ أظهرُ منَ الرفعِ أي إعمالُها مع دخولِ ما الكافةِ عليها أظهرُ من إهمالِها فاستمِعْ ما يُنْقَلُ عن العربِ.
باب كان وأخواتها
وعَكْسُ إنَّ يا أُخَيَّ في العملْ *** كان وما انفكَّ الفتى ولمْ يَزَلْ
كانَ وأخواتُها تَعْمَلُ عكسَ عَمَلِ إنّ فتَدْخُلُ على المبتدإِ والخبرِ فترفع المبتدأَ على أنه اسمُها وتنصبُ الخبرَ على أنه خبرُها وهي ثلاثةَ عشرَ فعلًا أولها كان وثانيها ما انفكَّ وثالثُها ما زالَ الذي مضارعُه لم يَزَلْ.
وهكذا أصبَحَ ثُمَّ أمْسَى *** وباتَ ثُمَّ ظَلَّ ثمَّ أضْحَى
رابعُها أصبحَ وخامسُها أمسى وسادسُها بات وسابعها ظلّ وثامنُها أضحى.
وصارَ ثُمَّ لَيْسَ ثُمَّ ما بَرِحْ *** وما فَتِئْ فافْقَه بَيانِي المُتَّضِحْ
وصارَ تاسعُها ثمَّ ليسَ عاشِرُها ثم حادي عشرها ما برح وثاني عشرِها ما فتئ فافهم بيانيَ الواضح.
وأختُها ما دام فاحفَظَنْها *** واحْذرْ هُدِيتَ أنْ تَزِيغَ عنها
ثالث عشرها ما دام فاحفَظْ هذه الأفعالَ الثلاثة عَشَرَ وأحكامَها واحذَرْ أن تميلَ عما قُرِّر فيها.
تقولُ قد كانَ الأمير راكبا *** ولم يَزَلْ أبو عَلِيٍّ غَائِبَا
تقولُ في مثالِ ما تَقَدَّمَ "كان الأميرُ راكبًا" ولم يَزَلْ أبو عليٍّ غائبًا ثمَّ اعلَمْ أنَّ ما تَصَرَّفَ من هذهِ الأفعالِ يَعْمَلُ عَمَلَها كقولِكَ كان زيدٌ فقيهًا وسيكون فقيهًا وكُنْ فقيهًا وكلُّ ما جازَ أن يكونَ خبرًا للمبتدإِ جازَ أن يكون خبرًا لهذهِ الأفعالِ نحو كانَ زيدٌ يصلي وعندنا وفي الدارِ.
وأصبَحَ البَرْدُ شديدًا فاعلَمِ *** وبات عمرٌو ساهرًا لم يَنَمِ
مثلُ ما تقدّم أصبحَ البردُ شديدًا وبات عمرٌو ساهرًا.
ومَنْ يُرِدْ أنْ يجْعَلَ الأخبَارَا *** مُقدَّماتٍ فَلْيَقُلْ ما اختارَا
من أراد أن يقدِّمَ أخبارَ هذهِ الأفعالِ على أسمائِها أو عليها فذلكَ جائزٌ.
مثالُهُ قد كان سَمْحًا وائِلُ *** وواقِفًا بالبابِ أضْحَى السَّائِلُ
مثالُ تقديمِ الخبرِ على الاسمِ كانَ سَمْحًا وائلٌ أي كَرِيمًا ومثالُ تقديمِ الخبر على الفعلِ والاسمِ "واقفًا بالبابِ أضحى السَّائلُ" ولكنَّ تقديمَ الخبرِ على الفعلِ واسمِه لا يجوزُ في الأفعالِ الأربعةِ الملازِمةِ للنفيِ بما فلا تقول مثلًا: قائمًا ما برحَ زيدٌ ولا قائمًا ما دامَ زيدٌ.
وإنْ تَقُلْ يا قَوْمِ قَدْ كان المطرْ *** فلستَ تحتاجُ لها إلى خَبَرْ
إن قلتَ "قد كانَ المطرُ" أي حَدَثَ وحَصَلَ فلا تحتاج إلى خبرٍ لكان لاكتفائها بمرفوعها فهي تامةٌ من بابِ الفعلِ والفاعلِ.
وهَكَذا يَصْنَعُ كلُّ مَنْ نَفَثْ *** بها إذا جاءت ومعناها حَدَثْ
هكذا يفعلُ كُلُّ مَنْ تكلَّم بكان إذا جاءت ومعناها حَدَثَ أي وَقَعَ وحَصَلَ.
والباءُ تَخْتَصُّ بليس في الخَبَرْ *** كقَوْلِهِمْ لَيْسَ الفَتَى بالمُحْتَقَرْ
خُصَّتْ ليس من بينِ أفعالِ هذا البابِ بجوازِ دخولِ الباءِ الزائدةِ على خبرِها نحو "ليس الفتى بالمحتَقَرِ" وكقوله تعالى: (ألستُ بربكم)(5).
(2) سورة مريم آية: 30.
(3) سورة القدر آية: 1.
(4) سورة آل عمران آية: 13، و سورة النور آية: 44، وسورة النازعات الآية: 26.
(5) سورة الأعراف آية: 172.