(اعْلَمْ أَنَّ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّبِىِّ الْمُعْجِزَةُ) وَلِذَلِكَ أَعْطَاهَا اللَّهُ لِكُلِّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ (وَهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ) أَىْ مُخَالِفٌ لَهَا كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ فَلْقَتَيْنِ بِإِشَارَةِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوِا النُّبُوَّةَ) أَىْ مُوَافِقًا لِدَعْوَاهُمْ(92) لا يُنَاقِضُهَا وَهُوَ (سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ) أَىْ لا يَسْتَطِيعُ

مُعَارِضٌ لَهُمْ أَنْ يَأْتِىَ بِمِثْلِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ (فَمَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ) كَحِفْظِ أَبْيَاتِ شِعْرٍ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهَا مِنَ الْمَرَّةِ الأُولَى وَكَسُرْعَةِ حِسَابِ نَتِيجَةِ الضَّرْبِ أَوِ الْجَمْعِ أَوِ الطَّرْحِ أَوِ الْقِسْمَةِ فِى الْحِسَابِ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِتَابَةِ فِى ذَلِكَ وَكَحِفْظِ كِتَابٍ مِنْ عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ وَكَالْغَوْصِ

تَحْتَ الْمَاءِ لِمُدَّةِ خَمْسِ دَقَائِقَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ (فَلَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَارِقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ) أَىْ لَمْ يَدَّعِ الشَّخْصُ الَّذِى حَصَلَ هَذَا الْخَارِقُ عَلَى يَدِهِ أَنَّهُ نَبِىٌّ (كَالْخَوَارِقِ الَّتِى تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِى الأَوْلِيَاءِ أَتْبَاعِ الأَنْبِيَاءِ) كَتَنَاوُلِهِمُ السُّمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَضَرَّرُوا وَدُخُولِهِمُ النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقُوا وَنَحْوِ

ذَلِكَ (فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ) لِلْوَلِىِّ الَّذِى يَحْصُلُ لَهُ (بَلْ يُسَمَّى كَرَامَةً) وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْخَوَارِقِ غَيْرَ مُوَافِقٍ لِلدَّعْوَى كَالَّذِى حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ فَإِنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ لِيُشْفَى فَعَمِيَتْ عَيْنُهُ الأُخْرَى فَلَيْسَ مُعْجِزَةً (وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ مَا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ) بِأَنْ يَعْتَرِضَ شَخْصٌ عَلَى فَاعِلِهِ قَائِلًا لَهُ أَنْتَ لَسْتَ نَبِيًّا وَهَا أَنَا ذَا أَفْعَلُ كَمِثْلِ فِعْلِكَ ثُمَّ يَأْتِىَ بِخَارِقٍ يُشْبِهُ الْخَارِقَ الَّذِى فَعَلَهُ الآخَرُ وَذَلِكَ (كَالسِّحْرِ فَإِنَّهُ) يَحْصُلُ مِنْهُ خَوَارِقُ أَحْيَانًا لَكِنَّهُ (يُعَارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) وَكَمْ مِنْ سَاحِرٍ قَلَّدَ سَاحِرًا ءَاخَرَ وَأَتَى بِمِثْلِ مَا فَعَلَ وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ الأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مُنْذُ حَصَلَتْ لَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا أَنْ يُعَارِضَهَا بِالْمِثْلِ.

(وَالْمُعْجِزَةُ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَقَعُ بَعْدَ اقْتِرَاحٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أَىْ بَعْدَ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً تَشْهَدُ لِصِدْقِهِ (وَقِسْمٌ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَاحٍ) أَىْ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ (فَالأَوَّلُ نَحْوُ نَاقَةِ صَالِحٍ الَّتِى خَرَجَتْ مِنَ الصَّخْرَةِ اقْتَرَحَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إِلَيْنَا لِنُؤْمِنَ بِكَ فَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ نَاقَةً وَفَصِيلَهَا فَأَخْرَجَ لَهُمْ)

مِنْ جَوْفِ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ (نَاقَةً مَعَهَا فَصِيلُهَا أَىْ وَلَدُهَا) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَبٌ وَلا أُمٌّ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَطَوَّرَ مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ وَكَانَ يَكْفِيهِمْ جَمِيعًا لَبَنُهَا (فَانْدَهَشُوا) مِنْ هَذَا الْخَارِقِ الَّذِى حَصَلَ عَلَى يَدَيْهِ (فَآمَنُوا بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ الَّذِى لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ)

وَنَزَلَ هَذَا الأَمْرُ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى صَدَقَ عَبْدِى فِى مَا يُبَلِّغُهُ عَنِّى (فَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ) عَلَى الَّذِينَ عَلِمُوهُ وَقَامَتْ (عَلَيْهِمْ وَلا يَسَعُهُمْ إِلَّا الإِذْعَانُ) لِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِىُّ (وَالتَّصْدِيقُ) بِهِ (لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ تَصْدِيقَ مَنْ أَتَى بِمِثْلِ هَذَا الأَمْرِ الَّذِى لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ مِنْ قِبَلِ الْمُعَارِضِينَ فَمَنْ لَمْ يُذْعِنْ وَعَانَدَ يُعَدُّ مُهْدِرًا(93) لِقِيمَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِىِّ)

وَإِنَّمَا شَأْنُ الْمُعْجِزَةِ الْحَاصِلَةِ فِى هَذِهِ الْحَالِ كَمَا لَوْ كَانَ لِمَلِكٍ عَادَةً بِالْخُرُوجِ كُلَّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً بَيْنَ حَاشِيَتِهِ وَجُنْدِهِ فَيَخْرِقُ بِهِمْ شَوَارِعَ بَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَقَّفَ أَوْ يُشِيرَ إِلَى إِنْسَانٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَوْ يُكَلِّمَهُ ثُمَّ تَعَرَّضَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِى يَوْمِ مَوْكِبِهِ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدْ حَصَلَ مَعِى كَذَا وَكَذَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وَتَعْرِفُهُ وَلَيْسَ يُصَدِّقُنِى أَهْلِى عَلَيْهِ فَإِنْ كُنْتَ تُصَدِّقُنِى عَلَى مَا أَقُولُ فَتَوَقَّفْ وَاتْرُكْ مَوْكِبَكَ وَجِئْ إِلَىَّ حَتَّى أُقَبِّلَ يَدَكَ فَفَعَلَ الْمَلِكُ مَا طَلَبَ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْمَلِكِ يَكُونُ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ قَدْ صَدَقَ هَذَا الإِنْسَانُ فِيمَا يَنْسُبُ إِلَىَّ وَيَقُولُ عَنِّى.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِى وَهُوَ الَّذِى يَقَعُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَاحٍ فَكَحَادِثَةِ تَكَلُّمِ الذِّئْبِ وَشَهَادَتِهِ الَّتِى رَوَاهَا أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَالِينِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِى الدَّلائِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَسَعِيدُ ابْنُ مَنْصُورٍ فِى سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهَا أَنَّهُ بَيْنَمَا رَاعٍ يَرْعَى بِالْحَرَّةِ إِذْ عَرَضَ ذِئْبٌ لِشَاةٍ مِنْ شِيَاهِهِ فَحَالَ الرَّاعِى بَيْنَ الذِّئْبِ وَالشَّاةِ فَقَالَ الذِّئْبُ تَحُولُ بَيْنِى وَبَيْنَ طَعَامٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَىَّ فَقَالَ الرَّاعِى الْعَجَبُ مِنْ ذِئْبٍ يَتَكَلَّمُ بِكَلامِ الإِنْسِ فَقَالَ الذِّئْبُ أَلا أُحَدِّثُكَ بِأَعْجَبَ مِنِّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ فَأَتَى الرَّاعِى الْمَدِينَةَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَدِيثِ الذِّئْبِ فَأَمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا حَصَلَ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ الرَّاعِى اهـ الْحَدِيثَ.

بَعْضٌ (مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)

(وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الأَنْبِيَاءِ (عَدَمُ تَأْثِيرِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَعْدَمَا رَمَاهُ النُّمْرُودُ فِيهَا (حَيْثُ لَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ. وَمِنْهَا انْقِلابُ عَصَا مُوسَى) عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا) عَظِيمًا (ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالَتِهَا بَعْدَ أَنِ اعْتَرَفَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ أَحْضَرَهُمْ فِرْعَوْنُ)

وَجَمَعَهُمْ (لِمُعَارَضَتِهِ وَأَذْعَنُوا) لِمَا جَاءَ بِهِ (فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وَاعْتَرَفُوا لِمُوسَى) عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ (بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِى مَا جَاءَ بِهِ. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْمَسِيحِ) عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ (مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى) كَمَا حَصَلَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى النَّعْشِ يَذْهَبُونَ بِهِ لِيَدْفِنُوهُ فَدَعَا الْمَسِيحُ رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُحْيِيَهُ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَذَلِكَ أَيْضًا لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا مُولَعِينَ بِتَكْذِيبِهِ وَحَرِيصِينَ عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ أَنْ يُعَارِضُوهُ بِالْمِثْلِ. وَقَدْ أَتَى أَيْضًا بِعَجِيبَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ وَهِىَ إِبْرَاءُ الأَكْمَهِ) أَىِ الَّذِى وُلِدَ أَعْمَى (فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ مَعَ تَوَفُّرِ الطِّبِّ فِى ذَلِكَ الْعَصْرِ) وَاشْتِهَارِ أَهْلِهِ بِهِ (فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فِى كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ وُجُوبِ عِبَادَةِ الْخَالِقِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ وَوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِى الأَعْمَالِ الَّتِى يَأْمُرُهُمْ بِهَا).

وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَكْثَرَ الأَنْبِيَاءِ مُعْجِزَاتٍ حَتَّى قِيلَ بِأَنَّهَا تَبْلُغُ ثَلاثَةَ ءَالافِ مُعْجِزَةٍ.


(92) أَىْ مُصَدِّقًا لَهُمْ فِى دَعْوَاهُمُ النُّبُوَّةَ.

(93) أَىْ مُسْقِطًا لَهُ لا يَعْتَبِرُهُ.