الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ عَمِلَهُ الشَّيْخُ سَمِيرُ بنُ سَامِى الْقَاضِى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُنْفَرِدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وَالْمَنْعُوتِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْمُنَزَّهِ عَنْ شَرِيكٍ فِى التَّخْلِيقِ وَالإِبْدَاعِ وَالْمُتَعَالِى عَنْ نَظِيرٍ فِى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَبْعُوثِ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَرَحْمَةً وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ وَبَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ فَرَضَ مَعْرِفَتَهُ لِتَصِحَّ عِبَادَتُهُ فَمَنْ عَرَفَ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَجُوزُ وَيَسْتَحِيلُ فِى حَقِّهِ فَقَدْ أَدَّى الْفَرْضَ وَمَنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَتَذَلَّلَ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِغَيْرِ ذَاتِهِ وَلِمَنْ يَتَّصِفُ بِصِفَاتٍ غَيْرِ صِفَاتِهِ فَقَدْ عَبَدَ فِى الْوَاقِعِ غَيْرَ الْخَالِقِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى وَخَشَعَ لِغَيْرِ الإِلَهِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَصِحَّ فِى التَّوْحِيدِ عَقْدُهُ وَلا ثَبَتَتْ فِيهِ قَدَمُهُ،
وَكَذَلِكَ مَنْ جَهِلَ مَا يَجِبُ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَجُوزُ فِى حَقِّهِ وَمَا يَسْتَحِيلُ فَنَسَبَهُ إِلَى مَا لا يَلِيقُ بِهِ وَوَصَفَهُ بِمَا يُنَاقِضُ نَعْتَهُ وَمَنْصِبَهُ فَقَدْ وَقَعَ فِى هُوَّةِ التَّلَفِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ تَصْدِيقُهُ بِوُجُودِ الْخَالِقِ تَعَالَى مَعَ تَكْذِيبِهِ لِرَسُولِهِ الَّذِى أَرْسَلَهُ وَنَصَبَ الأَدِلَّةَ الْقَاطِعَةَ عَلَى وُجُوبِ تَصْدِيقِهِ إِذْ كَانَ تَكْذِيبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِمَنْ بَعَثَهُ،
فَلَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَلَى مَا يَجِبُ وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَثَابَةِ وَالْجَهْلُ بِهِمَا عَلَى الدَّرَجَةِ الْمَوْصُوفَةِ مِنَ الْخُطُورَةِ قَامَ شَيْخُنَا الْمُتَكَلِّمُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ اللُّغَوِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَصْنِيفِ كِتَابِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بَيَّنَ فِيهِ أُصُولَ الدِّينِ الْمُنْجِيَةَ بِتَحْرِيرٍ وَتَحْقِيقٍ
وَإِتْقَانٍ وَضَبْطٍ وَسُهُولَةٍ وَسَلاسَةٍ وَعِبَارَاتٍ وَاضِحَةٍ يَسْهُلُ فَهْمُهَا لَيْسَ فِيهَا لُبْسٌ وَلا تَدْلِيسٌ وَلا مُدَاهَنَةٌ رَاعَى فِيهَا أَحْوَالَ أَهْلِ الْعَصْرِ وَأَفْهَامَهُمْ وَاعْتَبَرَ حَاجَاتِهِمْ وَمَا انْتَشَرَ مِنَ الْبِدَعِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ ثُمَّ عَمِلَ لِهَذَا الْكِتَابِ شَرْحًا بَسَطَ فِيهِ الْبَيَانَ بَعْضَ الْبَسْطِ سَمَّاهُ الشَّرْحَ الْقَوِيمَ فَكَانَ كَاسْمِهِ إِيضَاحًا وَاسْتِقَامَةً فَرَأَيْتُ حَاجَةً لِحَلٍّ مُخْتَصَرٍ لِأَلْفَاظِ كِتَابِ الصِّرَاطِ يَكُونُ تَوْطِئَةً وَمُقَدِّمَةً لِلشَّرْحِ الْقَوِيمِ وَحَاوِيًا لِنُكَتٍ وَفَوَائِدَ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ،
فَأَقْدَمْتُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَرَدُّدٍ وَعَمِلْتُ شَرْحًا مُخْتَصَرًا مَمْزُوجًا بِالْمَتْنِ سَمَّيْتُهُ نُورَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْكَاشِفَ لِطَرِيقِ أَهْلِ النَّعِيمِ الأَبدِى وَاللَّهُ تَعَالَى الْمَسْئُولُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَيَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِنَّهُ كَرِيمٌ وَهَّابٌ فَقُلْتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أَبْتَدِئُ (بِسْمِ اللَّهِ) وَهُوَ عَلَمٌ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسِ أَىِ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْمُسْتَحِقِّ لِنِهَايَةِ التَّعْظِيمِ وَغَايَةِ الْخُضُوعِ وَمَعْنَاهُ مَنْ لَهُ الإِلَهِيَّةُ وَهِىَ الْقُدْرَةُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْجَوَاهِرِ وَالأَعْرَاضِ أَىِ الأَحْجَامِ وَصِفَاتِ الأَحْجَامِ أَىِ الْمُخْرِجُ لَهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ (الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ) وَهُمَا اسْمَانِ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسِ الْمُتَّصِفِ بِالرَّحْمَةِ وَالأَوَّلُ مَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى الدُّنْيَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فِى الآخِرَةِ وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَمَعْنَاهُ الْكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
عُنْوَانُ هَذَا الْكِتَابِ (الصِّرَاطُ) وَهُوَ الطَّرِيقُ (الْمُسْتَقِيمُ) أَىِ الْقَوِيمُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ يُبَيِّنُ الطَّرِيقَ الْحَقَّ الَّذِى لا اعْوِجَاجَ فِيهِ.
(الْحَمْدُ) أَىِ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِىِّ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ مُسْتَحَقٌّ (لِلَّهِ) تَعَالَى أَىْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِى لا تُحْصَى الظَّاهِرَةِ مِنْهَا وَالْبَاطِنَةِ مِمَّا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ (وَالصَّلاةُ) أَىِ التَّعْظِيمُ (وَالسَّلامُ) أَىِ الأَمَانُ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ) مُحَمَّدٍ وَهِىَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا دُعَائِيَّةٌ مَعْنًى أَىِ اللَّهُمَّ زِدْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمًا وَأَمِّنْهُ مِمَّا يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ.
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْحَشْرِ (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾) أَىْ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَّقِىَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ يُرَاقِبَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِاسْتِدَامَةِ خَوْفٍ يَحْمِلُهُ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ (وَ)يَنْبَغِى أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ وَأَنْ يَتَفَكَّرَ فِى مَا يُعِدُّ وَيُقَدِّمُ لِآخِرَتِهِ الَّتِى يَنْفَعُ فِيهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ (قَالَ) سَيِّدُنَا (عَلِىُّ) بنُ أَبِى طَالِبٍ (رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَرَّمَ وَجْهَهُ) ارْتحَلَتِ الدُّنْيَا أَىْ سَارَتْ مُدْبِرَةً أَىْ إِلَى الِانْقِطَاعِ وَالزَّوَالِ وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا (الْيَوْمَ) أَىْ فِى الدُّنْيَا (الْعَمَلُ) وَلا حِسَابَ أَىْ فَلَيْسَتْ دَارًا لَهُ(1) (وَغَدًا) أَىْ فِى الآخِرَةِ (الْحِسَابُ) أَىِ الْجَزَاءُ وَلا عَمَلَ اهـ فَلَيْسَتْ دَارًا لِلتَّكْلِيفِ (رَوَاهُ الْبُخاَرِىُّ فِى كِتَابِ الرِّقَاقِ) مِنَ الْجَامِعِ الْمُسْنَدِ لَهُ الْمَعْرُوفِ بِاسْمِ صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ.
(أَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ)
(اعْلَمْ أَنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ) أَىْ أَعْظَمَ الْفَرَائِضِ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ بِهَا (هُوَ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ لِأَنَّ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ هُوَ أَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ) لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمـَنْ يَشَاءُ قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النِّسَاءِ (﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾)
أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾) أَىْ لِمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ أَيْضًا (وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ لا يَغْفِرُهَا اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾) فَالشَّرْطُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِى الآيَةِ لِامْتِنَاعِ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ هُوَ وَفَاتُهُ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّهَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِرًا لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْكُفْرُ شِرْكًا أَمْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ مِمَّنْ يَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنِ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَمْ لمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ مَحْرُومٌ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. وَالشِّرْكُ هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلُّ شِرْكٍ كُفْرٌ وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ شِرْكًا.
(وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أَىْ بِشَارَتُهُ الَّتِى بَشَّرَتْهَا بِهَا الْمَلائِكَةُ(2) بِأَمْرِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُنْفَخَ فِيهَا رُوحُ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ (وَرُوْحٌ مِنْهُ) أَىْ رُوحٌ مُشَرَّفٌ
كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ صَادِرٌ مِنْهُ خَلْقًا وَتَكْوِينًا(3) (وَالْجَنَّةَ حَقٌّ) أَىْ دَارُ نَعِيمٍ مَوْجُودَةٌ الآنَ وَبَاقِيَةٌ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ (وَالنَّارَ حَقٌّ) أَىْ دَارُ عِقَابٍ مَوْجُودَةٌ الآنَ وَبَاقِيَةٌ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ) اهـ أَىْ وَفَّقَهُ اللَّهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَى قَوْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِتَمَامِهَا كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِحَيْثُ يَحْسُنُ حَالُهُ وَخِتَامُهُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَذَابٍ وَالْحَدِيثُ (رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ) وَقِيلَ فِى مَعْنَاهُ إِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ التَّوْبَةِ (وَفِى حَدِيثٍ ءَاخَرَ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ) أَىْ حَرَّمَ أَنْ يَبْقَى فِيهَا إِلَى الأَبَدِ (مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَىْ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (يَبْتَغِى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ) اهـ أَىِ الْقُرْبَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ لا نِفَاقًا وَمُرَاءَاةَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَالْحَدِيثُ (رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ).
(وَيَجِبُ قَرْنُ الإِيمَانِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ ضَرُورِىٌّ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ (وَذَلِكَ) أَىِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهُمَا (أَقَلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنَ الْخُلُودِ الأَبَدِىِّ فِى النَّارِ) كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وَإِنَّما اكْتُفِىَ فِى الْحَدِيثِ بِذِكْرِ الشَّهَادَةِ الأُولَى لِأَنَّ ذِكْرَهَا فِى هَذَا الْمَقَامِ مَلْحُوظٌ فِيهِ فِى عُرْفِ الشَّرْعِ الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ.
(1) أَىْ أَنَّ أَغْلَبَ الْجَزَاءِ عَلَى الْعَمَلِ لا يَكُونُ فِى الدُّنْيَا.
(2) وَهِىَ الْمَذْكُورَةُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
(3) وَهَذَا كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْجَاثِيَةِ ﴿وَسَخَرَّ لَكُمْ مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ أَىْ بِخَلْقِهِ وَتَكْوِينِهِ.
