(اعْلَمْ أَنَّ النَّبِىَّ) غَيْرَ الرَّسُولِ (وَ)النَّبِىَّ (الرَّسُولَ يَشْتَرِكَانِ فِى) كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا رَجُلًا أُنْزِلَ عَلَيْهِ (الْوَحْىُ فَكُلٌّ) مِنْهُمَا (قَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بِهِ لِتَبْلِيغِهِ لِلنَّاسِ) فَلا نُبُوَّةَ فِى النِّسَاءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ يُوسُفَ وَسُورَةِ النَّحْلِ وَسُورَةِ الأَنْبِيَاءِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾ وَلا يَكُونُ

نَبِىٌّ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِتَبْلِيغِ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَجِّ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أَىْ إِذَا بَلَّغَ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾ فَلا صِحَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ غَيْرَ الرَّسُولِ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَإِنَّهُ لا رِسَالَةَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ بِالتَّبْلِيغٌ

(غَيْرَ أَنَّ) النَّبِىَّ (الرَّسُولَ يَأْتِى بِنَسْخِ بَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ) أَىْ يُوحِى اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَحْكَامٍ تَنْسَخُ قِسْمًا مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى كَانَتْ فِى شَرِيعَةِ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ أَىْ وَلا تَنْسَخُ بَاقِىَ الأَحْكَامِ فَتَكُونُ الأَحْكَامُ الَّتِى لَمْ تُنْسَخْ شَرِيعَةً لِلرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ وَلَوْ لَمْ يُنَصَّ لَهُ عَلَيْهَا حُكْمًا حُكْمًا (أَوْ) يَأْتِى الرَّسُولُ الْمُتَأَخِّرُ (بِشَرْعٍ جَدِيدٍ) يَنْسَخُ

شَرْعَ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ فَلا تَكُونُ أَحْكَامُ شَرْعِ الرَّسُولِ الْمُتَقَدِّمِ شَرْعًا لِلرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ إِلَّا مَا نُصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا (وَ)أَمَّا (النَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ) فَإِنَّهُ (يُوحَى إِلَيْهِ لِيَتَّبِعَ شَرْعَ رَسُولٍ قَبْلَهُ وَلِيُبَلِّغَهُ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِى ذَكَرَهُ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ وَغَيْرُهُ فِى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِىِّ الرَّسُولِ وَالنَّبِىِّ غَيْرِ الرَّسُولِ (فَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ كُلُّ رَسُولٍ نَبِىٌّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِىٍّ رَسُولًا) وَلَوْ كَانَ النَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ إِنْسَانًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَبْلِيغِهِ لَمَا صَحَّتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلا اسْتَقَامَتْ (ثُمَّ أَيْضًا يَفْتَرِقَانِ) أَىِ الرِّسَالَةُ وَالنُّبُوَّةُ (فِى أَنَّ الرِّسَالَةَ يُوصَفُ بِهَا الْمَلَكُ وَالْبَشَرُ) فَيُقَالُ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى النَّبِيِّينَ كَمَا يُقَالُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ (وَالنُّبُوَّةَ لا تَكُونُ إِلَّا فِى الْبَشَرِ) فَلا نَبِىَّ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا نَبِىَّ مِنَ الْجِنِّ.

(مَا يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ)

(يَجِبُ لِلأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ) أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ صَادِقًا (وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ) فَلَمْ يَصْدُرْ مِنْ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ كَذْبَةٌ قَطُّ لا صَغِيرَةٌ وَلا كَبِيرَةٌ (وَتَجِبُ لَهُمُ الْفَطَانَةُ) أَىِ الذَّكَاءُ (وَ)إِلَّا لَعَجَزُوا عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَعَنْ إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى مَصَالِحِ ءَاخِرَتِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَلِذَا (يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ) أَىْ

لا يَلِيقُ بِأَىٍّ مِنْهُمُ (الْبَلادَةُ) فِى الذِّهْنِ (وَالْغَبَاوَةُ) أَىْ ضَعْفُ الْفَهْمِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ (وَتَجِبُ لَهُمْ) أَىْ لِكُلِّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ (الأَمَانَةُ) فَلا تَصْدُرُ مِنْ أَىٍّ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ فِى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ حَالٍ وَقَدْ رَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْلَى مَقَامَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ عَلَى الْبَشَرِ وَاخْتَارَهُمْ لِرِسَالاتِهِ وَلِذَلِكَ حَفِظَهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِى لا تَلِيقُ بِمَقَامِهِمُ الْعَالِى هَذَا (فَالأَنْبِيَاءُ سَالِمُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ) قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَذَلِكَ بِالإِجْمَاعِ (وَ)هُمْ سَالِمُونَ مِنَ الْوُقُوعِ فِى (صَغَائِرِ الْخِسَّةِ) أَىِ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةٍ فِى نَفْسِ فَاعِلِهَا كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا أَيْضًا وَبِالإِجْمَاعِ كَذَلِكَ (وَهَذِهِ) أَىِ السَّلامَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ (هِىَ الْعِصْمَةُ الْوَاجِبَةُ) أَىِ اللَّازِمَةُ (لَهُمْ) كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ (وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَيَجِبُ لَهُمُ الصِّيَانَةُ فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الرَّذَالَةُ) وَهِىَ صِفَاتُ الدُّونِ مِنَ النَّاسِ كَاخْتِلاسِ النَّظَرِ إِلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشَهْوَةٍ (وَ)يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ (السَّفَاهَةُ) أَىِ التَّصَرُّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ كَالَّذِى يَشْتِمُ يَمِينًا وَشِمَالًا (وَ)يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ (الْجُبْنُ) فَكُلُّهُمْ ثَابِتُو الْقَلْبِ شُجْعَانٌ (وَ)كَذَا (كُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ مِنْهُمْ) فَكُلُّهُمْ لا يُقَصِّرُونَ فِى التَّبْلِيغِ فُصَحَاءُ يُحْسِنُونَ التَّعْبِيرَ عَمَّا يُرِيدُونَ وَلَيْسَ فِى أَلْسِنَتِهِمْ عِلَّةٌ تَجْعَلُ كَلامَهُمْ غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلسَّامِعِينَ وَلا يَحْصُلُ مِنْهُمْ سَبْقُ لِسَانٍ لا فِى الشَّرْعِيَّاتِ وَلا فِى الْعَادِيَّاتِ وَكُلُّهُمْ ثَابِتُو الْعُقُولِ لا يُصِيبُهُمْ جُنُونٌ وَلا تَغْلِبُهُمْ سَوْدَاءُ وَلا يَصْرَعُهُمُ الْجِنُّ وَلا يُؤَثِّرُ السِّحْرُ فِى عُقُولِهِمْ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الإِغْمَاءُ وَالنِّسْيَانُ الَّذِى لا يَخْدِشُ مَرْتَبَتَهُمْ (وَكَذَلِكَ) كَانُوا جَمِيعًا ذَوِى خِلْقَةٍ سَوِيَّةٍ وَوُجُوهٍ حَسَنَةٍ وَأَصْوَاتٍ حَسَنَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْرَجُ وَلا كَسِيحٌ وَلا أَعْمَى خِلْقَةً بَلْ (يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَرَضٍ مُنَفِّرٍ) لِلنَّاسِ مِنْهُمْ كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْوَجْهِ وَالْبَدَنِ.

هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَجِبُ لِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ أَمْرٌ مَعْرِفَتُهُ مُهِمَّةٌ وَمُتَأَكِّدَةٌ فَإِنَّ وَصْفَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِمْ شَدِيدُ الْخَطَرِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَتْهُ بِحَاجَةٍ تُكَلِّمُهُ بِهَا فَمَرَّ بِهِمَا رَجُلانِ فَلَمَّا رَأَيَا انْشِغَالَهُ مَعَهَا أَسْرَعَا بِالْمَسِيرِ فَنَادَاهُمَا وَقَالَ هَذِهِ صَفِيَّةُ فَقَالا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ ءَادَمَ مَجْرَى الدَّمِ فِى الْعُرُوقِ وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا أَىْ مِمَّا لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إِلَى نَبِىٍّ فَتَهْلِكَا اهـ (فَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ الْكَذِبَ أَوِ الْخِيَانَةَ أَوِ الرَّذَالَةَ أَوِ السَّفَاهَةَ أَوِ الْجُبْنَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) مِمَّا يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِمْ كَمَنْ زَعَمَ بِأَنَّ أَصْلَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِرْدٌ (فَقَدْ كَفَرَ).