وإنْ نَطَقْتَ بالعقودِ في العَدَدْ *** فانْظُرْ إلى المعدودِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ

إن نطقتَ بالعددِ من ثلاثةٍ إلى عَشَرَةٍ فانظر إلى نوعِ المعدودِ لقَّاكَ اللهُ الرشدَ وألهمكَ إياه. وسمَّى الأعدادَ عقودًا لأنهم كانوا يعقِدون الأصابعَ عندها.

فأثبِتِ الهاءَ معَ المُذكرِ *** واحذِفْ معَ المؤَنَّثِ المُشتَهِرِ

أثبتِ الهاءَ الدالةَ على التأنيثِ مع المعدودِ الذي واحدهُ مذكرٌ واحذفْها معَ المعدودِ الذي واحدُه مؤنثٌ.

تقولُ لي خمْسةُ أثوابٍ جُدُدْ *** وازْمُمْ لَهُ تِسْعًا من النّوقِ وقُدْ

تقولُ في مثالِ إثباتِ التاءِ مع المذكرِ لي خمسةُ أثوابٍ جمع ثوبٍ وفي مثالِ حذفِها مع المؤنثِ تقول ازمُمْ له تسعًا منَ النوقِ جمع ناقةٍ.

وإنْ ذكَرْتَ العَدَدَ المركَّبا *** فَهْوَ الذي استوجبَ ألّا يُعْرَبَا

إن ذكرتَ العددَ المركبَ أي المؤلفَ من الآحادِ السَابِقَةِ مع العشرةِ وهو الذي استَحَقّ أن يُبْنَى آخرُه على الفتحِ كتسعةَ عَشَرَ:

فألحِقِ الهاءَ مَعَ المُؤَنَّثِ *** بآخِرِ الثاني ولا تكتَرِثِ

ألحقْ هاءَ التأنيثِ آخرَ الجزءِ الثاني من العددِ المركبِ إذا كَانَ المعدودُ مؤنثًا جريًا على القاعدِة ولا تُبَالِ.

مِثَالُهُ عِندِي ثلاثَ عَشْرهْ *** جُمانةً مَنْظُومَةً ودُرَّهْ

مثالُ المعدودِ إذا كان مؤنثًا "عندي ثلاثَ عشرةَ جمانةً" بإلحاقِ تاءِ التأنيثِ بعشرةٍ لكون المعدودِ أي جمانةً مؤنثًا.

وعَكْسُها يُعمَلُ في التذكيرِ *** بغيرِ إشكالٍ ولا تأخيرِ

يعمَلُ عكسُ ما ذكر إذا كانَ المعدودُ مذكرًا فلا تلحَقُ هاءُ التأنيثِ آخرَ الجزء الثاني حينئذٍ وعليه فإنك تقولُ عندي ثلاثَ عَشْرة امرأةً وثلاثةَ عَشَر رجلًا.

وقدْ تَنَاهَى القولُ في الأسماءِ *** على اختصارٍ وعلى استيفاءِ

قد انتهى قولُنا في الأحكامِ المتعلقةِ في الأسماءِ على إيجازٍ في العبارة وعلى استيفاءِ كلِّ ما هو مطلوبٌ علمُه للمبتدئِ.

وحَقَّ أنْ نَشْرَحَ شَرْحًا يُفْهِمُ *** ما يَنْصِبُ الفِعْلَ وما قَدْ يَجْرِمُ

أي وإذ قد تناهى الكلامُ في الأسماءِ حَسُنَ مِنَّا أن نُبَيِّنَ شرحًا يَفْهَمُ الطالبُ ما ينصِبُ الفعلَ المضارعَ من الأدواتِ وما قد يجزمُهُ.

باب نواصبِ الفعلِ

وتنصِبُ الفعلَ السليمَ أنْ ولَنْ *** وكي وَكَيْلا ثُمَّ حَتَّى وإذَنْ

تَنصِبُ حروفُ النصبِ الفعلَ المضارعَ السليمَ من حروفِ العلةِ بالفتحةِ الظاهرةِ كما تَنصبُ الفعلَ المعتلَ بالفتحةِ الظاهرةِ إلا المعتلَ بالألِفِ نحو يخشى كما سيذكرُه لاحقًا، وحروفُ النصبِ هي أن ولن وكي وحتى وإذن، مثال ذلك قوله تعالى (وأن تصوموا خير لكم)(14) (لن نبرحَ عليه عاكفين)(15) وأما كيلا فهي كي اتصلتْ بها لا لإفادةِ النفي نحوُ جئت كيلا تهجرَني وكذلك من نواصب المضارع:

واللَّامُ حينَ تبْتَدِى بالكَسْرِ *** وَهْيَ إذا حقَّقْتَ لامُ الجرِّ

أي وتَنصِبُ الفعلَ المضارعَ اللامُ المكسورةُ وهي نوعانِ:

1- لامُ كي نحو جئتُ لأدرسَ وهي حرفُ جرٍّ ينصبُ بأن مضمرةً بعدها جوازًا.

2- ولامُ الجحود أي النفي وهي الواقعةُ بعدَ كانَ المنفيةِ بما، نحو قوله تعالى: (وما كان اللهُ ليعذبَهم)(16). وينصِبُ المضارع بأن مقدرةً بعدها وجوبًا.

والفاءُ إِنْ جاءَتْ جوابَ النَهي *** والأمرِ والعَرضِ معًا والنَّفْيِ

ينصبُ الفعل المضارع أيضًا بعد فاءِ السببيةِ في جوابِ النهيِ نحو لا تَقُمْ فأذهبَ وفي جوابِ الأمرِ نحو زرني فأكرِمَكَ والعرضِ نحو ألا تزورُنا فنكرمَكَ وفي جوابِ النفي نحو ما عندي شيءٌ فأعطيَك وفاءُ السببيةِ هي التي تفيدُ أنَّ ما قبلها سببٌ لما بعدها.

وفي جوابِ لَيْتَ لي وهَلْ فَتَى *** وأيْنَ مَغداكَ وأنَّى ومَتَى

كذلك يُنصبُ الفعل المضارع بعد فاء السببية في جوابِ التمني نحو ليتَ لي مالًا فأحجَّ منه، وفي جوابِ الاستفهامِ نحو هل فتًى فأقصدَه ونحو أين مغداك فأسيرَ معك والمغدى موضعُ الغدُوِّ وهو السيرُ أوَّل النهارِ.

والوَاوُ إن جاءَتْ بمعنَى الجمعِ *** في طَلَبِ المأمورِ أوْ في المَنْعِ

يُنصبُ الفعلُ المضارعُ بعد واوِ المعيةِ وتكونُ بمعنى مع، وذلك في جوابِ الأمرِ أو في جوابِ المنعِ أي النهيِ والنفيِ نحو زرني وأكرمَك وتفيدُ واوُ المعية ترادفَ حصولِ ما قبلها معَ ما بعدَها.

واعلَمْ أنَّ الفعلَ في هذِه المواضعِ منصوبٌ بأن مضمرةٍ وجوبًا بعدَ الواوِ والفاءِ لا بهما.

وتَنَصِبُ الفِعْلَ بأو وحتَّى *** وكُلُّ ذا أُودعَ كُتْبًا شتَّى

ينصبُ الفعلُ المضارعُ بعد أو التي بمعنى "إلى أن" نحو "لألزَمنَّكَ أو تقضيَني حَقّي" وأو التي بمعنى "إلا أن" نحو لأقتلنَّ الكافرَ أو يُسْلِمَ.

وينصب المضارع بعد حتى وترد بمعنى "إلى أن".

نحو قوله عز وجل (حتى يرجعَ إلينا موسى)(17) وترد بمعنى كي نحو أسلِمْ حتى تدخلَ الجنةَ وكذلك حتى وأو ينصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبًا.

وكلُّ هذا أُودِعَ كُتبًا متفرقةً فجَمَعَها الناظمُ في هذهِ الأبياتِ وقرَّبها على الطالبِ فجزاه الله خيرًا، ثم صَرَّحَ بأمثلةِ هذهِ النواصبِ زيادةً في الإيضاحِ فقال:

تقولُ أبغِي يا فَتَى أن تَذْهَبَا *** ولن أزالَ قائمًا أو ترْكَبَا

تقولُ في مثالِ النصبِ بأن "أبغي يا فتى أن تذهبَ" وتقولُ في مثالِ النصبِ بلن وبأو "لن أزالَ قائمًا أو تركبَ".

وجئْتُ كي تُولِيَني الكرَامهْ *** وسِرتُ حتى أدخُلَ اليمامَهْ

اعلم أنَّ النصبَ يكونُ بكي المصدريةِ إن سبقتْها لامُ التعليلِ لفظا أو تقديرا نحو جئتُ لكي توليَني الكرامةَ فإن لم تسبقْها اللام ولا قُدِّرَتْ قبلها كانت كي نفسُها بمعنى لامِ التعليلِ حرف جرٍ والنصبُ بأن مضمرةٍ بعدها وجوبًا نحو جئت كي توليَني الكرامةَ وتقول في مثال النصبِ بحتى سرتُ حتى أدخلَ اليمامة.

واقتَبِسِ العِلمَ لِكَيْمَا تُكْرَمَا *** وعاصِ أسبابَ الهَوَى لِتَسْلَمَا

مثالُ النصبِ بكي "اقتبسِ العلم لكيما تُكرمَ" ويفهم منه أنَّ اتصالَ ما بكي لا يكُّفها عن العملِ، ومثالُ لامِ كي "عاصِ أسبابَ الهوى لتسلمَ" فلامُ كي حرفُ جرّ وتسلمَ منصوبٌ بأن مضمرةٍ بعدَها جوازًا.

ولا تُمارِ جاهلًا فَتَتْعَبَا *** ومَا عليكَ عَتْبُهُ فَتُعْتَبَا

مثالُ النصبِ بالفاءِ في جوابِ النهي "لا تُـمارِ جاهلًا فَتتعبَ" ومثالُ النصبِ بالفاءِ في جوابِ النفيِ "ما عليكَ عَتْبُه فتُعتبَ".

وهلْ صديقٌ مخلصٌ فأقْصِدَهْ *** وليتَ لي كنْزَ الغِنَى فأرْفِدَهْ

ننمتمنت ومثال النصب بالفاء في جواب الاستفهام "هل صديقٌ مخلصٌ فأقصدَه؟" ومثال النصب بالفاء في جواب التمني "ليت لي كنزَ الغِنى فأرفِدَه أي أعطيه".

وزُرْ فَتَلْتَذَّ بأصنافِ القِرَى *** ولا تُحاضِر وتُسِيءَ المَحْضَرَا

مثالُ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمر "زُرْ فتلتذَّ بأصنافِ القِرى" أي الضيافةِ، ومثالُ النصبِ بالواوِ في جوابِ النهي "لا تحاضِرْ وتسيءَ المحضَرَ" أي لا تجمَعْ بين المحاضرةِ وسوءِ الأدبِ فيها.

ومَنْ يَقُلْ إنِّي سأغْشَى حَرَمَكْ *** فقُلْ لَهُ أنتَ إذن أحتَرِمَكْ

مثالُ النصبِ بإذن "إذن أحترمَك" جوابًا لمن قال لك "إني سأغشى حَرَمَكَ" أي سآتيه.

وقُلْ لَهُ في العَرْضِ يا هذا ألا *** تَنْزِلُ عندِي فتُصيبَ مأْكَلَا

مثالُ النصبِ بالفاءِ في جوابِ العَرْضِ "ألا تنزلُ عندي فتُصيبَ مَأْكَلا".

فهذهِ نواصبُ الأفعالِ *** مَثَّلْتُها فاحْذُ على تِمْثَالى

هذهِ هي نواصبُ الفعلِ المضارعِ صَورتُـها فقِسْ على تصويري.

وإنْ تكُنْ خاتِمَةُ الفِعلِ ألِفْ *** فَهْيَ على سكونها لا تَخْتَلِفْ

إن كان آخرُ الفعلِ المضارعِ ألفًا مثلُ يرضى ويخشى ويرى فهذهِ الألفُ لا يظهرُ للنصبِ فيها أثرٌ فلا يختلفُ هذا الآخرُ باختلافِ العواملِ لتعذُّرِ ظهورِ الحركةِ على الألفِ بوضْعِها على السكونِ.

تقولُ لن يرضَى أبو السُّعُودِ *** حتَّى يَرَى نتائجَ الوُعُودِ

تقولُ "لن يرضى أبو السعودِ حتى يرى نتائجَ الوعودِ" بتقديرِ الفتحةِ في يرضى ويرى كما تُقدَّرُ فيها الضمةُ في حال الرفعِ.


(14) سورة البقرة آية: 184.

(15) سورة طه آية: 91.

(16) سورة الأنفال آية: 33.

(17) سورة طه آية: 91.