(664) مَا هِىَ أَرْكَانُ التَّوْبَةِ.

أَرْكَانُ التَّوْبَةِ هِىَ الإِقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ وَالنَّدَمُ عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ يَا لَيْتَنِى مَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ. وَمَعْرِفَةُ الْمَعَاصِى شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَيْفَ يَتْرُكُهُ وَينْدَمُ علَى فِعْلِهِ ويَعْزِمُ علَى أَنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وهُوَ لا يَعْرِفُ أَنَّهُ ذَنْبٌ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَرْكَ فَرْضٍ كَصَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ قَضَاهُ أَوْ كَانَ فِيهَا تَبِعَةٌ لِآدَمِىٍّ كَأَنْ سَبَّهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ اسْتَسْمَحَهُ أَوْ كَانَ فِيهَا حَقٌّ لِآدَمِىٍّ كَأَنْ سَرَقَ لَهُ مَالَهُ رَدَّ لَهُ حَقَّهُ.

(665) هَلْ تَصِحُّ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ ذُنُوبِهِ.

التَّوْبَةُ عِبَادَةٌ لِأَنَّهَا فَرْضٌ وَالْعِبَادَةُ لا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ فَلا تَصِحُّ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ ذُنُوبِهِ إِنَّمَا تَصِحُّ بَعْدَ إِسْلامِهِ.

فَصْلٌ فِى الأَخْلاقِ الإِسْلامِيَّةِ

(666) اذْكُرْ بَعْضَ الصِّفَاتِ الَّتِى يَنْبَغِى أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْمُؤْمِنُ.

يَنْبَغِى لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَكُونَ مُلازِمًا لِلْعِبَادَاتِ دَالًّا عَلَى الْخَيْرَاتِ طَالِبًا لِلزِّيَادَاتِ مِنَ الْحَسَنَاتِ مُغْتَنِمًا لِأَنْفَاسِهِ قَبْلَ الْمَمَاتِ دَاعِيًا إِلَى الْهُدَى ءَامِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ قَوِىَّ الْهِمَّةِ فِى نَشْرِ عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ خَادِمًا لِلدِّينِ وَالدَّعْوَةِ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ لِغَيْرِهِ نَفَّاعًا نَاصِحًا مُشْفِقًا قَلِيلَ الْكَلامِ لا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ حَسَنَ

الأَخْلاقِ وَاسِعَ الصَّدْرِ بَطِىءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَى بُشْرَاهُ فِى وَجْهِهِ وَحُزْنُهُ فِى قَلْبِهِ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ حَلِيمًا مُتَوَاضِعًا لَيِّنَ الْجَانِبِ مَخْفُوضَ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مُتَكَبِّرًا ولا مُتَجَبِّرًا زَاهِدًا فِى الدُّنْيَا قَانِعًا بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ مُنْفِقًا مِمَّا فِى يَدِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَيَنْبَغِى أَنْ لا يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالدُّنْيَا وَلا مُؤْثِرًا لَهَا عَلَى الآخِرَةِ وَلا جَامِعًا لِلْمَالِ وَلا مَانِعًا لَهُ عَنْ حَقِّهِ وَأَنْ لا يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا وَلا مُجَادِلًا بِلا حَقٍّ وَلا مُخَاصِمًا وَلا مُدَاهِنًا وَلا مُخَادِعًا وَلا حَسُودًا وَلا حَقُودًا أَمِينًا عَلَى الأَمَانَةِ بَعِيدًا مِنَ الْخِيَانَةِ صَادِقًا فِى الْقَوْلِ صَابِرًا عَلَى الْبَلاءِ ذَاكِرًا لِلَّهِ فِى أَوْقَاتِهِ مُخْلِصًا لِلَّهِ فِى أَعْمَالِهِ.

(667) تَكَلَّمْ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَفَضْلِهِ.

رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الآدَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ. فَأَفْهَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَكَافِلٌ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بَيْتًا فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ. وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعْنَاهُ الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ وَكَفُّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ وَتَحَمُّلُ أَذَى الْغَيْرِ فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْوَصَايَا فَهُوَ مِنَ الأَعْلَيْنَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ لا يَصُومُ إِلَّا رَمَضَانَ وَلا يُصَلِّى إِلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَهُوَ كَالرَّجُلِ الَّذِى يَقُومُ اللَّيْلَ يُصَلِّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَيَصُومُ صِيَامًا مُتَتَابِعًا أَىْ يَصُومُ الدَّهْرَ،

هَذَا وَهَذَا دَرَجَتُهُمَا سَوَاءٌ هَذَا بِحُسْنِ خُلُقِهِ وَذَاكَ بِكَثْرَةِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ. فَالَّذِى يَنَالُ حُسْنَ الخُلُقِ يَنَالُ مَقَامًا عَالِيًا وَدَرَجَةً عَالِيَةً عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ فِى حُسْنِ الْخُلُقِ مُخَالَفَةً شَدِيدَةً لِلنَّفْسِ وَالْهَوَى.

(668) تَكَلَّمْ عَنِ التَّوَاضُعِ.

التَّوَاضُعُ هُوَ تَرْكُ التَّرَفُّعِ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ مَعَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ لِوَجْهِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ فِيهِمُ الأَكَابِرُ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ إِنَّكُمْ لَتَغْفُلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ التَّوَاضُع، مَعْنَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ لا يَعْمَلُونَ بِهَذَا الأَمْرِ الَّذِى هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ أَىْ مِنْ أَفْضَلِ الْحَسَنَاتِ عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَكُونَ فِى أَعْلَى عِلِّيِّينَ.

وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ سَيِّدَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَوْصَى أُمَّتَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّرَفُّعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَكُونُوا مُتَوَاضِعِينَ وَلا يُحِبُّ أَهْلَ الْفَخْرِ وَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَالتَّوَاضُعُ سَبَبٌ لِلتَّحَابِّ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَسَبَبٌ لِلتَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ. وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ تَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاضُعِ وَالتَّوَافُقِ وَالتَّحَابِّ أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ وَالتَّرَفُّعُ فَلا يُنَاسِبُ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ فَيَنْبَغِى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا حَتَّى يَتَرَقَّى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

(669) تَكَلَّمْ عَنِ التَّحَابِّ فِى اللَّهِ وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَحَابُّونَ بِجَلالِى أُظِلُّهُمْ فِى ظِلِّى (أَىْ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ) يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ. فَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَكْتَسِبُهُ الإِنْسَانُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَنْفَعِهِ فِى الآخِرَةِ مَحَبَّةُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، الْمَحَبَّةُ الَّتِى فِيهَا التَّعَاوُنُ عَلَى مَا يُرْضِى اللَّهَ. هَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِىَ الَّتِى تَجْعَلُ صَاحِبَهَا فِى الآخِرَةِ فِى ظِلِّ الْعَرْشِ لا يُصِيبُهُ حَرُّ الشَّمْسِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَرُّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ بِكَثِيرٍ مِنْ حَرِّهَا فِى الدُّنْيَا لِأَنَّهَا تَدْنُو مِنْ رُؤُوسِ النَّاسِ قَدْرَ مِيلٍ،

ذَلِكَ الْيَوْمَ لا يَكُونُ فِيهِ بَيْتٌ وَلا جَبَلٌ وَلا شَجَرٌ وَلا كَهْفٌ. فَمِنْ أَنْفَعِ مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلسَّلامَةِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ التَّحَابُّ فِى اللَّهِ. وَمَعْنَى التَّحَابِّ فِى اللَّهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَعَاوَنُ مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَلا يَغُشُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ أَىْ لا يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ وَلا يَغُشُّهُ فِى الْمُعَامَلَةِ بَلْ يَبْذُلُ لَهُ النُّصْحَ، يُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ وَهَذَا الأَمْرُ هُوَ الْكَمَالُ لِلْمُسْلِمِ، الْمُسْلِمُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا أَىْ فِى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا إِلَّا إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَأَحْبَابَنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِيكَ.

(670) مَنْ تَخْتَارُ صَاحِبًا لَكَ.

يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ صَدِيقًا يَنْفَعُهُ فِى دِينِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل مَعْنَاهُ الْمُسْلِمُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَاحِبَ إِنْسَانًا يَنْبَغِى أَنْ يُفَكِّرَ تَفْكِيرَ الْمُتَدَبِّرِ مَنْ يُصَاحِبُ لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَتَأَثَّرُ بِسِيرَةِ صَاحِبِهِ. وَالأَوْلَى فِى الصُّحْبَةِ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ ﷺ لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

وَقَالَ الإِمَامُ الْعَبْدَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا أَرَدْتَ الرُّقِىَّ فَصَاحِبِ الأَخْيَارَ. فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَنْ يُعِينُكَ عَلَى الْخَيْرِ فَإِذَا رَءَاكَ عَلَى شَىْءٍ مُنْكَرٍ يَنْصَحُكَ يَقُولُ لَكَ اتْرُكْ هَذَا الشَّىْءَ اتَّقِ اللَّهَ وَإِنْ رَءَاكَ عَلَى عَمَلِ الْخَيْرِ يُشَجِّعُكَ وَلا يُعَامِلُكَ بِالْغَشِّ وَالْخِيَانَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ. فَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبًا يُزَهِّدُهُ فِى الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَيُرَغِّبُهُ فِى الآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ وَلا يَخْتَارَ صَاحِبًا يَشْغَلُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ يَدْعُوهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ.

(671) هَلِ النَّوْمُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فِيهِ بَرَكَةٌ.

اعْلَمْ أَنَّ النَّوْمَ قَبْلَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ فِيهِ بَرَكَةٌ، مَنْ يَنَامُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ يَنَالُ خَيْرًا كَثِيرًا لِأَنَّهُ يَقُومُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُصَلِّى وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَذْكُرُهُ ثُمَّ يُصَلِّى سُنَّةَ الصُّبْحِ بَعْدَ دُخُولِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُصَلِّى فَرْضَ الصُّبْحِ فِى وَقْتِهِ، هَذَا إِنْ نَوَى لِلَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَ صَلاتِهِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ النَّاسِ أَوْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانِهِ عَشْرَ مَرَّاتٍ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَتُمْحَى عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَيُحْفَظُ مِنَ السِّحْرِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَكْرُوهِ أَىْ مَا يَكْرَهُهُ وَيَكُونُ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ وَهَذَا لِمَنْ صَلَّى الصَّلاةَ فِى وَقْتِهَا.

ثُمَّ إِنْ قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ أَجِرْنِى مِنَ النَّار قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامِ النَّاسِ وَمَاتَ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ تَمَسَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ. ثُمَّ إِنْ قَالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ تَقُولُ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ أَىْ تَدْعُو لَهُ أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا. وَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَنَامُ بَعْدَ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثُمَّ لَمَّا يَصِيحُ الدِّيكُ عِنْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يَسْتَيْقِظُ فَيَقُومُ وَيُصَلِّى ثُمَّ يَنَامُ قَلِيلًا ثُمَّ يَقُومُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُصَلِّى ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُوقِظُهُ الْمُؤْذِّنُ لِصَلاةِ الْفَجْرِ وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَّا فِى خَيْرٍ كَإِينَاسِ غَرِيبٍ أَوْ تَعْلِيمِ النَّاسِ مَا يَنْفَعُهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ النَّوْمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ قَدْ يَعْمَلُ مَعْصِيَةً فَيَكُونُ خَتَمَ يَقَظَتَهُ بِشَرٍّ لِأَنَّ تَرْكَ النَّوْمِ بَعْدَ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى وَقْتٍ وَاسِعٍ قَدْ يُسَبِّبُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ أَوْ يَعْمَلَ عَمَلًا فِيهِ مَعْصِيَةٌ أَمَّا إِذَا بَكَّرَ بِالنَّوْمِ يَكُونُ خَتَمَ يَقَظَتَهُ بِمَا لا مَعْصِيَةَ فِيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ بَاكِرًا أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ ﷺ بُورِكَ لِأُمَّتِى فِى بُكُورِهَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَلا يَجُوزُ ذَمُّ الِاسْتِيقَاظِ بَاكِرًا.

(672) بَيِّنْ أَهَمِيَّةَ النِّيَّةِ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِى دِينِ اللَّهِ فَالنِّيَّةُ إِكْسِيرُ الْعَمَلِ مَعْنَاهُ النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ تَقْلِبُ الْعَمَلَ مِنْ كَوْنِهِ عَادَةً إِلَى كَوْنِهِ عِبَادَةً فَالإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ إِذَا خَرَجَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَجْرٌ أَمَّا إِذَا قَالَ فِى قَلْبِهِ أَسْتُرُ عَوْرَتِى لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُثَابًا. وَالإِنْسَانُ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَنَامُ فَيَنْبَغِى إِذَا أَكَلَ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ أَنْ يَنْوِىَ بِذَلِكَ التَّقَوِّىَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ لِيَكُونَ لَهُ أَجْرٌ وَإِذَا أَرَادَ النَّوْمَ يَنْبَغِى أَنْ يَنْوِىَ أَنَّهُ يَنَامُ لِيَتَقَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.

وَمِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ يَسْتَنْجِى بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَيَنْبَغِى أَنْ يَنْوِىَ أَنَّهُ يَسْتَنْجِى وَيَفْعَلُ السُّنَنَ وَيَتْرُكُ الْمَكْرُوهَاتِ ابْتِغَاءَ الأَجْرِ مِنَ اللَّهِ. وَالْمُسْلِمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إِذَا لَقِىَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ يَتَبَسَّمُ فِى وَجْهِهِ فَإِذَا نَوَى بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ تَبَسُّمُكَ فِى وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ أَىْ فِيهِ ثَوَابٌ

كَمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ فِيهَا ثَوَابٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَىْ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ لِيَكُونَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ فَيَنْبَغِى مِنَ الْمُسْلِمِ إِذَا خَرَجَ لِلْعَمَلِ أَنْ يَنْوِىَ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَلالِ لِيَصْرِفَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ الصِّغَارِ أَوْ عَلَى وَالِدَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ نِيَّةً حَسَنَةً يَكُونُ ضَيَّعَ الْوَقْتَ وَالْمَالَ بِدُونِ فَائِدَةٍ.

حَتَّى الَّذِى يَعْمَلُ طَبِيبًا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنْوِىَ أَنَّهُ يُدَاوِى النَّاسَ بِإِخْلاصٍ وَأَنْ لا يَغُشَّهُمْ حَتَّى يَنَالَ الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَالَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَدْرُسَ شَيْئًا نَافِعًا كَالْهَنْدَسَةِ أَوِ الطِّبِّ فَيَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنْوِىَ بِدِرَاسَتِهِ هَذِهِ أَنْ يَنْفَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَنَّهُ يَدْرُسُ حَتَّى يَطْلُبَ أَمْرَ الْمَعِيشَةِ مِنْ طَرِيقٍ حَلالٍ لِيَسْتَعْمِلَهُ فِى طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ أَنَّهُ يَدْرُسُ حَتَّى يَعْمَلَ بِلا غَشٍّ وَلا تَدْلِيسٍ وَلا كَذِبٍ.

وَيَنْبَغِى لِلْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَنْ تَنْوِىَ أَنَّهَا تَطْبُخُ لِزَوْجِهَا لِوَجْهِ اللَّهِ لِيَتَقَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَتَغْسِلُ لَهُ مَلابِسَهُ لِيَسْتُرَ بِهَا عَوْرَتَهُ وَيَفْرَحَ قَلْبُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ. وَالْوَلَدُ يَنْوِى الإِحْسَانَ إِلَى الْوَالِدَيْنِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.