المفعولُ له ويسمَّى المفعولَ لأجلهِ ما اجتمعَ فيهِ أربعةُ شروطٍ:
1- أن يكونَ مصدرًا.
2- أن يأتيَ لبيانِ سببِ الحدثِ العاملِ فيه.
3- أن يشاركَ الفعلَ في الزمانِ.
4- أن يشاركَ الفعلَ في الفاعلِ.
نحو قمتُ إجلالًا لعمرٍو، فالمفعولُ لأجلِهِ هنا هو إجلالًا وهو عبارةٌ عن مصدر وهو يعلِّلُ الحدثَ الذي قبلَه وهو القيامُ – وهو يشاركُه في الزمانِ لأنَّ القيامَ والإجلالَ حدثا في وقتٍ واحدٍ ويشاركُه في الفاعلِ لأنَّ القيامَ والإجلالَ كانا من فاعلٍ واحدٍ.
وإنْ جرَى نُطقُكَ بالمفعولِ لَهْ *** فانصِبْهُ بالفعلِ الذي قد فَعَلَهْ
إن نطقتَ بالمفعولِ له فانصبْه جوازًا بالفعلِ الذي فعلَهُ فاعلُ المفعولِ له ويُنْصَبُ جوازًا لأنه يَصِحّ جرُّهُ بلامِ العِلّةِ فتقولُ زرتُكَ لمخافةِ الشَّرِّ بدلًا من زرتُكَ مخافَة الشَّرِّ أما إن فَقَدَ أَحَدَ شروطِ جوازِ نصبهِ جُرَّ باللامِ وجوبًا نحو ذهبَ للمالِ وسافرَ للعلمِ وجاءَ زيدٌ لإكرامِ عمرٍو له.
وَهْوَ لَعَمْرِي مَصْدَرٌ في نفسِهِ *** لكنَّ جنسَ الفعلِ غيرُ جِنْسِهِ
المفعولُ له مصدرٌ في ذاتِهِ لكنَّ جنسَ الفعلِ العاملِ فيهِ غيرُ جنسِهِ أي مغايرٌ للفظِ المفعولِ له وإلا لكانَ مفعولًا مطلقًا.
وغالبُ الأحوالِ أن تراهُ *** جوابَ لِمْ فَعَلتَ ما تهواهُ
أكثرُ الأحوالِ بل في جميعها ترى المفعول له جوابَ لِـمَ فَعَلَ.
تقولُ قد زُرْتُكَ خوفَ الشَرِّ *** وغُصْتُ في الْبحرِ ابتغاءَ الدُّرِّ
مثالُهُ زرتُكَ خوفَ الشَّرِّ فَخْوفَ مصدرٌ فضلةٌ ذُكِرَ عِلَّةً للزيارةِ وزمنُهُ وزمنُ الزيارةِ واحدٌ وفاعلُهما واحدٌ ولو سُئِلَ لِـمَ زُرْتَ لقالَ خَوْفَ الشَّرِّ ومثلُه غُصْتُ في البحرِ ابتغاءَ الدُّرِّ.
باب المفعول معه
المفعولُ معه هو اسمٌ منصوبٌ فَضْلَةٌ واقعٌ بعدَ واوٍ أُريدَ بها الدلالةُ على المعيةِ أي المصاحبةِ من غيرِ تشريكٍ في الـحُكْمِ، فإذا قلتَ سِرْتُ والنهرَ لم يكنِ القصدُ اشتراكَ النهرِ في السَّيرِ مع فاعلِ الفعلِ "سرتُ" وإنما المرادُ أنه كانَ مصاحبًا له أثناءَ السَّيْرِ، ومعنى كونِه فضلةً أنه يصحّ انعقادُ الجملةِ بدونهِ.
وإنْ أقمْتَ الواوَ في الكلامِ *** مُقامَ مَعْ فانصِبْ بلا مَلامِ
إذا دَلَّتِ الواوُ على مجردِ المعيةِ من غيرِ مشاركةٍ في الفعلِ فانصِبِ الاسمَ الواقعَ بعدها بما سبقَها من فعلٍ أو اسمٍ فيه معنى الفعلِ وحروفُه بلا مَلامٍ يلحقُك في ذلك.
تقولُ جاءَ البردُ والجِبابا *** واستوتِ المياهُ والأخشابَا
تقولُ جاءَ البرد والجِبابَ أي جاءَ البردُ مع حصولِ تلقيحِ النَّخْلِ فالواوُ هنا أفادتِ المعيةَ لا العطفَ إذ ليس المرادُ مشاركةَ الجِبابِ للبردِ في المجيءِ وإلا لقالَ جاءَ البردُ والجِبابُ. وكذلك استوتِ المياهُ والأخشابَ معناه المياهُ بلغَتْ في ارتفاعِها إلى الأخشابِ فاستوت معها وليسَ المرادُ مشاركةَ الأخشابِ للمياهِ في الارتفاعِ وإلا لقال استوتِ المياهُ والأخشابُ ولا يستقيمُ لأنه ليس للخشبةِ إذا نصبتَها فعلٌ في الاستواءِ.
وما صَنَعْتَ يا فتًى وسَعْدا *** فقِسْ على هذا تُصادِفْ رُشْدَا
وتقول أيضًا ما صَنَعْتَ يا فتًى وسعدًا أي مَعْ سعدٍ فالمراد السؤالُ عن صُنْعِهِ مع سعدٍ لا عن صنعِ كلٍ منهما فقِسْ على هذا المذكورِ ما لم يُذْكَرْ تُصَادِفْ رُشدًا نحو أنا سائرٌ والنيلَ أي مع النيلِ.
بابُ الحالِ والتمييزِ
الحالُ هو الاسمُ المنصوبُ النكرةُ الفضلةُ المفسِّرُ لما انبهم من الهيئاتِ نحوُ عادَ الأميرُ مبتسمًا، ثمَّ لما كانَ بينَ الحالِ والتمييزِ مشاركةٌ في عدةِ أمورٍ جَمَعَ بينهما المصنفُ اختصارًا فقال:
والحالُ والتمييزُ منصوبانِ *** على اختلافِ الوضعِ والمباني
الحالُ والتمييزُ يجتمعانِ في أنهما منصوبانِ على اختلافِ وضعِ كلماتِـهما المفردةِ واختلافِ تركيبِهما نحو جاءَ زيدٌ راكبًا في الجملةِ الفعليةِ وهذا زيدٌ راكبًا في الجملةِ الاسميةِ وفي الدارِ زيدٌ جالسًا في الجارِّ والمجرورِ وكذا في التمييزِ نحو جاءني عشرونَ عبدًا وهؤلاءِ عشرونَ عبدًا وغيرُ ذلك.
ثُمَّ كِلا النوعينِ جاءَ فَضْلَهْ *** مُنَكَّرًا بعدَ تَمامِ الجُمْلَهْ
ثم اجتمعا في أنَّ كلًا منهما جاء فَضْلةً منكرًا بعد تمامِ الجملةِ.
لكن إذا نظرتَ في اسمِ الحالِ *** وَجَدْتَهُ اشتُقَّ من الأفعالِ
لكن يفترقانِ بأنك إذا نظرتَ في اسمِ الحالِ وجدتَه غالبًا وصفًا اشتُقَّ من مصادرِ الأفعالِ بخلافِ التمييزِ فإنّه لا يكونُ غالبًا إلا جامدًا.
ثُمّ تَرَى عندَ اعتبارِ مَنْ عَقَلْ *** جوابَ كيفَ في سؤالِ مَنْ سَألْ
وترى اسم الحالِ أنه يَصِحُّ أن يقع جوابًا لسؤالٍ مقدَّرٍ بكيفَ لأنها يُسْأَلُ بها عن الأحوالِ بخلافِ التمييزِ.
مثالُهُ جاء الأميرُ راكِبَا *** وقام قُسٌّ في عُكاظَ خاطِبَا
مثالُ الحالِ جاءَ الأميرُ راكبًا فراكبًا وصفٌ مشتقٌ من الركوبِ يصلُحُ للوقوعِ في جوابِ كيفَ ومثله قام قُسٌّ في عُكَاظ وقُسٌّ هو ابنُ ساعدَة كانَ خطيبًا.
ومنهُ مَنْ ذا بالفِناء قاعِدَا *** وبِعتُهُ بدِرهَمٍ فصاعِدَا
من الحالِ التي عاملُها ليس فعلًا ولكنّه تضمَّنَ معنى الفعلِ دون حروفهِ قولك هذا زيدٌ بالفِناءِ قاعدًا، فقاعدًا حالٌ والعاملُ فيهِ اسمُ الإشارةِ لما فيه من معنى الفعلِ وهو "أشيرُ" ومثله هذا زيد مقبلًا فهو بمعنى "أُشيرُ إلى زيدٍ". ومن الحالِ التي حُذِفَ عاملُها وجوبًا ما جاءَتْ لبيانِ تدريجِ زيادةٍ أو نقصٍ نحو بعتُه بدرهمٍ فصاعدًا أو فسافلًا، أي فزادَ الثَّمَنُ صاعدًا أو فانحطّ الثمنُ سافلًا.
باب التمييز
التمييزُ هو الاسمُ المنصوبُ النكرةُ الفضلةُ المفسِّر لما انبهَمَ من الذواتِ نحو عندي عشرونَ درهمًا.
وإنْ تُرِدْ معرفةَ التَّمييزِ *** لكيْ تُعَدَّ مِن ذَوِي التمييزِ
إن أردتَ معرفةَ محلِّ التمييزِ لكي تُعَدَّ من أهلِ التمييزِ الذين يميّزون بينَه وبين الحالِ:
فَهْوَ الذي يُذكَرُ بعدَ العَدَدِ *** والوَزْنِ والكَيْلِ ومَذروعِ اليَدِ
فالتمييزُ هو الفَضْلةُ المنكَّرُ المنصوبُ الذي يُذْكَرُ بعدَ المقاديرِ الأربعةِ التي هي المعدودُ والموزونُ والمكيلُ والممسوحُ.
ومِنْ إذا فَكَّرْتَ فيه مُضْمَرَهْ *** مِنْ قَبْلِ أن تَذْكُرَهُ وتُظْهِرَهْ
إذا فكرتَ في التمييزِ وجدتَ أنه يتضمَّنُ معنى حرفِ الجرِّ مِنْ التي لبيانِ الجنسِ نحوُ عندي عشرونَ درهمًا أي منَ الدراهمِ.
تقولُ عندِي مَنَوانِ زُبْدا *** وخمسةٌ وأربعونَ عبدا
مثالُ التمييزِ المذكورِ بعدَ الوزنِ عندي مَنَوانِ زُبْدًا أي من زُبْدٍ ولو اقتصرتَ على قولِكَ عندي مَنَوانِ لبَقِيَ الموزونُ مبهَمًا مع أنهُ كلامٌ مفيدٌ فلمّا قلتَ زبدًا ميّزتَ جنسَه وزالَ الإبهامُ، ومثالُ التمييزِ المذكورِ بعدَ العددِ عندي خمسةٌ وأربعونَ عبدًا أي من العبيدِ، والمنوانِ تثنيةُ مَنًا وهو الرِّطلانِ.
وقد تصدَّقْتُ بصاعٍ خَلّا *** وما له غيرُ جَرِيبٍ نَخْلا
ومثالُ التمييز بعد الكيلِ تصدَّقْتُ بصَاعٍ خَلًّا أي مِنْ خلٍّ ومثالُه بعد المذروعِ: ما له غيرُ جريبٍ نَـخْلًا والجريبُ سِتونَ ذراعًا طولًا في ستينَ ذراعًا عَرْضًا فمبلغُ مساحتِه ثلاثةُ آلافٍ وستُّمائة ذراعٍ بالمربَّعِ 60× 60= 3600
بابُ نِعْمَ وبِئْسَ وحَبَّذا
ومنهُ أيضًا نِعْمَ زيدٌ رَجُلا *** وبِئْسَ عبدُ الدَّارِ منه بدَلا
منَ التمييزِ أيضًا ما يكونُ بعدَ أفعالِ المدحِ والذّمِّ فَيُفَسِّرُ الضميرَ المستَتر بعدَ هذهِ الأفعالِ نحوُ "زيدٌ نعم رجلًا" و"عبد الدار من زيدٍ بئس بدلًا" فرجلًا وبدلًا تمييزٌ لفاعلِ نِعْمَ وبِئْسَ المستترِ.
وحبَّذَا أرضُ البقيعِ أرضَا *** وصالحٌ أَطْهَرُ منكَ عِرْضَا
وحبَّذا أرضُ البقيعِ أرضًا فأرضًا تمييزٌ لفاعلِ حَبَّ وهو ذا.
ثمَّ اعلَمْ أنَّ منَ التمييزِ ما يُفَسِّرُ النِّسْبَةَ وهو قسمانِ: مُحَوَّلٌ وغيرُ مُحَوَّلٍ فالقسمُ الأولُ ثلاثةُ أنواعٍ أولها الـمُحَوَّلُ عن المبتدإِ نحوُ صالحٌ أطهرُ منكَ عِرْضًا فعِرْضًا تمييزٌ مُحولٌ عنِ المبتدأِ إذ أصلُهُ عِرْضُ صالحٍ أطهرُ مِنْ عِرْضِكَ.
وقَد قَرِرْتَ بالإيَابْ عَيْنَا *** وطِبْتَ نَفْسًا إذْ قضيْتَ الدَّيْنَا
ثانيها المحوَّلُ عن الفاعل نحو قَرِرْتَ بالإيابِ أي بالرجوعِ إلى الوطنِ عَيْنًا فعينًا تمييزٌ محولٌ عن فاعلٍ أصلُه قَرَّتْ عينُك بالإيابِ ومثلُه طبْتَ نفسًا إذا قَضَيْتَ الدينَ، فنفسًا تمييزٌ محوَّلٌ عن فاعلٍ أصلُه طابَتْ نفسُكَ و"اشتعل الرأسُ شيبًا" أي اشتَعل شيبُ الرأسِ.
وأما النوعُ الثالثُ فهو المحوَّلُ عن المفعولِ ولم يَتَعرَّض له الناظمُ.
وأما التمييزُ الذي هو غيرُ محوَّلٍ فمثالُه امتلأ الإناءُ ماءً، ونعم زيدٌ رجلًا وبئسَ عبدُ الدارِ من زيدٍ بدلًا، وحبَّذا أرضُ البقيع أرضًا.