(الثَّوَابُ) الأُخْرَوِىُّ (عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلطَّائِعِينَ وَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ) إِذْ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَىْءٌ وَلا يُكْرِهُهُ أَحَدٌ (وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ) وَكَرَمٌ (وَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِمَّا يَسُرُّه فِى الآخِرَةِ) عَلَى مَا عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ فِى الدُّنْيَا. (وَالْعِقَابُ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا إِيقَاعُهُ لِلْعُصَاةِ) فِى الآخِرَةِ (وَإِنَّمَا) عِقَابُهُ لِمَنْ

يَشَاءُ مِنْهُمْ (هُوَ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جَزَاءً عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمَعَاصِى (وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ فَالْعِقَابُ الأَكْبَرُ هُوَ دُخُولُ النَّارِ) أَىْ جَهَنَّمَ (وَالْعِقَابُ الأَصْغَرُ مَا سِوَى ذَلِكَ) مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ دُونَ عَذَابِ النَّارِ (كَأَذَى حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهَا) تَقْتَرِبُ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ(تُسَلَّطُ عَلَى الْكُفَّارِ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فِيهِ) أَىْ فَمِهِ (وَلا يَتَجَاوَزُ عَرَقُ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ) وَتَبْلُغُ شِدَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْهَا رَبِّ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ) وَكُلُّ هَذَا مَذْكُورٌ فِى حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (وَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ الأَتْقِيَاءُ تِلْكَ السَّاعَةَ) أَىِ الْمُدَّةَ (تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ) الَّذِى أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ) يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ اهـ (أَىْ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ) وَأَمَّا أَهْلُ الْكَبَائِرِ منَ الْمُؤْمِنِينَ فَيُعَاقَبُونَ بِحَرِّ الشَّمْسِ لَكِنْ عِقَابًا أَقَلَّ مِمَّا يُقَاسِيهِ الْكُفَّارُ.

(الصِّرَاطُ)

(وَالصِّرَاطُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً الطَّرِيقُ (وَهُوَ) هُنَا (جِسْرٌ عَرِيضٌ مَمْدُودٌ عَلَى جَهَنَّمَ) أَىْ فَوْقَهَا (تَرِدُ عَلَيْهِ الْخَلائِقُ) وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ (فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِدُهُ وُرُودَ دُخُولٍ) إِلَى النَّارِ (وَهُمُ الْكُفَّارُ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ) إِنَّهُمْ (يَزِلُّونَ مِنْهُ إِلَى جَهَنَّمَ) فَالْكَافِرُ يَقَعُ مِنْهُ إِلَى النَّارِ فِى ابْتِدَاءِ وُرُودِهِ وَأَمَّا الْعُصَاةُ الْمَذْكُورُونَ فَيَمْشُونَ عَلَيْهِ مَسَافَةً ثُمَّ يَقَعُونَ مِنْهُ (وَمِنْهُمْ) أَىْ مِنَ النَّاسِ (مَنْ يَرِدُهُ وُرُودَ مُرُورٍ فِى هَوَائِهِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ قَدَمُهُ (فَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ عَيْنٍ) كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ (وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ) إِذْ لا يُسَاعِدُ الشَّرْعُ وَلا تُسَاعِدُ اللُّغَةُ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْوَارِدِ فِيهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُرُ الصِّرَاطَ مَشْيًا وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ الْكَلالِيبُ الْمَوْجُودَةُ عَلَى جَانِبَىِ الصِّرَاطِ فَيَكَادُ يَقَعُ ثُمَّ تُفْلِتُهُ فَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ فَهُوَ مَخْدُوشٌ نَاجٍ (وَأَحَدُ طَرَفَيْهِ) أَىِ الصِّرَاطِ (فِى الأَرْضِ الْـمُبَدَّلَةِ وَ)الطَّرَفُ (الآخَرُ فِيمَا يَلِى الْجَنَّةَ) أَىْ فِيمَا هُوَ قَبْلَهَا بَعْدَ النَّارِ. (وَقَد وَرَدَ فِى صِفَتِهِ أَنَّهُ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ) أَىْ زَلِقٌ يَزِلُّ عَنْهُ النَّاسُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَجَاءَ فِى ذِكْرِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (وَمِمَّا وَرَدَ أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ) فِى كِتَابِ الإِيمَانِ مِنْ صَحِيحِهِ (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (بَلَغَنِى أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ) اهـ (وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ مَرْفُوعًا) لَفْظًا (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ) أَىْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الصِّرَاطَ مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ دَقِيقٌ جِدًّا (بَلْ هُوَ عَرِيضٌ) كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ (وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ فَإِنَّ يُسْرَ) أَىْ سُهُولَةَ (الْجَوَازِ) أَىِ الْعُبُورِ (عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِى وَلا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ وَرَدَ فِى الصَّحِيحِ أَنَّهُ تَجْرِى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) اهـ وَ(مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ لَهُمْ قُوَّةَ السَّيْرِ) أَىْ كَمَا قَالَ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ يَكُونُونَ فِى سُرْعَةِ الْمُرُورِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ اهـ

(الْحَوْضُ)

(وَالْحَوْضُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ مَكَانٌ) وَاسِعٌ وَمَجْمَعٌ مِنَ الْمَاءِ كَبِيرٌ (أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ مُجَاوَزَةِ الصِّرَاطِ فَلِنَبِيِّنَا) عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ (حَوْضٌ تَرِدُهُ أُمَّتُهُ فَقَطْ لا تَرِدُهُ أُمَمُ غَيْرِهِ طُولُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَعَرْضُهُ كَذَلِكَ ءَانِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ شَرَابُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وَهَلْ هُوَ قَبْلَ الصِّرَاطِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ هُنَاكَ حَوْضَانِ حَوْضٌ قَبْلَ الصِّرَاطِ وَحَوْضٌ بَعْدَهُ أَقْوَالٌ قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّ الأَشْبَهَ أَنَّهُ حَوْضٌ وَاحِدٌ بَعْدَ الصِّرَاطِ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ يَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ (وَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ) تَعَالَى (لِكُلِّ نَبِىٍّ حَوْضًا) تَشْرَبُ مِنْهُ أُمَّتُهُ (وَأَكْبَرُ الأَحْوَاضِ حَوْضُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

(صِفَةُ الْجَنَّةِ)

(وَالْجَنَّةُ حَقٌّ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى (الْقُرْءَانِ) فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّجْمِ ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أَىْ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (وَ)كَـمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى (الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا

أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءُ اهـ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَهِىَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهَا) أَعْلاهَا الْفِرْدَوْسُ (وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ) وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهَا (وَأَهْلُهَا) أَىْ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنَ الْبَشَرِ (عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا جَمِيلُو الصُّورَةِ جُرْدٌ) أَىْ لا شَعَرَ عَلَى أَجْسَادِهِمْ (مُرْدٌ) أَىْ لا لِحًى لَهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ

شَعَرٌ إِلَّا شَعَرُ الرَّأْسِ وَالأَجْفَانِ وَالْحَاجِبَيْنِ وَكُلُّهُمْ كَأَنَّهُمْ (فِى عُمْرِ ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ عَامًا خَالِدُونَ فِيهَا) لا يَمُوتُونَ وَ(لا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا) وَلا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهُمْ (وَ)مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى طُولِهِمْ وَعَرْضِهِمْ (قَدْ صَحَّ) بِهِ (الْحَدِيثُ بِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ ءَادَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِى السَّمَاءِ) اهـ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ زَادَ

أَحْمَدُ (فِى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا) اهـ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى وَصْفِهَا) أَىِ الْجَنَّةِ هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لا خَطَرَ لَهَا أَىْ لا مِثْلَ لَهَا (هِىَ وَرَبِّ الْكَعْبةِ نُورٌ يتَلأْلأُ) أَىْ هِىَ مَمْلُوءَةٌ بِالأَنْوَارِ (وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ) أَىْ ذَاتُ خُضْرَةٍ كَثِيرَةٍ يَانِعَةٍ مُعْجِبَةِ الْمَنْظَرِ (وَقَصْرٌ مَشِيدٌ) أَىْ ذَاتُ قُصُورٍ عَالِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ (وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ) أَىْ ذَاتُ أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ (وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ) أَىْ فَاكِهَةٌ لَذِيذَةٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِى يُرْغَبُ فِيهِ أَكْلُهَا (وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ) أَىْ زَوْجَاتٌ أَبْكَارٌ خِمَارُ إِحْدَاهُنَّ عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهُوَ لا يَحْجُبُ جَمَالَ شَعْرِهَا (وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ) تَتَفَتَّقُ عَنْهَا شَجَرَةٌ تُسَمَّى طُوبَى (فِى مُقَامٍ أَبَدِىٍّ) أَىْ يَمْكُثُ فِيهَا أَهْلُهَا بِلا انْتِهَاءٍ وَلا خُرُوجٍ (فِى حَبْرَةٍ) أَىْ سُرُورٍ دَائِمٍ (وَنَضْرَةٍ) بِحَيْثُ تَكُونُ وُجُوهُ أَهْلِهَا حَسَنَةً لَيْسَ عَلَيْهَا كَآبَةٌ قَالُوا نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَثَّ عَلَيْهِ اهـ (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ).