الدرس الخامس Day2-Lesson2

أما بعد فالذي تلخص في الدرس السابق، أن الحقيقة هو اللفظ الذي استعمل على ما اصطلح عليه المتخاطبان أو المتخاطبون، وأما المجاز فهو اللفظ الذي استعمل في غير ما اصطلحا أو اصطلحوا عليه، ولذلك تكون لغوية أو شرعية أو عرفية كما سبق أن اوضحنا وسيذكر المصنف رحمه الله زيادة إيضاح لذلك.

(والمجاز ما تجوز) أي تعدي به (عن موضوعه) يعنى المجاز ما استعمل في غير ما وضع له في غير ما هوله في الأصل إما في اللغة وإما في الشرع وإما في العرف على حسب المقام وهذا على حسب تعريف الحقيقة الذي قلنا هو التعريف الراجح بهذا التعريف الراجح تنقسم الحقيقة الى ثلاثة لغوية وشرعية وعرفية أما على التعريف المرجوح فالحقيقة هي الحقيقة اللغوية، واللفظ إذا استعمل في غير ما وضع له في اللغة كان مجازا هذا على المعنى الأول للحقيقة وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة وينبغي التنبيه هنا، أنه في استعمال الكلمة استعمالا مجازيا في كل حال لا يُخرج عن قواعد اللغة، ينبغي التنبه أنه ليس معنى قولنا إن الأمر مجاز أنه يستعمل اللفظ كيفما كان على ما يشتهي أي انسان كيفما كان ثم يقول مجاز،

لا لابد أن يكون هذا على وفق قواعد الشريعة ووفق قواعد اللغة، ألا يخرج عن ذلك حتى يكون مأذونا به (والحقيقة إما لغوية) هذا عجيب، هنا شي مستغرب، أولا الجويني رجح القول بأن الحقيقة هي اللفظ إذا استعمل في موضوعه اللغوي، على ما وضع له في اللغة، هذا هو الراجح، ثم بعد ذلك يقسم الحقيقة الى لغوية وشرعيه وعرفية وهذا بناء على القول الثاني الذي اعتبره مرجوحا وهذا غريب اعتبر القول مرجوحا ثم بعد ذلك قسم الحقيقة على حسبه، قال الحقيقة إما كذا واما كذا واما كذا وهذا إنما يستقيم على القول الثاني الذي اعتبره مرجوحا لا على القول الأول الذي اعتبره راجحا، فغريب هذا، لأنه بناء على القول الذي اعتبره ضعيفا تنقسم الحقيقة الى لغوية وشرعية وعرفية ولعله ما كان يضعف هذا القول الثاني ولو كان لفظه يوهم ذلك،

الله أعلم والحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس الحقيقة ثلاثة أنواع على حسب ما يقسمها الأصوليون، النوع الأول الحقيقة اللغوية مثل استعمال الأسد في الحيوان المفترس المعروف، إذا استعمل لفظ الأسد في هذا المعنى، يكون لفظ الأسد هنا حقيقة، وعندما يقول العلماء المعنى الذي وضعها أهل اللغة لذلك، لا يعنون بهذا أن أهل اللغة اجتمعوا واتفقوا على أن يعطوا الكلمة هذا المعنى، لكن لأن اللغة العربية بوحي من الله، ليست معانيها باتفاق بين الناس، ومثلها اللغات الأصلية الأخرى بوحي من الله للأنبياء ليست باجتماع بعض الناس ووضعهم لها، وإنما المقصود أن هذا هو المعنى المعروف عند أهل اللغة لهذه الكلمة،

المعنى الأصلي المعروف في اللغة لهذه الكلمة فإذا، نرجع الى ما كنا بصدده، الحقيقة اللغوية معناها اللفظ المستعمل فيما هو موضوع له في اللغة أصلا مثل استعمال لفظ الأسد في الحيوان المفترس المعروف (وإما شرعية) بأن وضعا الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة

النوع الثاني من الحقيقة، الحقيقة الشرعية، يعني اللفظ إذا استعمل في مقام الشرع إذا كان الكلام عن الشرعيات، اللفظ إذا استعمل في مقام الشرع في كلمة على حسب المعنى الذي وضع في الشرع لها تكون هذه الكلمة المستعملة بهذا المعنى حقيقة تسمى حقيقة شرعية، مثال ذلك الصلاة، عندما نستعمل الصلاة في مقام الشرع للكلام عن هذه الصلاة المخصوصة، مثل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح والوتر وغير ذلك، عندما نستعمل الصلاة بهذا المعنى يقال لهذا حقيقة يكون لفظ الصلاة بهذا المعنى حقيقة شرعية، فيكون هذا حقيقة ليس مجازا، الصلاة إذا استعملت بهذا المعنى فهذا حقيقة وليس مجازا(وإما عرفية) بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الأربع

النوع الثالث كالدابة لذات الأربع كالحمار، النوع الثالث هو الحقيقة العرفية، يعني تعارف الناس على استعمالها في معنى معين، مثل الدابة، الدابة بالأصل معناها كل حيوان على وجه الأرض يقال له دابة ثم تعارف الناس على استعمالها في ذات الأربع التي يركب عليها، فإذا استعملت في مقام العرف بمعنى ذات الأربع يكون الدابة هنا حقيقة وليس مجازا، وهذا عرف عام بين الناس عموما، وقد يكون العرف خاصا يعني قد يكون الكلمة تعارف أناس مخصوصون على معنى معين فيما بينهم، بحيث اذا ذكروها في المقام العرف الذي يتحدثون فيه لا يخطر على بالهم الا هذا المعني العرفي لها الذي تعارفوا عليه واصطلحوا عليه، فتعد حقيقة فتعد اللفظة حقيقة، ولا تعد مجازا،

مثال ذلك لفظ الفاعل عند النحاة، يقولون طلع الشمس، يقولون طلع فعل والشمس فاعل، اذا كنت تتكلم في مقام النحو، اذا قلت الشمس فاعل لا يخطر بالبال من لفظ فاعل الا المعنى الذي اتفق عليه النحاة وهو الاسم المرفوع الذي يلي فعله، إذا الحقيقة العرفية معناه تعارف الناس عموما أو تعارف أناس مخصوصون على معنى للكلمة إذا استعملوا هذه الكلمة في المعنى المخصوص الذي تعورف عليه وصار شائعا بينهم اما بين الناس كلهم في حال العرف العام أو بين أناس مخصوصين في حال العرف الخاص، تكون هذه الكلمة حقيقة، هذا النوع من الحقيقة وهو الحقيقةالعرفية خلاصة الأمر حتى نقرب الأمر نقربه بالمثال، إذ كنا نستعمل لفظ الأسد في مقام اللغة واستعملنا الأسد بمعنى الحيوان المعروف المفترس يكون استعمال اللفظ حقيقة، فإذا قلنا زيد أسد هنا يكون الأسد مجازا لأنه لا يراد به الحيوان المفترس.

إذا كنا نتكلم في مقام الشرع فقلنا الصلاة استعملناها في هذه الصلواة ذات الركوع والسجود يكون الصلاة هنا حقيقة، أما إذا قلنا النبي صلى على ءال أبي أوفى يكون هذا في مقام الشرع مجازا. لنخرج عن هذا المثال، أما إذا استعملنا الصلاة بمعنى الدعاء في مقام الشرع يكون هذا مجازا ولا يكون حقيقة، إذا استعملنا لفظ الدابة بمعنى الحمار أو البغل أو الحصان فهذا الاستعمال حقيقة في العرف،

وأما إذا استعملنا الدابة في مقام العرف بمعنى الإنسان مثلا فإن هذا يكون مجازا وهي لغة لكل ما يدب على الأرض أو الخاص أي العرف الخاص كالفاعل للاسم المعروف عند النحاة وهذا التقسيم ماش على التعريف الثاني للحقيقة دون الأول القاصر على اللغوية يعني على التعريف الأول يعطي فقط معنى الحقيقة اللغوية هذا كله تكلمنا عنه (والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة المجاز أحيانا يكون بزيادة، أحيانا يكون بنقصان أحيانا يكون بالنقل وأحيانا يكون بالاستعارة، يقسم المجاز الى أربعة أقسام سنتكلم عن كل منها ان شاء الله فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى ليس كمثله شيء) فالكاف زائدة وإلا فهي بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال والقصد بهذا الكلام نفيه مثال على المجاز بالزيادة ليس كمثله شي هذه الآية كل واحد يعرف أن المراد منها نفي المثل عن الله،

ليس لله مثل ليس لله شبيه بأي وجه من الوجوه، اذا أردت أن تنظر فيها ترى أنه فيها عبارة كمثل، الكاف في اللغة في الأصل معناها مثل، لو أردت أن تحملها على المعنى الأصلي لصار المعنى ليس مثلَ مثلِ الله شيء فيكون فيه اثبات المثل لله لا نفيه وليس هو المراد لذلك لا يجوز أن تحمل الكاف على هذا المعنى انما تكون الكاف ليس بمعنى مثل، إنما تكون الكاف صلة، وبعضهم يعبر فيقول زائدة تكون الكاف صلة وبعضهم يعبر أنها زائدة أنها لو حذفت لتم المعنى، لما نقص المعنى، لكن لزيادتها مقصود يراد، وهو تأكيد نفي التشبيه أي ليس لله تعالى مثل بأي وجه من الوجوه، فهنا بسبب زيادة الكاف صارت هذه الكاف مجازا لأن معناها انتقل من معنى مثل،

الى تأكيد النفي، بالأصل معناها مثل، لكن لزيادتها هنا صار معناها تأكيد النفي فصارت مجازا، خرجت عن معناها الأصلي وصارت مجازا، فبسبب زيادة هذه الكاف صارت مجازا (والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى واسأل القرية) أي أهل القرية وقرب صدق تعريف المجاز على ما ذكر بأنه استعمل نفي مثل المثل في نفي المثل وسؤال القرية في سؤال أهلها، القرية معناها البيوت والأرض ونحو ذلك ولم يكن المراد أن يسأل البيوت وإنما المقصود اسأل أهل القرية لكن لفظ الأهل أين هو، محذوف لا يذكر فكأنه نقص من هذا الموضع، بسبب حذفه صار معنى القرية أهل القرية، القرية في الأصل معناها البيوت، بسبب حذف كلمة أهل، صار المعنى أهل القرية، فصارت مجازا لأن معناها في الأصل هو البيوت ليس معناها أهل البيوت هذا مثال للمجاز بالنقصان (والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الانسان) نقل اليه عن حقيقته وهي المكان المطمئن تقضى فيه الحاجة بحيث لا تبادر منه عرفا الا الى الخارج النوع الثالث من المجاز مجاز النقل،

معناه تكون كلمة لها في الأصل معنى ثم تنقل الى معنى ءاخر، ينقل استعمالها الى معنى ءاخر، ينتشر استعمالها بالمعنى الاخر بحيث إذا قيلت لا يخطر في البال الا هذا المعنى الثاني، فكأن الكلمة نقلت من معنى الى معنى ءاخر، يتغير معناها بين الناس بحيث صار في أيام النبي عليه الصلاة والسلام اذا ذكرت هذه الكلمة لا يفهم منها الا المعنى الثاني، يتغير معناها بحيث لما كان عصر النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يُفهم منها الا هذا المعنى الثاني إذا قيلت لا يأتي الى الفهم أولا منها الا هذا المعنى الثاني.

مثال ذلك لفظ الغائط، الغائط في الأصل المكان المطمئن، المنخفض من الأرض، في الماضي كاموا إذا أرادوا قضاء الحاجة ما عندهم في بيوتهم أماكن لقضاء الحاجة، أخلية كانوا يخرجون الى مكان منخفض يقضون فيه الحاجة حتى لا يراهم الناس، هذا المكان المنخفض في اللغة اسمه الغائط لكن مع مرور الأيام صار يطلق هذا الاسم على الخارج نفسه، على ما يخرج من الانسان عند قضاء الحاجة حتى جاء وقت ما عاد الناس يتبادر الى ذهنهم إذا قيل الغائط الا الخارج، وعلى هذا كان الحال أيام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا استعمال الغائط بمعنى الخارج هو استعمال للكلمة بغير معناها الأصلي في اللغة، فبالنظر الى اللغة هذا مجاز لأنه استعمال للكلمة في غير معناها الأصلي.

(والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض) أي يسقط فشبه ميله إلى السقوط بإرادة السقوط والنوع الرابع من المجاز هو المجاز بالاستعارة، الاستعارة تكون مبنية على التشبيه، معناها أن تستعمل المشبَه به بمعنى المشبَه، باختصار الاستعارة مجاز مبني على التشبيه مثل قول الله عز وجل جدارا يريد أن ينقض، لكن الجدار ليس له إرادة انما المقصود أنه يشبه، قارب السقوط كما يفعل الانسان الذي يريد أن يسقط، الإنسان الذي يريد أن يسقط ، يقارب السقوط، وهذا لما تريد أن تنزل من هنا الى تحت تقارب النزول وهذا الجدار قارب السقوط فشبه الجدار بالإنسان الذي يريد السقوط مع الجدار لا إرادة له، مثل هذا يقال له استعارة،

مجاز لأنه استعمل لفظ يريد بغير معناه الأصلي، معنى يريد بالأصل أي عنده المشيئة لكن استعمل هنا يريد بمعنى قارب فهو مجاز لكنه مجاز مبني على التشبيه يقال له استعارة. اذاً المجاز قد يكون مجازا بزيادة، بسبب زيادة، ليس كمثلك عالم، مثلا، قد يكون مجازا بنقصان، استب المجلس، يَنسَب المجلس بعضه بعضا، المجلس مكان الجلوس لا يسب المكان بعضه بعضا لكن المقصود أهل المجلس فاستعمل بسبب نقصان كلمة أهل صار مجازا، استعمل المجلس بمعنى أهل المجلس والقرية بمعنى أهل القرية، وقد يكون المجاز بالنقل، تنقل الكلمة من معنى الى معنى بحيث لا يخطر بالبال إلا هذا المعنى الجديد مثل الغائط، أو قد يكون المجاز بالاستعارة التي هي مبنية على التشبيه،

تشبيه شيء بشيء ءاخر، استعمال المشبه به بدل المشبه بمعنى المشبه، هذه هي أنواع المجاز الأربعة بقي شيء وهو أن المجاز لا بد فيه من القرينة لابد أن يكون هناك قرينة حتى يعرف أنه مجاز، باستثناء المجاز بالنقل لأنه في المجاز بالنقل الناس ما عاد يخطر ببالهم المعنى الأصلي،

أما فيما عدى ذلك لابد من قرينة حتى يميَز المجاز من الحقيقة، لذلك العرب لا يحملون الكلام على غير حقيقته الا اذا كان هناك قرينة، فإذا قلت لي رأيت حمارا فقط هكذا لا أفهم منك الا أنك رأيت البهيمة المعروفة، ولا يفهم من ذلك أنك رأيت انسانا غبيا كالحمار الا اذا كان هناك قرينة تدل على ذلك لا يحمل الكلام على هذا الا اذا كان هناك قرينة تدل على ذلك.