تفريغ شرح الورقات الدرس الثاني Day1-Lesson2 :

كنا في الحصة الماضية قد تكلمنا على تعريف أصول الفقه. الان نتكلم عن أقسام أفعال العبد، أو الأحكام الشرعية أو أقسام الحكم الشرعي.

(والاحكام) المرادة فيما ذكر سبعة يقول الأحكام سبعة يريد الأحكام الشرعية، تعريف الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بفعل العبد، خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين. فإذا، على ما يذكره الجويني هنا هي سبعة، لكن الذي ذهب اليه كثير من الأصوليين ومنهم الجوني في غير هذه الرسالة الى أنها خمسة، ومنهم من قال تسعة، الأكثر شهرة أن يقال خمسة، الوجوب الندب الإباحة الكراهة والحرمة، والذي زاده الجويني هنا شيئان الصحة والفساد، كثير من الفقهاء يقولون هذان النوعان الصحة والفساد يدخلان تحت الأنواع الأخرى، لذلك قالوا الأحكام الشرعية خمسة.

على كل نمشي الان على ما ذكره الجويني في رسالته هذه. الواجب والمندوب والمباح والمحظور أي المحرم والمكروه والصحيح والفاسد ذكر هذه السبعة الواجب والمندوب والمباح والمحظور أي المحرم والمكروه والصحيح والفاسد وفي الحقيقة هذه السبعة ليست الأحكام إنما هي متعلقات الأحكام، الوجوب اذا تعلق بفعل العبد كان فعل العبد واجبا فالواجب هو فعل العبد، ليس هو الحكم لكن تسهيلا على المبتدأ ذكرها الجوني هكذا يعني في كلامه تَجوُز، لأن الندب هو الحكم، المندوب هو متعلق الحكم ما يتعلق به الندب من أفعال المكلفين الحكم إذا تعلق بفعل، حكم الندب اذا تعلق بفعل كان الفعل مندوبا فالواجب والمحظور والمندوب هذا يرجع الى الأفعال أما الأحكام فهو الوجوب والندب والكراهة والحضر وهكذا ففي كلامه بعض تجوز لكن فعله حتى يسهل على المبتدأ الأمر والفهم.

(الواجب صفة لفعل العبد أما الحكم هو الوجوب إذا تعلق الوجوب بعمل من أعمال العبد كان العمل واجبا فالواجب متعلق الحكم ما يتعلق به الحكم ليس الحكم). فالفقه العلم بالواجب والمندوب الى ءاخر السبعة الفقه في الاصطلاح هنا هو التوصل بالاجتهاد الى الحكم، هو معرفة أن حكم هذا الأمر واجب أن حكم الأمر الاخر حرام أن حكم الأمر الثالث مكروه، أن حكم الأمر الرابع مندوب معرفة هذا الذي يتوصل اليه بالاجتهاد هو الفقه هنا، معرفة هذه الأحكام كلها هذا هو الفقه.

أي بأن هذا الفعل واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهكذا الى ءاخر جزئيات السبعة الى ءاخر الأنواع التي تتألف منها السبعة (فالواجب) من حيث وصفه بالوجوب (ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه) الواجب من حيث وصفه بالوجوب من هذه الحيثية من حيث كونه واجبا لأن الواجب له صفات أخرى يتصف بها، لا نريد الكلام من تلك الحيثيات، لا نريد الكلام في الواجب من حيث كونه صحيحا أو من حيث كونه فاسدا ومن حيث كونه مجزئا لا نريد الكلام من هذه النواحي إنما الواجب من حيث وصفه بالوجوب من هذه الناحية، تعريفة ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، ما يثاب على فعله أي ما يستحق الثواب على فعله، ويعاقب على تركه أي يستحق العقاب على تركه،

أما هل يثاب عليه أو لا يثاب هذا متوقف على أشياء، هل يعاقب على تركه أم لا يعاقب هذا أيضا متوقف على أمر يذكره الان. معناه هو في الحقيقة لا يعرف الواجب حتى الواجب لا يعطيه تعريفا لا يحده إنما يصفه بصفة من حيث كونه واجبا لازمة له دائما تكون معه تقريبا على المبتدئ، معناه هو لا يتكلم عن حقيقة الواجب انما يتكلم عن صفة تلازم كل الواجبات، حتى يميز الانسان الواجب من غيره. لأن حقيقة الواجب لو أراد أن يذكر حقيقة الواجب لكان يقول الواجب هو الصلواة الخمس وصوم رمضان والزكاة، فيحتاج أن يعد شيئا كثيرا ولا يأتي عليه لذلك لا ينهيه لذلك عدل عن هذا، الى ذِكر صفة دائما تلازم الواجب، حتى يميز المتعلم الواجب بها وهي أن فاعله يستحق الثواب وتاركه يستحق العقاب.

ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره ويجوز أن يريد العقاب على تركه كما عبر به غيره فلا ينافي العفو لما عبر المؤلف أن الواجب يثاب على فعله ويعاقب على تركه لم يعني بذلك أن كل من يفعل الواجب لابد أن يأتيه ثواب على فعله، وأن كل من تركه لابد أن يعاقب، لم يرد ذلك، لأن الانسان قد يفعل الواجب من غير أن يكون عنده نية صالحة عند فعله فلا ينال الثواب بذلك، ولأن الانسان قد يفعل المعصية لكن يعفو الله عنه فلا يعذبه في الاخرة عليها.

فالمراد بما ذكره الجويني رحمه الله، أن فاعل الواجب مثاب من حيث الجملة وأن فاعل الحرام معاقب من حيث الجملة والمندوب من حيث وصفه بالندب (ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) على وزان ما تكلمنا قبل، المندوب ما يثاب على فعله أي إذا قصد به وجه الله ولا يعاقب إذا تركه هذا تعريف المندوب، يعني هذه الصفة الملازمة للمندوب اللازمة له (والمباح) من حيث وصفه بالإباحة (ما لا يثاب على فعله) وتركه (ولا يعاقب على تركه) وفعله أي ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب أما المباح معناه ما لو فعله الانسان لا يثاب ولا يعاقب، ولو تركه لا يثاب ولا يعاقب، لا يتعلق الثواب والعقاب بفعله ولا يتعلقان بتركه.

مثال ذلك أن يأكل خبز الشعير بدل خبز القمح أو يأكل خبز الذرة، أو أن يأكل اللحم أو أن يترك أكل الخبز وهذا كله مباح والمحظور من حيث وصفه بالحظر أي الحرمة (ما يثاب على تركه) امتثالا (ويعاقب على فعله) ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من مع العفو ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على فعله كما عبر به فلا ينافي العفو أما المحظور ويقال له المحرم فهو على عكس الواجب، الواجب ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، المحظور بالعكس ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه ويأتي فيه التفاصيل التي ذكرناها في الواجب، يعني إذا تركه لوجه الله يكون له ثواب وإذا فعله قد يعاقبه الله وقد يعفو الله عنه، لكن لابد أن يعاقب بعض العصاة على ما يفعلون من معاصي،

لأن وعيد الله تعالى صدق، لأن ما توعد الله به العصاة من أنهم يعذبون على فعل كذا وعلى فعل كذا وعلى فعل كذا صدق، فلابد أن يتنفذ ذلك في بعض العصاة، لذلك لا يجوز أن يقول إنسان اللهم اغفر للمسلمين جميعا كل ذنوبهم مثل هذه العبارة فيها تكذيب لكتاب الله تعالى، بعض المنتسبين للتصوف يدعون بهذا الدعاء اللهم اغفر لنا ولأهالينا ووالدينا وجميع المسلمين كل ذنوبهم أو يقولون اللهم لا تدخلنا ولا والدينا ولا أحدا من المسلمين جهنم، لا تعذب أحدا من هؤلاء بالنار، مثل هذه الأدعية خلاف شرع الله تعالى لا يجوز أن يدعى بها، لأنه لابد أن يعذب بعض العصاة بالنار الله أخبر عن ذلك وخبر الله صدق لا يدخله كذب.

أما إذا قلنا اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات هذا يجوز لأننا لا نقول كل ذنوبهم بل هذا دعاء مطلوب إذا قال الانسان اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة، له حسنات بعدد المؤمنين والمؤمنات الى يومه لكن هذا الدعاء لا يقول كل ذنوبهم، لا يقول لا يعذب أحد في النار لا يقول كل ذنوبهم هذا لا بأس به بل هو حسن مسنون سنة أن يقول الانسان ذلك، فإذا الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والمندوب ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والمحظور ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه.

(والمكروه) من حيث وصفه بالكراهة (ما يثاب على تركه) امتثالا (ولا يعاقب على فعله) المكروه من حيث كونه مكروها ليس كلامنا من حيث كونه فاسدا أو صحيحا أو نحوه، من حيث كونه مكروها هو ما يثاب تاركه الذي يتركه طلبا لرضا الله يثاب ولا يعاقب فاعله إذا فعله الانسان لا عقاب عليه وإذا تركه طلبا لرضا الله يستحق الثواب. (والصحيح) من حيث وصفه بالصحة (ما يتعلق به النفوذ ويعتد به) بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعا عقدا كان أو عبادة انتقل الى

الأمر السادس الذي هو الصحيح، الصحيح هو ما يتعلق به النفوذ ويعتد به. الصحيح ما يتعلق به النفوذ، أو ما يعتد به حتى تفهم هذه العبارة على وجهها ينبغي أن نتنبه أن الأحكام نوعان معاملة وعبادة، منها ما هو عبادة ومنها ما هو معاملة، المعاملة تكون صحيحة إذا ترتب على عقدها العقد يكون صحيحا إذا ترتب عليه الوصول الى المقصود منه عندما أشتري شيئا المقصود من ذلك أن أنتفع بهذا الشيء فالعقد الصحيح في المعاملات هو الذي يترتب عليه أن يجوز لي الانتفاع بما عقدت عليه، الذي به يجوز لي أن أنتفع بالأمر الذي عقدت عليه ما يجوز لي المقصود منه، هذا هو الصحيح في المعاملات،

أما العبادة فالصحيح فيها ما كان معتدا به أي ما كان له اعتبار في حكم الشرع يعني ما اكتملت فيه الشروط والاركان التي طلبها الشرع التي شرطها شرع الله تعالى، بحيث إذا أتي به كان له اعتبار في الشرع واذا أخل بشيء منه لا يعتبر في الشرع كأنه ما كان، فإذا المعتد به، العبادة التي تكون صحيحة هي المعتد بها أي التي اكتملت فيها الشروط والاركان، هذا باختصار، فلأجل أم الأمور فيها ما هو عبادة وفيها ما هو عقود ذكر الأمرين في المتن فقال ما يتعلق به النفوذ هذا راجع الى المعاملة، ويعتد به هذا راجع الى العبادة.

(والباطل) من حيث وصفه بالبطلان (ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به) بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعا عقدا كان أو عبادة والعقد يتصف بالنفوذ والاعتداد والعبادة تتصف بالاعتداد فقط اصطلاحا. العقد الباطل عكس الصحيح، العقد الباطل ما لا يتعلق به النفوذ أي لا يوصل إلى المقصود ولا يعتد به أي لا يستجمع الشروط والأركان، المعاملة أي ما كان فيه تعامل مع الغير للإنسان، المعاملة إذا فقدت شرطا من شروطها أو ركنا من أركانها لا توصل الى المقصود ولا يكون معتدا بها ولا تكون معتبرة في الشرع، والعبادة إذا فقدت شرطا من الشروط أو ركنا من الأركان لا يكون معتدا بها.

فيتبين مما ذكرنا قبل أن المعاملة توصف بأمرين بالنفوذ وبالاعتداد، العبادة لا توصف بالنفوذ. خلاصة ما تقدم أن أصول الفقه هو معرفة الأساس الذي يبني عليه الفقيه أي المجتهد استنباط الأحكام، يستعمله الفقيه لاستنباط الأحكام، والفقه في هذا الاصطلاح هو معرفة الأحكام المستنبطة بالاجتهاد، هذه الأحكام التي معرفتها هي الفقه خمسة أنواع، الوجوب وهو ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب، والندب أو المندوب وهو ما يترتب على فعله الثواب ولا يترتب على تركه عقاب، والحرام أو المحظور وهو ما يترتب على فعله العقاب وعلى تركه الثواب، والمكروه وهو الذي يترتب على تركه الثواب ولا يترتب على فعله لا ثواب ولا عقاب، والمباح وهو الذي لا يتعلق به لا ثواب ولا عقاب.

وزاد بعضهم نوعين الصحيح وهو ما جرى على حسب ما استجمع الشروط والأركان التي طلبها شرع الله، والفاسد وهو ما لم يستجمع الشروط أو الأركان ما فقد شرطا من الشروط أو ركنا من الأركان. والفاسد والباطل شيء واحد الا في بعض الاحكام المتعلقة بالحج، فإنهم يفرقون فيها بين الفاسد والباطل ولا نريد الدخول في هذا الان انما الكلام من حيث الجملة.