تفريغ شرح الورقات الدرس الأول Day1-Lesson1:
كلامنا في هذه الدورة سيكون في حل مختصر لألفاظ كتاب الورقات في أصول الفقه. هذا الكتاب، الورقات من أقصر الكتب التي ألفت في هذا الفن، في أصول الفقه، وشرحه للشيخ جلال الدين المحلي، أيضا من أقصر الشروح لهذه الرسالة، للورقات. مؤلف الورقات هو عبد الملك بن عبد الله الجويني، كان والده من فقهاء الشافعية المعروفين المشهورين، شُهر بكنيته أبي محمد، كان من أكابر الفقهاء والأصوليين علماء أصول الفقه، كان تقيا ورعا، حتى قيل فيه لو جاز أن يبعث الله نبيا بعد محمد لكان أبا محمد أي الجوني، ثم عندما مات رحمه الله صار النور يخرج من يده، يده تشع بالنور، وذلك لكثرة ما كتب بهذه اليد من الفتاوى الصائبة رحمه الله تعالى،
وقد حرص على تربية أولاده تربية جيدة وأن لا يطعمهم إلا الحلال، الحلال الصرف الذي لا شبهة فيه، فبرز من بين أولاده ولد اشتهر بالعلم الواسع، هو ولده عبد الملك، تضلع أي توسع في تعلم علوم اللغة العربية والفقه وأصول الدين وأصول الفقه، ونال بذلك شهرة واسعة، بعد وفاة والده صار هو رأس الحلقة أي صار هو مدرس طلاب والده، ومع ذلك كان لا يجد غضاضة في أن يقصد بعض العلماء ليتعلم منه يقعد في حلقته ليتعلم منه، وأمضى مدة من عمره في مكة والمدينة ومن هنا اكتسب لقبه الذي اشتهر به الى أيامنا وهو إمام الحرمين وأما كنيته أبو المعالي وهو بكنيته ولقبه أشهر من اسمه، وتوفي امام الحرمين في القرن الخامس الهجري بعد وفاته ببضع مئات من السنين جلال الدين المحلي شرح كتابه،
وجلال الدين المحلي شيخ معروف بسعة حفظه في مسائل الفقه، له شرح مختصر على المنهاج، منهاج الطالبين للنووي، وله هذا الشرح الذي شاع على كتاب الورقات لشدة اختصاره، وكتب أخرى ألفها، وقد فسر نصفا من القرءان، وأكمل النصف الثاني الحافظ جلال الدين السيوطي، ومن هنا شهر هذا التفسير باسم تفسير الجلالين، وقد نال هذا الكتاب في عصرنا شهرة وطبع طبعات عديدة، وذلك لاختصار لفظه، لأن أكثر الناس هذه الأيام ضعفت هممهم، ما عاد عندهم همة على تعلم التفاسير التي فيها شيء من الطول، فصاروا يلجؤون الى التفاسير المختصرة، لذلك اشتهر هذا التفسير وإلا فهو ليس من التفاسير التي يحرص العلماء على قراءتها ومطالعتها، ما فيه بيان للنكت ولا للفوائد ولا للتنبيهات،
مختصر جدا، وفوق ذلك فيه أغلاط، أغلاط ليست هينة، فيه موضع يذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام تكلم الشيطان على لسانه فذكر كلاما فيه مدح للأصنام، وهذا ضلال كبير والعياذ بالله تعالى، لأن هذا يطرح الثقة، يذهب الثقة بما يقوله نبي الله عليه الصلاة والسلام، لو كان يجوز أن يتكلم الشيطان على لسان النبي عليه الصلاة والسلام لشكك كل من يريد في كلامه وقال ما يدرينا لعل هذا الكلام من كلام الشيطان على لسانه فترتفع الثقة بالشرع، تذهب الثقة بالشرع، والصحيح في هذه القصة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ ءايات القرءان وله سكته بين الآية والآية، في خلال بعض هذه السكتات الشيطان تكلم من نفسه، ليس على لسان نبي الله عليه الصلاة والسلام بكلام فيه مدح للأصنام،
ففرح المشركون الذين كانوا يسمعون ذلك ثم تبين الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام فبين أن ذاك الكلام من الشيطان وليس منه عليه الصلاة والسلام، هذا الذي حصل، وفيه في تفسير الجلالين أخطاء أخرى، وقد راجعه بعض الشيوخ وطبعوه خاليا من هذه الأغلاط، يعني أشاروا إليها في طبعتهم وجعلوا الصحيح مكانه، بينوا أن أصل عملهم هو تفسير الجلالين وأنهم غيروا بعض المواضع فيه، فلا ينبغي أن يُقرأ هذا الكتاب من غير بيان مواضع الفساد التي فيه لا ينبغي أن يُقَرِأه المشايخ للطلاب من غير التنبه الى مواضع الفساد الذي فيه، وغيره من التفاسير أحسن منه. ولعل ما في هذا التفسير مما دس على الجلال المحلي وليس من كلامه. بقي الإشارة الى الجلال المحلي كانت وفاته في القرن التاسع الهجري.
نشرع الان في الكلام على هذا الشرح:
بسم الله الرحمن الرحيم: ابتدائي بسم الله، أبدأ الكتاب باسم الله الرحمن الرحيم، ولفظ الجلالة الله علم على الذات المقدس الذي يستحق نهاية التذلل وغاية التعظيم، والرحمن والرحيم أصلا صفتان مشتقتان من الرحمة، ثم استعملتا اسمين لله تعالى، والرحمن لا يستعمل الا في حق الله لا يجوز أن يطلق على غير الله، ومعناه الذي هو كثير الرحمة للمؤمنين والكافرين، للمؤمنين في الدنيا والاخرة وللكافرين في الدنيا فقط، والرحيم معناه الكثير الرحمة للمؤمنين. ويجوز أن يستعمل في حق غير الله، يستعمل في حق الله على ما يليق به وفي حق غيره على ما يليق به.
وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه كثيرا، وكما يظهر لكم ليس في الكتاب حمد لله تبارك وتعالى ولعل ذلك لأن المصنف رحمه الله حمد الله بلسانه، والصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام دعاء لله تعالى معناها يا رب شرف محمدا، زده شرفا وتعظيما، وسلمه مما يخاف على أمته. (هذه ورقات) قليلة كلمة ورقات جمع ورقة، وهذا الجمع في اللغة العربية جمع مؤنث سالم وهو يدل بتركيبه في الأصل على القلة، بتركيبه، عندما تجمع الكلمة جمعا سالما في الأصل يدل على القلة، لغة هكذا وهذا الذي قصده امام الحرمين أن يضع مختصرا صغيرا للمبتدئين في دراسة أصول الفقه.
(تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه) ينتفع بها المبتدأ وغيره المبتدأ لأنه يتعلمها وينتفع، وغيره لأنه يتذكر بها غيرها، يتذكر بهذه الأحكام أحكاما أوسع. (وذلك) وذلك يعني هذا اللفظ، أصول الفقه أي لفظ أصول الفقه (مؤلف من جزأين مفردين) من الإفراد مقابل التركيب لا الجمع والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه يقول هذه الكلمة، أصول الفقه، هي اسم لعلم مخصوص، وهو مركب من كلمتين فينبغي معرفة معنى كل كلمة من الكلمتين حتى يعرف معنى العبارة المركبة.
الإفراد معناه لفظين مفردين، معناه من كلمتين لا يراد هنا بالإفراد ما هو مقابل الجمع (فالأصل) أليس هي كلمة أصول الفقه، كلمة أصول جمع مفردها أصل، الان يبين معنى أصل، اذا تبين معنى أصل يعرف معنى جمعه أي أصول الذي هو الأول (ما بني عليه غيره) هذا معنى الأصل ما يبنى عليه غيره الأساس الذي يبنى عليه غيره، الركيزة التي يبنى غيرها عليها هذا معنى الأصل كأصل الجدار أي أساسه مثل أصل الجدار بمعنى أساس الجدار هذا الشي الذي يكون غير ظاهر وعليه يستند الجدار حين يبنى هذا هو أصله، الذي يكون عادة مغطى مطمورا في الأرض وعليه يبنى الجدار وهذا مثال للأصل وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض كذلك مثل أصل الشجرة طرف الشجرة الذي هو في الأرض،
الجزء من الشجرة الذي هو في الأرض هذا هو أصلها (والفرع) الذي هو مقابل الأصل (ما بني على غيره) أما الفرع الذي هو مقابل الأصل يقال أصل وفرع، الفرع يقابل الأصل هذا هو ما بني على غيره يقال له فرع. كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله مثل فروع الشجرة ترتكز على أصلها، ومثل فروع الفقه ترتكز على أصول الفقه، لهذا يسمى هذا العلم أصول الفقه لأنه يتعلق بأساس الفقه، بما يبنى عليه فروعه. يعني مثلا النية واجبة في الوضوء، هذا حكم فرعي من فروع الفقه، لكن هذا الحكم مبني على إيش، مستند الى أصول، منها أُخذ، أصول في علم الدين منها أُخذ هذا الحكم، هذا الحكم تُوصل اليه بواسطة أصول استند اليها المجتهد حين أعطى هذا الحكم،
إذا هذا هو معنى الجزء الأول من الكلمة، أصول، يعني الأساس، القاعدة التي يبنى عليها غيرها (والفقه) الذي هو الجزء الثاني له معنى لغوي وهو الفهم الان يفسر الجزء الثاني من الكلمة، الفقه في اللغة له معنى وفي الشرع له معنى ءاخر، هنا في الاصطلاح هنا في هذا الفن، الفقه في هذا الاصطلاح له معنى ءاخر مختلف عن المعنى اللغوي، المعنى اللغوي للفقه هو الفهم، في اللغة فَقهَ معناه فهم، الفقه معناه الفهم هذا من حيث أصل اللغة.
وأما في الاصطلاح فله معنى يختلف عن هذا المعنى، متعلق به لكن يختلف ومعنى شرعي وهو (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) هذا هو معناه في الاصطلاح، في الاصطلاح الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، الاحكام الفرعية التي ليست هي الأصول، الفروع هذا الشي هذا الامر بعينه ما حكمه هل يجوز أو لا يجوز أم إيش، معرفة هذا الحكم اذا كانت بطريق الاجتهاد لا بطريق النص لا بطريق الاجماع لكن بطريق الاجتهاد ما جاء حكمها في القرءان ليس فيه نصا لا لبس فيه واضحا ظاهرا، ليس عن هذه الاحكام نتكلم ليس عن الحكم الذي جاء في الحديث نصا ظاهرا واضحا لا لبس فيه ليس عن هذه نتكلم، ليس عن الحكم الذي قام الاجماع عليه انما المراد هنا في الاصطلاح في هذا الموضع عندما يتكلم عن أصول الفقه أي عن الأصول،
الأساس الذي يؤخذ منه ويبنى عليه الأحكام المستخرجة بالاجتهاد فالفقه المراد به هنا الاحكام الفرعية التي يتوصل اليها بالاجتهاد، يتوصل اليها المجتهد من بلغ درجة الاجتهاد، من هو مستحق لذلك. كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة هذه مسألة ما ورد في القرءان والحديث نص قاطع يجب استحضار النية في الوضوء، ولم يقم الاجماع عليه، انما بعض الفقهاء، بعض المجتهدين ذهب الى هذا كإمامنا الشافعي رضي الله عنه فقال تجب النية في الوضوء، مثل هذا الحكم يقال عنه من الفقه لأنه حكم توصل اليه المجتهد بالاجتهاد من غير ان يكون قام عليه نص ولا قام عليه الاجماع.
وأن الوتر مندوب هذا مثال ثان، لأن الحكم بأنه مندوب ليس واجبا هذا بالاجتهاد، يدل على ذلك أن الإمام أبي حنيفة رضي الله عليه عنه قال واجب. وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان هذا أيضا حكم يذكره معروف في أمر الصيام ولكنه توصل اليه بالاجتهاد ولم يقم الاجماع عليه.
وأن الزكاة واجبة في مال الصبي هذا مثال ءاخر لأن هذا الحكم ليس عليه اجماع، بعض المجتهدين يقولون الصبي لا تجب الزكاة في ماله. وغير واجبة في الحلي المباح كذلك هذا مثال ءاخر، لان من أهل العلم من المجتهدين من يقول تجب الزكاة في الحلي المباح، في حلي الذهب والفضة المباحين. وأن القتل بمثقل يوجب القصاص هذا أيضا مثال ءاخر لأن من المجتهدين من يقول القتل ما يقتل بثقله دون حده وليس له حد، لا يقتل بحده، لا يجب القصاص به، لا يجب أن يقتل القاتل به.
كل هذه المسائل تعد من الفقه هنا بهذا الاصطلاح، لأنه توصل اليها بالاجتهاد. ونحو ذلك من مسائل الخلاف أيضا ما شابه هذا من المسائل التي يتوصل اليها بالاجتهاد ولم يقم الاجماع عليها. بخلاف ما ليس طريقه بالاجتهاد كالعلم بأن الصلواة الخمسة واجبة أما كون الصلواة الخمس واجبة هذا لا يدخل هنا في تعريف الفقه، في الاصطلاح هنا، ليس داخلا في تعريف الفقه لأنه ليس بالاجتهاد، إنما هو بالنص القاطع. وان الزنا محرم كذلك هذا من الاحكام المعروفة بالقطع في الشرع، ليس طريقه الاجتهاد، فلا يدخل هنا تحت تعريف الفقه.
ونحو ذلك من المسائل القطية فلا يسمى فقها الاحكام المعروفة بالقطع إما بنص قراني أو نص حديثي أو قيام الاجماع عليها، النص الذي لا يقبل تأويلا، هذا لا يدخل هنا في تعريف الفقه الذي نريده. فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن. لما قال المصنف رحمه الله تعالى معرفة الاحكام الشرعية لا يريد بالمعرفة العلم القطعي، انما يريد بالمعرفة، الظن، غلبة الظن، هذا الذي يرده هنا. فتلخص مما تقدم أن أصول الفقه علم يتعلق بمعرفة القواعد التي يستند اليها المجتهد حتى يستنبط بالاجتهاد الاحكام الفرعية، هذا هو أصول الفقه. وسيذكر رحمه الله زيادة بيان في هذا الامر.
المصنف سيذكر زيادة إيضاح لهذا الامر. نكتفي بهذا الان والله تعالى أعلم.
