البناءُ ضِدُّ الإعرابِ وهو لزومُ آخرِ الكلمةِ حالةً واحدةً مع اختلافِ العواملِ الداخلةِ عليها.

ثمَّ اعلَمَنَّ أنَّ فِي بَعْضِ الكَلِمْ *** ما هُوَ مَبْنيٌّ علَى وَضْعٍ رُسِمْ

اعلَمْ أنَّ في بعضِ الكَلِمِ من اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ ما هو معربٌ وهو الاسمُ الظاهرُ والفعلُ المضارعُ في بعضِ أحوالِهِ ومنَ الكَلِمِ ما هو مبنيٌّ على حالةٍ واحدةٍ كلزومِ البناءِ موضعَهُ فلا يختلفُ عما رُسِمَ عن العَرَبِ باختلافِ العواملِ الداخلةِ عليه، والسكونُ هو الأصلُ في المبنياتِ اسـمـًا كانت أو فعلًا أو حرفًا لأنَّ الأصلَ عدمُ الحركةِ ولأصالة السكون بدأ بهِ الناظمُ فقال:

فسكَّنُوا مَنْ إذْ بَنَوْهَا وأجَلْ *** ومُذْ ولَكِنْ ونَعَمْ وكَمْ وهَلْ

مـمَّا بُنيَ على السكونِ مَنْ وتكونُ اسـمًا موصولًا بمعنى الذي واسمَ استفهامٍ واسمَ شرطٍ وجزاءٍ، وأجل وهو حرفُ جوابٍ وتصديقٍ، ومُذْ وهو حرفُ جَرٍّ، ولكن حرفُ عطفٍ، ونعم حرفُ جوابٍ، وكم وتأتي خبريةً فتَجُرُّ واستفهاميةً فتَنْصِبُ، وهل حرفُ استفهامٍ.

وضُمَّ في الغايَةِ مِنْ قبْلُ ومِنْ *** بعدُ وأمَّا بعدُ فافْقَهْ واستَبِنْ

ومـمّا بُنِيَ على الضّمِّ في أسماءِ الغاياتِ قبلُ وبعدُ وهما اسما ظرفٍ للمكانِ والزمانِ ويُبنيانِ على الضمِّ إذا حُذِفَ المضافُ إليه بعدَهما ونُوِيَ معناه نحو (للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ)(25) ومنه قولُـهم "أما بعدُ" فافهم ذلكَ واطلُبْ بيانَه ممن يعلمُهُ.

وحَيْثُ ثُمَّ منذُ ثُمَّ نحنُ *** وقَطُّ فاحْفَظْهَا عَدَاكَ اللحنُ

مـمّا بُنِيَ على الضّمِّ أيضًا حيثُ وهي ظرفُ مكانٍ ومنذُ حرفُ جرٍّ ونحنُ ضميرُ رفعٍ منفصلٌ وقطُّ بالتشديدِ ظرفٌ لما مضى من الزمان، فاحفظْ هذه المذكوراتِ لِيُجاوزَك اللحنُ.

والفَتْحُ في أيْنَ وأيّانَ وفِيْ *** كيف وشتَّانَ ورُبَّ فاعْرِفِ

أي والبناءُ على الفَتْحِ في أينَ وهو اسمُ استفهامٍ عنِ المكانِ واسمُ شرطٍ وجزاءٍ، وأيان وهو اسمُ استفهامٍ عن الزمانِ واسمُ شرطٍ وجزاءٍ، وكيفَ اسمُ استفهامٍ عن الحالِ، وشَتّان وهو اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى افترَقَ ورُبَّ حَرْفُ جرٍّ فاعرفْ ذلك.

وقدْ بَنُوا ما ركّبُوا مِنَ العددْ *** بفتحِ كلٍّ مِنْهُمَا حِينَ يُعَدّ

بنى النحاةُ ما رُكِّبَ من جزئيِ العددِ كأحدَ عَشَرَ وثلاثةَ عَشَرَ وتِسْعَ عَشْرة بفتحِ كلٍّ من جزأَي المركَّبِ.

وأمْسِ مبنيٌّ على الكَسْرِ فإنْ *** صُغِّرَ كان مُعْرَبًا عندَ الفَطِنَ

من الأسماءِ المبنيةِ أمسِ بمعنى اليومِ الذي قبلَ يومِك الذي أنتَ فيه، وهو مبنيٌّ على الكسرِ ومن شرط بنائِه ألا يُصَغَّر فإن صُغِّرَ صارَ معربًا.

وجَيْرِ أيْ حقًّا وهؤلاءِ *** كأمْسِ فِيْ الكسرِ وفِيْ البناءِ

مـمّا بُنِي على الكسرِ كأمسِ كلمةُ جَيْرِ أي حقًّا بحسبِ ما قالَ المصنِّفُ والمشهورُ أنه حرفُ جواب بمعنى نعم، وهؤلاءِ وهو اسمُ إشارةٍ لجمعِ المذكرِ والمؤنثِ، والهاءُ فيه للتنبيهِ تقول هؤلاءِ الرجالُ وهؤلاءِ النساءُ.

وَقِيلَ فِيْ الحربِ نَزَالِ مِثلَ مَا *** قالوا حَذَامِ وقَطامِ في الدُّمَى

مـمّا بُنِي على الكسرِ نَزالِ وهو اسمُ فعلِ أمرٍ بمعنى انزِلْ وخَصَّهُ المؤلفُ في الحربِ لكثرةِ قولِـهم عند المبارزةِ نَزَالِ ومثلهُ ذَهَابِ وتَراكِ بمعنى اذهَبْ واترُكْ وذلك كما قالوا حَذامِ وقطامِ ببنائِهما على الكسرِ مـمّا هو على وزنِ فعَالِ وكان علمًا لمؤنثٍ وهو المرادُ بقولهِ في الدُّمَى جمع دُمْيةٍ.

وقَدْ بُنِيَ يَفْعَلْنَ فِيْ الأفعالِ *** فَمَا له مُغَيِّرٌ بحالِ

يعني أنَّ المضارعَ إذا اتصلتْ به نونُ الإناثِ بُنيَ على السكونِ ولا يتغيَّرُ لفظًا بعاملِ رفعٍ نحو الهنداتُ يأكُلْنَ ولا نَصْبٍ نحو لن يضرِبْنَ ولا عاملِ جزمٍ نحو لم يشربْنَ وقد مَثَّلَ المصنِّفُ بـمثْلِ هذا فقال:

تقولُ منهُ النوقُ يَسْرَحْنَ ولمْ *** يَسْرَحْنَ إلا للَّحاقِ بالنَعَمْ

تقولُ في مثالِ المضارعِ المبنيِ لاتصالِ نونِ الإناثِ به: النوقُ يَسْرَحْنَ بالبناءِ على سكونِ آخرِهِ ولم يؤثِّرْ فيهِ عاملٌ لفظًا وكذلكَ إذا دَخَلَ عليهِ عاملٌ نحو النوقُ لم يَسْرَحْنَ ولن يَسْرَحْنَ فيُبنى على السكونِ أيضًا فلا يتأثرُ لفظًا بهذا العاملِ.

فهذِهِ أمثلةٌ مما بُنِي *** جَائلَةٌ جائزةٌ فِيْ الألْسُنِ

هذه أمثلةٌ من المبنياتِ جائلةٌ بين الناسِ دائرةٌ في الألسنِ.

وكلُّ مَبْنِيٍّ يكونُ آخِرُه *** على سَوَاءٍ فاسْتَمِعْ ما أذكُرُهْ

كلُّ مبنيٍ يكونُ آخرُه على طريقةٍ واحدةٍ من سكونٍ أو حركةِ بناءٍ فاعرِفْ ذلكَ.

وقد تَقَضَّتْ مُلحَةُ الإعرابِ *** مُودَعَةً بَدائِعَ الآدابِ

قد انقضتْ مُلحةُ الإعرابِ شيئًا فشيئًا حتَى تَـمَّتْ وكَمُلت والملحةُ كلُّ ما يُسْتَحْسَنُ والجمعُ مُلَح، والإعرابُ لغةً الإفصاحُ والإبانةُ فكم من مستحسناتٍ أَفْصَحَ عنها هذا النظمُ حالَ كونها مُوْدَعَةً بدائعَ الآدابِ حيث اشتملتِ المنظومةُ على مُهماتٍ من علميِ النحوِ والصرفِ وتضمنَّتْ أمثلتُها حِكَمًا جامعةً وأحكامًا نافعةً فجزى اللهُ الناظمَ عنا خيرًا.

فانْظُرْ إليها نَظَرَ المستَحسِنِ *** وأحْسِنِ الظَنَّ بها وحَسِّنِ

انظرْ أيها الطالبُ إلى الملحةِ نَظَرَ المستحْسِنِ لها وأَحْسِنِ الظَّنَّ بها لتنتفعَ بها حفظًا وقراءةً وتَفَهُّمًا فإنَّ مَنْ أساءَ الظَّنَّ بشيءٍ لم ينتفعْ بهِ، وأحسِنْ إلى ناظمِها بالدعاءِ له كما أحسَنَ إليك بها فجزاهُ اللهُ عن الأمةِ المحمديةِ عَدَدَ أفرادِها خيرًا.

وإنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلاَ *** فَجَلَّ مَنْ لا عَيْبَ فيهِ وَعَلا

إن تجدْ عيبًا فيها فسُدَّ خَلَلَ ذلكَ العيبِ بالتصحيحِ لكن بعد التَّمَهُّلِ والتحقُّقِ إذ الإنسانُ مَحَلُّ ضَعْفٍ فجلَّ وعَزَّ اللهُ المنزَّه عن العيبِ والنقصانِ والضَّعفِ.

والحمدُ لله على ما أوْلَى *** فَنِعْمَ ما أوْلَى ونِعْمَ المَوْلَى

الحمدُ لله على ما أعطى منَ النِّعَمِ فنِعْمَ ما أعطى منَ النِّعَمِ المولى سبحانه وتعالى.

ثمَّ الصلاةُ بعدَ حَمْدِ الصَّمَدِ *** على النَبيِّ الهاشِميْ محمَّدِ

ثمَّ الصلاةُ والسلامُ بعدَ حمدِ اللهِ على النبيِّ الهاشميِّ محمدٍ، والصَّمَدُ الذي يحتاجُ إليه ويقصدُهُ كلُّ واحدٍ ولا يحتاجُ ولا يَقْصِدُ أحدًا.

وآلِهِ وصَحْبِهِ الأطهارِ *** القائِمينَ في دُجَى الأسْحَارِ

أي وعلى آلهِ وصحابتِه الأطهارِ القائمينَ لطاعةِ اللهِ في دُجى الأسحارِ والدُّجى جمعُ دُجيةٍ وهي ظلمةُ الليلِ والأسحارُ جمعُ سَحَرٍ وهو آخرُ الليلِ.

ثمَّ على أصحابِهِ وعِتْرَتِهْ *** وتابِعِي مَقالِهِ وسُنَّتِهْ

ثُمّ الصلاةُ والسلامُ على أصحابِه صلى الله عليه وسلم وعلى أقاربِه المؤمنينَ وتابعي مقالِهِ صلى الله عليه وسلم وسُنَّتِهِ.

وكانَ تمامُ الفراغِ من هذا الشرحِ بحمدِ اللهِ


(25) سورة الروم آية: 4.