(قَالَتِ الْيَهُودُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَا مُحَمَّدُ (صِفْ لَنَا رَبَّكَ) الَّذِى تَعْبُدُهُ وَ(قَدْ كَانَ سُؤَالُهُمْ تَعَنُّتًا أَىْ عِنَادًا لا حُبًّا لِلْعِلْمِ وَاسْتِرْشَادًا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الإِخْلاصِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَىِ الَّذِى لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ وَالْكَثْرَةَ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِى الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوِ الأَفْعَالِ) أَىْ لا يُوجَدُ ذَاتٌ يُشْبِهُ ذَاتَهُ (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ صِفَةٌ كَصِفَاتِه)
وَلا يُشْبِهُ فِعْلٌ فِعْلَهُ (بَلْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى) مَثَلًا (قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ) لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً وَلا مُتَتَالِيَةً وَلا مُتَبَعِّضَةً (يَقْدِرُ بِهَا عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَعِلْمُهُ) مَثَلًا (وَاحِدٌ) لَيْسَ كَعِلْمِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ حَادِثًا دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (يَعْلَمُ بِهِ كُلَّ شَىْءٍ) وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَىْ) هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ (الَّذِى تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَ)هُوَ (الَّذِى يُقْصَدُ عِنْدَ الشِّدَّةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَلا يَجْتَلِبُ بِخَلْقِهِ نَفْعًا لِنَفْسِهِ وَلا يَدْفَعُ بِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ضُرًّا) كَمَا قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ الذَّارِيَاتِ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونَ﴾.
وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نَفْىٌ لِلْمَادِّيَّةِ وَالِانْحِلالِ) فَلَيْسَ هُوَ سُبْحَانَهُ مَادَّةً لِغَيْرِهِ وَلا أَصْلًا أَوْ أَبًا (وَهُوَ) لَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ أَوْ وَلَدًا أَىْ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ (أَنْ يَنْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ) كَمَا يَنْفَصِلُ الْوَلَدُ عَنْ وَالِدِهِ (أَوْ أَنْ يَحُلَّ هُوَ فِى شَىْءٍ) كَمَا يَحُلُّ الْوَلَدُ فِى رَحِمِ مَنْ يَلِدُهُ (وَمَا وَرَدَ فِى كِتَابِ مَوْلِدِ الْعَرُوسِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نُورِ وَجْهِهِ فَقَالَ لَهَا كُونِى مُحمَّدًا فَكَانَتْ مُحمَّدًا فَهَذِهِ مِنَ الأَبَاطِيلِ الْمَدْسُوسَةِ وَ)إِذَا
حُمِلَ قَوْلُهُ قَبْضَةً مِنْ نُورِ وَجْهِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَجْمٌ وَأَنَّهُ جَعَلَ جُزْءًا مِنْهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هَذَا ضَلالًا مُبِينًا وَخُرُوجًا عَنْ عَقِيدَةِ الإِسْلامِ فَإِنَّ (حُكْمَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّكْفِيرُ قَطْعًا وَكَذَلِكَ الَّذِى يَعْتَقِدُ فِى الْمَسِيحِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ) إِذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِقَادَيْنِ فِى نِسْبَةِ الأَجْزَاءِ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى وَمَنِ اعْتَقَدَ أَيًّا مِنْهُمَا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الذَّمِّ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾.
وَكَمْ قَدْ ضَلَّ أُنَاسٌ بِسَبَبِ كِتَابِ مَوْلِدِ الْعَرُوسِ هَذَا (وَلَيْسَ هَذَا الْكِتَابُ لِابْنِ الْجَوْزِىِّ) الْمُحَدِّثِ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ الْمُفَسِّرِ الْوَاعِظِ (رَحِمَهُ اللَّهُ) تَعَالَى كَمَا يَزْعُمُ مَنْ طَبَعَ هَذَا الْكِتَابَ فَإِنَّ مُؤَلَّفَاتِ ابْنِ الْجَوْزِىِّ كَثِيرَةٌ ذَكَرَهَا مَنْ تَرْجَمُوهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْ بَيْنِهَا هَذَا الْكِتَابَ (وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسْتَشْرِقُ) الأَلْمَانِىُّ (بُروكلمَان) مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ.
وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أَىْ) أَنَّـهُ (لا نَظِيرَ لَهُ) وَلا شَبِيهَ (بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ) وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِـىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَفِى ءَاخِرِهِ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذِهِ صِفَةُ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ اهـ
(الآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ وَالْمُتَشَابِهَاتُ)
(لِفَهْمِ هَذَا الْمَوْضُوعِ كَمَا يَنْبَغِى يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْقُرْءَانَ تُوجَدُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) يَتَّضِحُ مَعْنَاهَا بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهَا (وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ) يُرْجَعُ لِفَهْمِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ كَمَا (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ (﴿هُوَ﴾) أَىِ اللَّهُ (﴿الَّذِىَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾) أَىْ يَا مُحَمَّدُ (﴿الْكِتَابَ﴾) أَىِ الْقُرْءَانَ (﴿مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾)
أَىْ أَصْلُ الْكِتَابِ وَأَسَاسُهُ (﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) يُحْتَاجُ إِلَى رَدِّهَا إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ لِتَتَّضِحَ دِلالَتُهَا (﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾) أَىْ إِيقَاعِهَا (﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾) أَىْ مَعْرِفَةِ وَقْتِ حُصُولِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ إِلَّا اللَّهُ (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَابِ﴾)
أَىْ إِنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ ءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى وَقْتِ حُصُولِ مَا ذُكِرَ فِيهَا تَعْيِينًا كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ فَيَعْمَدُ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وَضَلالٌ إِلَى مُحَاوَلَةِ تَعْيِينِ وَقْتِ حُصُولِهَا كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ إِذِ اسْتَعْمَلُوا حِسَابَ الْجُمَّلِ فِى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِى أَوَائِلِ السُّوَرِ لِتَعْيِينِ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ
وَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ فِى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ فَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِالْقُرْءَانِ كُلِّهِ مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ إِذْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَحْىٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ بِالْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْعِلْمِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى إِنَّ أَهْلَ الزَّيْغِ وَالضَّلالِ يَتَتَبَّعُونَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ لِيَحْمِلُوهَا عَلَى مَا يُخَالِفُ الْمُحْكَمَ
وَلا يُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ وَلا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ هَذِهِ الآيَاتِ الصَّحِيحَ أَىْ مَعْنَاهَا الْمُرَادَ إِلَّا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ومَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ أَىِ الرَّاسِخِينَ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِالْكِتَابِ كُلِّهِ الْمُحْكَمِ مِنْهُ وَالْمُتَشَابِهِ إِذْ كِلاهُمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْقِرَاءَتَيْنِ مَعًا اتَّضَحَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ نَوْعَانِ
نَوْعٌ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْخَلْقُ وَنَوْعٌ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَالنَّوْعُ الأَوَّلُ أَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ عَلَيْهِ فَعَلِمُوهُ كَمَا رُوِىَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّـهُ كَانَ يَقُولُ أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ اهـ [نَقَلَهُ الْحَافِظُ الزَّبِيدِىُّ عَنْ أَبِى نَصْرٍ الْقُشَيْرِىِّ فِى الإِتْحَافِ] يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ وَالنَّوْعُ الثَّانِى مِنَ الْمُتَشَابِهِ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ عَلَى تَأْوِيلِهِ أَىْ عَلَى وَقْتِ حُصُولِهِ فَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَتَهُ بِذَلِكَ.
وَقَدْ عَرَّفَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ (الآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ) فَقَالَ (هِىَ مَا لا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا أَوْ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ بِهِ بوُضُوحٍ) أَىْ كَانَتْ دِلالَتُهُ عَلَى الْمُرَادُ وَاضِحَةً جَلِيَّةً وَضَرَبَ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً فَقَالَ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الشُّورَى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَولِهِ) فِى سُورَةِ الإِخْلاصِ (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَوْلِهِ) فِى سُورَةِ مَرْيَمَ (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾) أَىْ مِثْلًا فَهَذِهِ كُلُّهَا ءَايَاتٌ مُحْكَمَةٌ لا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا عَنْ مَعْنَاهَا الْمُتَبَادِرِ لِأَنَّ اللُّغَةَ لا تَحْتَمِلُ لَهَا مَعَانِىَ أُخْرَى تُحْمَلُ عَلَيْهَا إِذَا وُجِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِى ذَلِكَ.
وَعَرَّفَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ (الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ) أَيْضًا فَقَالَ (وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دِلالَتُهُ أَوْ) كَانَ (يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا عَدِيدَةً) بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ (وَاحْتَاجَ إِلَى النَّظَرِ) مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ وَالدِّرَايَةِ بِاللُّغَةِ وَبِمَعَانِى النُّصُوصِ (لِحَمْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ) الَّذِى لا يَتَعَارَضُ مَعَ مَعَانِى الْمُحْكَمِ كَمَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَحَمَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ضَرَبَ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ لِلْمُتَشَابِهِ فَقَالَ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ طَه (﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) فَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ وَالنَّقْلِىُّ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ أَوِ الِاسْتِقْرَارُ أَوِ الْكَوْنُ فِى جِهَةٍ أَوْ مَكَانٍ فَوَجَبَ لِذَلِكَ إِخْرَاجُ كَلِمَةِ اسْتَوَى عَنِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ الْمُقْتَضِى لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لِكَىْ لا يَكُونَ تَعَارُضٌ بَيْنَ الأَدِلَّةِ وَتَنَافٍ بَيْنَ النُّصُوصِ.
(وَ)كَذَا لا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ (قَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ فَاطِرٍ (﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾) لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ إِلَيْهِ يَقْتَضِى كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِى جِهَةِ فَوْقٍ لَكِنَّ الأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ تَرُدُّ ذَلِكَ فَوَجَبَ إِخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ الأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ فَيُحْمَلُ لَفْظُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ
الْمَحَلُّ الْمُكَرَّمُ مِنَ اللَّهِ (أَىْ أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ كَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصْعَدُ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ وَهُوَ السَّمَاءُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أَىِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ) أَىْ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِىَ الأَصْلُ وَالأَسَاسُ لِرَفْعِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَىْ لِقَبُولِهَا (وَهَذَا مُنْطَبِقٌ ومُنْسَجِمٌ مَعَ الآيَةِ الْمُحْكَمَةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾) وَمِمَّا يَدُلُّ
عَلَى أَنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالإِخْرَاجِ عَنِ الظَّاهِرِ فِى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَلِمِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ عَرَضٌ لا يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَلا يَرْتَفِعُ مِنْ تَحْتٍ إِلَى فَوْقٍ وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا تَقُولُ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا تُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِى الْكَعْبَةِ مَثَلًا وَكَمَا جَاءَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الصَّافَّاتِ إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَسْكُنُ فِلَسْطِينَ وَكَمَا يَقُولُ الْعَرَبُ الْفُصَحَاءُ رَفَعَ الْمَلِكُ فُلانًا وَلا يُرِيدُونَ أَنَّـهُ نَقَلَهُ إِلَى جِهَةِ فَوْقٍ وَفِى لُغَةِ الْعَرَبِ مَا شِئْتَ مِنَ التَّوَسُّعِ فِى الْكَلامِ وَلَكِنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلُهُ (فَتَفْسِيرُ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ يَجِبُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ) بِحَيْثُ يُوَافِقُهَا وَلا يُعَارِضُهَا.
(هَذَا فِى الْمُتَشَابِهِ الَّذِى يَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمُوهُ) كَمَا سَبَقَ (وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ الَّذِى أُرِيدَ بِقَوْلِهِ) تَعَالَى فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ فَهُوَ مَا كَانَ مِثْلَ وَجْبَةِ الْقِيَامَةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ (فَلَيْسَ) التَّأْوِيلُ الَّذِى لا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ هُوَ (مِنْ قَبِيلِ) تَأْوِيلِ (ءَايَةِ الِاسْتِوَاءِ) بَلْ لا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَأْوِيلٍ إِجْمَالِىٍّ أَوْ تَفْصِيلِىٍّ عَلَى مَا سَيَأْتِى بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْوَهَّابِيَّةِ يُنْكِرُونَ تَأْوِيلَ ءَايَةِ الِاسْتِوَاءِ وَنَحْوِهَا مِنَ الآيَاتِ الَّتِى يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِى جِهَةِ فَوْقٍ مُدَّعِينَ أَنَّـهُ يَلْزَمُ التَّمَسُّكُ بِالظَّاهِرِ فِى الآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقِيدَةِ وَأَنَّـهُ يَحْرُمُ تَأْوِيلُهَا ثُمَّ يُأَوِّلُونَ الآيَاتِ الَّتِى يُوهِمُ ظَاهِرُهَا أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِى الأَرْضِ أَوْ حَالٌّ فِى كُلِّ الْجِهَاتِ أَوْ مُنْبَثٌّ فِى كُلِّ
مَكَانٍ وَمَا هَذَا إِلَّا تَحَكُّمٌ أَىْ حُكْمٌ بِمَحْضِ الْهَوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَشَأْنُ الْمُؤْمِنِ الإِيمَانُ بِالآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَالْعَمَلُ فِى الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عَلَى مُقْتَضَاهَا إِذْ إِنَّ مَعْنَاهَا لا يَلْتَبِسُ عَلَى أَحَدٍ وَلا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَالإِيمَانُ بِالْمُتَشَابِهِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ لَهُ مَعْنًى لائِقًا يُنَاسِبُ الْمُحْكَمَ وَيُوَافِقُهُ (وَقَدْ وَرَدَ عنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَا يَدُلُّ عَلَى
ذَلِكَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا (اعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ) اهـ وَهُوَ حَدِيثٌ (ضَعِيفٌ ضَعْفًا خَفِيفًا) فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِى سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِى الْفَتْحِ لَكِنْ رَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِى الْمُسْنَدِ وَابْنُ أَبِى دَاوُدَ فِى الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بنِ حَسَّانٍ عَنْ فُلْفُلَةِ الْجُعْفِىِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ الْهَيْثَمِىُّ فِى مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ فِيهِ عُثْمَانُ بنُ حَسَّانٍ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِى حَاتِمٍ فَلَمْ يُجَرِّحْهُ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ اهـ وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ تَصْحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ لَهُ عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا إِلَّا أَنَّ ضَعْفَهُ خَفِيفٌ لا يَمْنَعُ مِنْ إِيرَادِهِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهِ.
وَبِمَعْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الِاعْتِقَادِ عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَكَابِرِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِى الْمُتَشَابِهَاتِ أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفِيَّةٍ اهـ أَىْ ءَامِنُوا بِهَا لِوُرُودِهَا فِى الْقُرْءَانِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا مَعَانِىَ تَلِيقُ بِاللَّهِ غَيْرَ الْمَعَانِى الظَّاهِرَةِ الَّتِى فِيهَا تَشْبِيهٌ لِلْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ.
(وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو نَصْرٍ) أَىِ ابْنُ أَبِى الْقَاسِمِ (الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الشَّنَاعَةَ الَّتِى تَلْزَمُ نُفَاةَ التَّأْوِيلِ، وَأَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِىُّ هُوَ الَّذِى وَصَفَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الطَّبْسِىُّ بِإِمَامِ الأَئِمَّةِ كَمَا نَقلَ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِى كِتَابِهِ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِى. قَالَ الْمُحَدِّثُ اللُّغَوِىُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِىُّ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِهِ الْمُسَمَّى إِتْحَافَ السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ
التَّذْكِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ لِأَبِى نَصْرٍ الْقُشَيْرِىِّ مَا نَصُّهُ وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا وَمَتَى وُقُوعُهَا) فَهَذَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ (فَالْمُتَشَابِهُ إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ فَلَيْسَ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلِهَذَا قَالَ)
تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ أَىْ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا قِيَامَ السَّاعَةِ. وَكَيْفَ يَسُوغُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ) أَىْ لا يَلِيقُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ (فِى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَىِ الْقُرْءَانِ (مَا لا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَلا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلَّا اللَّهُ أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ) أَىِ الْجَرْحِ (فِى النُّبُوَاتِ وَأَنَّ النَّبِىَّ)
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا عَرَفَ تَأْوِيلَ مَا وَرَدَ فِى صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَعَا الْخَلْقَ إِلَى عِلْمِ مَا لا يُعْلَمُ. أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ) فِى سُورَةِ الشُّعَرَاءِ (﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ فَإِذًا) لَوْ كَانَ فِى الْقُرْءَانِ مَا لا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِه كَانَ (عَلَى زَعْمِهِمْ) أَىْ عَلَى زَعْمِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَاءَ النَّبِىُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِالْقُرْءَانِ (يَجِبُ أَنْ يَقُولُوا كَذَبَ حَيْثُ قَالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾) أَىْ ظَاهِرٍ (إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَإِلَّا فَأَيْنَ هَذَا الْبَيَانُ) أَىْ لَكَانُوا قَالُوا قَوْلُهُ ﴿مُّبِينٌ﴾ كَذِبٌ إِذْ كَيْفَ يَكُونُ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ ظَاهِرٍ ثُمَّ لا يَعْرِفُ أَىٌّ مِنَّا مَعْنَاهُ.
(وَ)لَقَالُوا (إِذَا كَانَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ) كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ (فَكَيْفَ يَدَّعِى أَنَّهُ مِمَّا لا تَعْلَمُهُ الْعَرَبُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الشَّىْءُ عَرَبِيًّا) قَالَ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (فَمَا قَوْلٌ فِى مَقَالٍ) أَىْ فَمَاذَا يُقَالُ فِى قَوْلٍ أَىْ فَهَلْ يَصِحُّ قَوْلٌ (مَآلُهُ) أَىْ مُؤَدَّاهُ (إِلَى تَكْذِيبِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ) قَالَ (ثُمَّ كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ كَانَ فِى كَلامِهِ وَفِى مَا يُلْقِيهِ إِلَى أُمَّتِهِ شَىْءٌ لا يَعْلَمُ تأْوِيلَهُ)
أَىْ مَعْنَاهُ (إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَكَانَ لِلْقَوْمِ أَنْ يَقُولُوا بَيِّنْ لَنَا أَوَّلًا مَنْ تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَمَا الَّذِى تَقُولُ) حَتَّى نَقْدِرَ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ (فَإِنَّ الإِيمَانَ بِمَا لا يُعْلَمُ أَصْلُهُ غَيْرُ مُتَأَتٍ) أَىْ لا يُمْكِنُ (وَنِسْبَةُ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنَّـهُ دَعا إِلَى رَبٍّ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتٍ لا تُعْقَلُ) أَىْ لا يَدُلُّ كَلامُهُ عَلَى مَعْنَاهَا (أَمْرٌ عَظِيمٌ لا يَتَخَيَّلُهُ مُسْلِمٌ)
وَلا يَقُولُ بِهِ (فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ يُؤَدِّى إِلَى الْجَهْلِ بِالْمَوْصُوفِ) أَىْ إِنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ يَقْتَضِى عَدَمَ مَعْرِفَةِ مَنْ هُوَ الْمَوْصُوفُ (وَالْغَرَضُ أَنْ يَسْتَبِينَ مَنْ مَعَهُ مُسْكَةٌ مِنَ الْعَقْلِ) أَىْ شَىْءٌ مِنْهُ (أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ اسْتِوَاؤُهُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا) أَىْ لا يُعْلَمُ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ اسْتَوَى (وَ)يَقُولُ (الْيَدُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا وَالْقَدَمُ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا تَمْوِيهٌ)
وَخِدَاعٌ (ضِمْنَهُ تَكْيِيفٌ وَتَشْبِيهٌ) إِذْ إِنَّ الْمُشَبِّهَةَ يَتَّخِذُونَ هَذِهِ الأَلْفَاظَ سَبِيلًا لإِبْعَادِ النَّاسِ عَنْ مَعَانِى هَذِهِ الْعِبَارَاتِ مِنَ الْيَدِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْقَدَمِ مِمَّا يُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ وَاللُّغَةَ وَيَصْرِفُ مَعَانِيَهَا عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّحْدِيدِ وَالتَّكْيِيفِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ وَالْيَدَ وَالْقَدَمَ بِزَعْمِهِمْ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا
فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَرُّ النَّاسِ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا جَوَارِحُ وَكَيْفِيَّاتٌ نَجْهَلُ حَجْمَهَا وَمَقَادِيرَهَا وَأَحْوَالَهَا فَلِذَلِكَ كَانَ كَلامُهُمْ تَمْوِيهًا يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهًا (وَ)هُوَ أَيْضًا (دُعَاءٌ إِلَى الْجَهْلِ) لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ لَكَ ءَامِنْ بِمَا لا يُتَعَقَّلُ وَصَدِّقْ بِمَا لا يُعْرَفُ لا يَكُونُ فِى الْحَقِيقَةِ قَدْ دَعَاكَ إِلَى عِلْمٍ بَلْ دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَجْهَلَ مَعَانِىَ مَا يُلْقِى إِلَيْكَ
(وَقَدْ وَضَحَ الْحَقُّ لِذِى عَيْنَيْنِ. وَلَيْتَ شِعْرِى هَذَا الَّذِى يُنْكِرُ التَّأْوِيلَ يَطْرُدُ هَذَا الإِنْكَارَ) أَىْ يُدْخِلُهُ (فِى كُلِّ شَىْءٍ وَفِى كُلِّ ءَايَةٍ) فَيُعَمِّمُهُ (أَمْ يَقْنَعُ بِتَرْكِ التَّأْوِيلِ فِى صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) فَقَطْ فَيَخُصُّ الْمَنْعَ مِنَ التَّأْوِيلِ بِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَصْلًا) أَىْ عَلَى الإِطْلاقِ فِى الصِّفَاتِ وَفِى غَيْرِ الصِّفَاتِ (فَقَدْ أَبْطَلَ الشَّرِيعَةَ وَالْعُلُومَ إِذْ مَا مِنْ ءَايَةٍ وَخَبَرٍ إِلَّا وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَصَرُّفٍ فِى الْكَلامِ)
بِتَخْصِيصٍ أَوْ تَقْيِيدٍ أَوْ إِضْمَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ إِلَّا ءَايَاتٍ لا تَحْتَاجُ إِلَى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ حَيْثُ أَفَادَتْ كَلِمَةُ كُلّ الْعُمُومَ بِلا إِخْرَاجِ شَىْءٍ وَاحِدٍ (لِأَنَّ ثَمَّ أَشْيَاءَ لا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهَا) أَوْ تَخْصِيصِهَا أَوْ تَقْيِيدِهَا أَوْ تَقْدِيرِ إِضْمَارٍ فِيهَا (لا خِلافَ بَيْنَ الْعُقَلاءِ فِيهِ إِلَّا الْمُلْحِدَةَ الَّذِينَ قَصْدُهُمُ التَّعْطِيلُ لِلشَّرَائِعِ)
فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَثَلًا لا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّىْءِ بِالْمُمْكِنِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْمُمْكِنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ لا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ فِيهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَقَوْلُ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِى
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ اهـ مَثَلًا لا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ إِنَّمَا الأَعْمَالُ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً فِى الشَّرْعِ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالنِّيَّاتِ الصَّحِيحَةِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَىْ عَدْلٍ اهـ مَثَلًا لا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ لا نِكَاحَ صَحِيحٌ إِلَّا بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَيْنِ فَالزَّعْمُ بِبُطْلانِ التَّأْوِيلِ عَلَى
الإِطْلاقِ (وَ)التَّمَسُّكُ بِالظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ أَىِّ تَصَرُّفٍ فِى الْكَلامِ مَهْمَا كَانَ وَ(الِاعْتِقَادُ لِهَذَا) الْمَنْهَجِ (يُؤَدِّى إِلَى) وُقُوعِ صَاحِبِهِ فِى التَّنَاقُضِ وَ(إِبْطَالِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ) بِزَعْمِهِ فَإِنَّـهُ إِذَا أَرَادَ التَّمَسُّكَ بِمَا جَاءَ فِى الشَّرْعِ اعْتَقَدَ أَنَّ الرِّيحَ الَّتِى أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ لَمْ تُدَمِّرِ الْجِبَالَ وَلا السَّمَوَاتِ وَلا الأَرْضَ وَلا الْجَنَّةَ لَكِنْ إِذَا زَعَمَ فِى الْوَقْتِ عَيْنِهِ أَنَّ التَّأْوِيلَ بِأَنْوَاعِهِ مُمْتَنِعٌ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُفَسِّرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَحْقَافِ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ بِأَنَّ تِلْكَ الرِّيحَ دَمَّرَتْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا عَكْسُ مَا جَاءَ فِى الشَّرْعِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا دَمَّرَتْ مَا اعْتَادُوا أَنْ يَعِيشُوا فِيهِ فَكَانَ لا بُدَّ لِلمُتَمَسِّكِ بِالشَّرْعِ مِنْ تَرْكِ الظَّاهِرِ وَاللُّجُوءِ إِلَى التَّأْوِيلِ فِى كَثِيرٍ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ.
قَالَ الْقُشَيْرِىُّ (وَإِنْ قَالَ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ عَلَى الْجُمْلَةِ) أَىْ حَيْثُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ (إِلَّا فِى مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ فَلا تَأْوِيلَ فِيهِ فَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ) أَىْ إِنَّـهُ يَصِيرُ (إِلَى أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ) مَعْنَاهُ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّانِعِ) أَىِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ (وَصِفَاتِهِ يَجِبُ التَّقَاصِى) أَىِ الْبُعْدُ (عَنْهُ وَهَذَا لا يَرْضَى بِهِ مُسْلِمٌ)
فَإِنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ أَجَلُّ وَقَدْ تَمَدَّحَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ بِهِ وَذَلِكَ فِى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ وَكَيْفَ يُحَصَّلُ هَذَا الْعِلْمُ إِذَا تُرِكَ النَّظَرُ فِى النُّصُوصِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ وَنَأَى النَّاظِرُ فِيهَا عَنْ تَعَلُّمِ مَعَانِيهَا وَلَوْ كَانَ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ الإِنْسَانَ فِيهَا حِفْظُ أَلْفَاظِهَا مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِلْمَعْنَى لَمَا كَانَ سَبِيلٌ إِلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْعِلْمِ وَلَمَا تَفَاوَتَ النَّاسُ فِيهِ وَلَمَا كَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ فِيهِ.
(وَسِرُّ الأَمْرِ) أَىْ حَقِيقَتُهُ (أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنِ التَّأْوِيلِ مُعْتَقِدُونَ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ غَيْرَ أَنَّهُمْ يُدَلِّسُونَ وَ)لا يُصَرِّحُونَ بِاعْتِقَادِهِمْ كَىْ لا يُصَدُّوا فَوْرًا فَيَتَدَرَّجُونَ فِى جَلْبِ الْغِرِّ(68) إِلَى اعْتِقَادِهِمْ وَ(يَقُولُونَ لَهُ) أَىِ لِلَّهِ (يَدٌ لا كَالأَيْدِى وَقَدَمٌ لا كَالأَقْدَامِ وَاسْتِوَاءٌ بِالذَّاتِ لا كَمَا نَعْقِلُ فِى مَا بَيْنَنَا فَلْيَقُلِ الْمُحَقِّقُ) مِنْ
أَهْلِ الْفَهْمِ إِذَا سَمِعَ مَا يَدَّعُونَ (هَذَا كَلامٌ لا بُدَّ مِنِ اسْتِبْيَانٍ) فِيهِ فَإِنَّ فِيهِ إِشْكَالًا إِذْ (قَوْلُكُمْ نُجْرِى الأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ تَنَاقُضٌ إِنْ أَجْرَيْتَ عَلَى الظَّاهِرِ فَظَاهِرُ السَّاقِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْقَلَمِ (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هُوَ الْعُضْوُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ) مُفْرَدِ الأَعْصَابِ وَهِىَ أَطْنَابُ الْمَفَاصِلِ(69)
(وَالْمُخِّ) الَّذِى تَحْوِيهِ الْعِظَامُ (فَإِنْ أَخَذْتَ بِهَذَا الظَّاهِرِ وَالْتَزَمْتَ بِالإِقْرَارِ بِهَذِهِ الأَعْضَاءِ) أَىْ إِنْ قُلْتَ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِى عَنَيْتُهُ وَأَنَا أَعْتَقِدُ فِى اللَّهِ الْجَوَارِحَ وَالأَعْضَاءَ (فَهُوَ الْكُفْرُ) بِدُونِ شَكٍّ وَقَعْتَ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْكَ الأَخْذُ بِهَا) أَىْ بِمَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ فَقُلْتَ بِأَنَّكَ لا تُرِيدُ بِالظَّاهِرِ هَذِهِ الْمَعَانِىَ وَلا تَنْسُبُ إِلَى اللَّهِ مَعَانِىَ الْجِسْمِيَّةِ وَصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ (فَأَيْنَ الأَخْذُ بِالظَّاهِرِ) الَّذِى زَعَمْتَ لُزُومَهُ (أَلَسْتَ قَدْ تَرَكْتَ الظَّاهِرَ) بِرَفْضِكَ لِنِسْبِةِ مَعَانِى الْمَخْلُوقِينَ إِلَى اللَّهِ (وَعَلِمْتَ تَقَدُّسَ الرَّبِّ تَعَالَى عَمَّا يُوهِمُ الظَّاهِرُ فَكَيْفَ يَكُونُ) تَرْكُ الظَّاهِرِ (أَخْذًا بِالظَّاهِرِ) هَذَا تَنَاقُضٌ.
(وَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ) مُدَلِّسًا لِلتَّهَرُّبِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ (هَذِهِ الظَّوَاهِرُ) أَىْ مَا أُرِيدُهُ مِنْ قَوْلِى نَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ إِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ (لا مَعْنَى لَهَا أَصْلًا) بِأَنْ قَالَ مَثَلًا لَيْسَ مَعْنَاهَا الْجَوَارِحَ وَالأَعْضَاءَ الَّتِى هِىَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرُ وَلا أَىَّ مَعْنًى ءَاخَرَ مَعْرُوفٌ لَهَا فِى اللُّغَةِ (فَهُوَ) مِنْهُ (حُكْمٌ بِأَنَّهَا مُلْغَاةٌ) إِذْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا
مَعْنًى بِحَسَبِ اللُّغَةِ يُعْرَفُ (وَ)زَعْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ (مَا كَانَ فِى إِبْلاغِهَا إِلَيْنَا فَائِدَةٌ وَهِىَ هَدَرٌ) أَىْ لا اعْتِبَارَ لَهَا (وَهَذَا مُحَالٌ) لِأَنَّهَا تَكُونُ وَالْحَالَةَ هَذِهِ لَغْوًا وَالْقُرْءَانُ مُنَزَّهٌ عَنِ اللَّغْوِ بِلا رَيْبٍ (وَفِى لُغَةِ الْعَرَبِ مَا شِئْتَ) أَىِ الْكَثِيرُ الْكَثِيرُ (مِنَ التَّجَوُّزِ) أَىِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ (وَالتَّوَسُّعِ فِى الْخِطَابِ وَكَانُوا) أَىِ الْعَرَبُ الْقُدَمَاءُ الَّذِينَ
يُحْتَجُّ بِكَلامِهِمْ فِى اللُّغَةِ فِى زَمَنِ الْبِعْثَةِ وَمَا يَسْبِقُهُ وَمَا يَلِيهِ (يَعْرِفُونَ مَوَارِدَ الْكَلامِ) أَىْ فِى أَىِّ مَعْنًى وَرَدَ (وَيَفْهَمُونَ الْمَقَاصِدَ) أَىْ مَا يُقْصَدُ مِنْ مَعَانِى الأَلْفَاظِ (فَمَنْ تَجَافَى) أَىِ ابْتَعَدَ (عَنِ التَّأْوِيلِ) حَيْثُ يَنْبَغِى التَّأْوِيلُ (فَذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ) وَمِنْ هُنَا دَخَلَ الضَّلالُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَلا سِيَّمَا الْمُشَبِّهَة (وَمَنْ أَحَاطَ بِطُرُقٍ) كَثِيرَةٍ (مِنَ الْعَرَبِيَّةِ) أَىْ وَسِعَتْ مَعْرِفَتُهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ (هَانَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْحَقَائِقِ) أَىْ إِدْرَاكُهَا وَمَيَّزَ فِى كَلامِ الْعَرَبِ وَنُصُوصِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَمَا أُرِيدَ مِنْهُ الْمَعْنَى الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ لِلَّفْظِ وَمَا أُرِيدَ مِنْهُ مَعْنًى ءَاخَرُ ظَاهِرٌ بِالدَّلِيلِ(70).
(وَقَدْ قِيلَ) أَىْ قُرِئَ فِى بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾) بِالْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْعِلْمِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرِىُّ وَغَيْرُهُ فِى تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ (فَكَأَنَّهُ قَالَ) أَىْ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى (وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ أَيْضًا يَعْلَمُونَه) أَىْ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ الَّذِى لَيْسَ عِلْمُهُ خَاصًّا بِاللَّهِ كَخُرُوجِ
الدَّجَّالِ وَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ مِمَّا لا يَعْلَمُهُ الْخَلْقُ (وَيَقُولُونَ) أَىِ الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ الْمُتَمَكِّنُونَ فِيهِ (﴿ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾) أَىْ إِنَّ الْمُحْكَمَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِذَلِكَ كُلِّهِ (فَإِنَّ الإِيمَانَ بِالشَّىْءِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْعِلْمِ) بِهِ (أَمَّا مَا لا يُعْلَمُ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (فَالإِيمَانُ بِهِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ)
أَىْ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَمَنْ عَلِمَ مَثَلًا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ طَه ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ لا يُرَادُ بِهِ الْجُلُوسُ أَوِ الِاسْتِقْرَارُ أَوِ الْعُلُوُّ بِالْمَسَافَةِ بَلْ هُوَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِى الَّتِى جَاءَتْ بِهَا لُغَةُ الْعَرَبِ لِلِاسْتِوَاءِ يَلِيقُ بِاللَّهِ لَيْسَ كَمَعَانِى الْمَخْلُوقِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِهِ يَكُونُ قَدْ حَصَّلَ نَوْعًا مِنَ الْعِلْمِ بِمَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ فَيُقَالُ
عَنْهُ عَلِمَ هَذَا الْمَعْنَى وَءَامَنَ بِهِ وَمِثْلُهُ الَّذِى يُؤَوِّلُ الِاسْتِوَاءَ بِالْقَهْرِ فَإِنَّهُ عَلِمَ هَذَا التَّأْوِيلَ التَّفْصِيلِىَّ وَءَامَنَ بِهَذَا الْمُتَشَابِهِ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَمَّا إِذَا قِيلَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ النَّبِىَّ لِيُكَلِّمَ النَّاسَ بِمَا لا يَفْهَمُونَ لَهُ أَىَّ مَعْنًى بِالْمَرَّةِ فَهُوَ زَعْمٌ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَلْقِ بِمَا لا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ وَهُوَ كَلامٌ فِى غَايَةِ التَّهَافُتِ(71) وَفِيهِ رَدُّ الشَّرِيعَةِ وَتَكْذِيبُ الدِّينِ (وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِى مَا رَوَاهُ الطَّبَرِىُّ وَغَيْرُهُ (أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ) اهـ (انْتَهَى كَلامُ الْحَافِظِ الزَّبِيدِىِّ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ أَبِى النَّصْرِ الْقُشَيْرِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
فَهُنَا مَسْلَكَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ الأَوَّلُ مَسْلَكُ السَّلَفِ وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى) بَعْدَ الْهِجْرَةِ (أَىْ) قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَقَرْنِ التَّابِعِينَ وَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ أَوْ يُرَادُ بِالْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى الثَّلاثُمِائَةِ سَنَةٍ الأُولَى الَّتِى بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَمَا فَسَّرَهَا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِذَلِكَ فَأَهْلُ هَذِهِ الْقُرُونِ أَىْ (أَكْثَرُهُمْ) لا يُؤَوِّلُونَ الآيَاتِ
الْمُتَشَابِهَةَ تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا (فَإِنَّهُمْ) لَمْ يَحْتَاجُوا ذَلِكَ احْتِيَاجَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ لِقِلَّةِ انْتِشَارِ الْبِدَعِ فِى تِلْكَ الأَزْمَانِ بَلْ (يُؤَوِّلُونَهَا تَأْوِيلًا إِجْمَالِيًّا) وَذَلِكَ (بِالإِيمَانِ بِهَا وَاعْتِقَادِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْجِسْمِ بَلْ أَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ) فَيُثْبِتُونَ اللَّفْظَ الْوَارِدَ وَيَنْفُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنًى كَمَعَانِى الْخَلْقِ
(بِلا تَعْيِينٍ) لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ (بَلْ رَدُّوا تِلْكَ الآيَاتِ إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الشُّورَى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَهُوَ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ءَامَنْتُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَبِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ يَعْنِى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا عَلَى مَا قَدْ تَذْهَبُ إِلَيْهِ الأَوْهَامُ وَالظُّنُونُ مِنَ الْمَعَانِى الْحِسِّيَّةِ الْجِسْمِيَّةِ الَّتِى لا تَجُوزُ فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّ سَلَفَ الأُمَّةِ وَعُلَمَاءَ الْخَلَفِ مِنْهَا يَعْتَقِدُونَ كُلُّهُمْ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالتَّحَوُّلِ وَالْحُلُولِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتْحِ الْبَارِئِ.
(ثُمَّ) إِنَّ السَّلَفَ لَمْ يُرِيدُوا بِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مَنْعَ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ وَلا سَلَكُوا كُلُّهُمْ مَسْلَكَ تَرْكِهِ وَالِابْتِعَادِ عَنْهُ بَلْ (نَفْىُ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيِلىِّ عَنِ السَّلَفِ كَمَا زَعَمَ بَعْضٌ مَرْدُودٌ) زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ (بِمَا فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ فِى كِتَابِ تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ سُورَةُ الْقَصَصِ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إِلَّا مُلْكَهُ وَيُقَالُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ اهـ فَمُلْكُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ) أَىْ فَلا بِدَايَةَ لَهُ وَلا نِهَايَةَ فَلا يَفْنَى وَمَعْنَاهُ سُلْطَانُهُ وَهُوَ (لَيْسَ كَالْمُلْكِ الَّذِى يُعْطِيهِ لِلْمَخْلُوقِينَ) فَإِنَّهُ يَفْنَى كَمَا فَنِىَ مُلْكُ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنْ مُلُوكِ الْكُفَّارِ كَالنُّمْرُودِ وَفِرْعَوْنَ وَكَمَا فَنِىَ مُلْكُ أَحْبَابِ اللَّهِ كَسُلَيْمَانَ وَذِى الْقَرْنَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلامُ.
(وَفِيهِ) أَىْ فِى الْبُخَارِىِّ (غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ) مِنَ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ (كَتَأْوِيلِ) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ هُود ﴿مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ بِأَنَّهَا فِى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ اهـ وَقَالَ الْخَطَّابِىُّ إِنَّ الْبُخَارِىَّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلَ (الضَّحِكَ الْوَارِدَ فِى الْحَدِيثِ) الْمَرْوِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ الأَنْصَارِىِّ وَزَوْجِهِ
وَضَيْفِهِمَا وَفِيهِ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الْحَدِيثَ (بِالرَّحْمَةِ) أَىِ الْخَاصَّةِ قَالَ وَهُوَ قَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ اهـ (وَصَحَّ أَيْضًا التَّأْوِيلُ التَّفْصِيلِىُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ) بنِ حَنْبَلٍ (وَهُوَ مِنَ السَّلَفِ) سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ عَصْرَهُمْ يَنْتَهِى بِانْقِرَاضِ تَبَعِ الأَتْبَاعِ أَوْ قُلْنَا إِنَّهُ يَنْقَضِى بِانْتِهَاءِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ (فَقَدْ) تُوُفِّىَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ
وَمِائَتَيْنِ أَوْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ (ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْفَجْرِ (﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾) ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ) اهـ أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِى تَظْهَرُ حِينَ يَحْضُرُ الْمَلائِكَةُ صُفُوفًا فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِعُنُقٍ مِنْ جَهَنَّمَ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ يَجُرُّ كُلَّ زِمَامٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِسِلْسِلَةٍ حَتَّى يَرَى النَّاسُ وَهُمْ فِى الْمَوْقِفِ ذَلِكَ الْعُنُقَ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى مَكَانِهِ.
وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (صَحَّحَ سَنَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ الَّذِى قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ صَلاحُ الدِّينِ الْعَلائِىُّ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْبَيْهَقِىِّ وَالدَّارَقُطْنِىِّ مِثْلُهُمَا وَلا مَنْ يُقَارِبُهُمَا) اهـ أَىْ فِى الْحَدِيثِ وَعُلُومِهِ.
(أَمَّا قَوْلُ الْبَيْهَقِىِّ ذَلِكَ فَفِى كِتَابِ مَنَاقِبِ أَحْمَدَ) لَهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِى تَارِيخِهِ قَالَ أَىِ الْبَيْهَقِىُّ أَنْبَأَنَا الْحَاكِمُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بنُ السَّمَّاكِ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بنُ إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ عَمِّى أَحْمَدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ احْتَجُّوا عَلَىَّ يَوْمَئِذٍ يَعْنِى يَوْمَ نُوظِرَ فِى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا تَجِىءُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَتَجِىءُ سُورَةُ تَبَارَكَ فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا تَأْتِى قُدْرَتُهُ وَإِنَّمَا الْقُرْءَانُ أَمْثَالٌ وَمَوَاعِظُ اهـ قَالَ الْبَيْهَقِىُّ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لا غُبَارَ عَلَيْهِ اهـ ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لا يَعْتَقِدُ فِى الْمَجِىءِ الَّذِى وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالنُّزُولِ الَّذِى وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ انْتِقَالًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ كَمَجِىءِ ذَوَاتِ الأَجْسَامِ وَنُزُولِهَا(72) وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظُهُورِ أَثَرِ قُدْرَتِهِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّ الْقُرْءَانَ لَوْ كَانَ كَلامَ اللَّهِ وَصِفَةً مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ الْمَجِىءُ وَالإِتْيَانُ فَأَجَابَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِىءُ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ الَّذِى يُرِيدُ إِظْهَارَهُ يَوْمَئِذٍ فَعَبَّرَ عَنْ إِظْهَارِهِ إِيَّاهُ بِمَجِيئِهِ.
وَهَذَا الَّذِى أَجَابَهُمْ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لا يَهْتَدِى إِلَيْهِ إِلَّا الْحَذَّاقُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُنَزِّهُونَ عَنِ التَّشْبِيهِ اهـ (وَأَمَّا قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِى سَعِيدِ) بنِ كَيْكَلَدِى (الْعَلائِىِّ فِى الْبَيْهَقِىِّ وَالدَّارَقُطْنِىِّ فَذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْوَشْى الْمعلَمُ وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ فَهُوَ الَّذِى يَقُولُ فِيهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ شَيْخُ مَشَايِخِنَا) اهـ فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخِ الْحَافِظِ زَيْنِ الدِّينِ الْعِرَاقِىِّ الَّذِى تَخَرَّجَ بِهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى عُلُومِ الْحَدِيثِ (وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِىِّ).
(وَهُنَاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرُوا فِى تَآلِيفِهِمْ أَنَّ أَحْمَدَ أَوَّلَ مِنْهُمُ الْحَافِظُ) الْفَقِيهُ الْمُفَسِّرُ (عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ الْجَوْزِىِّ) الْحَنْبَلِىُّ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ السَّادِسِ (الَّذِى هُوَ أَحَدُ أَسَاطِينِ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِىِّ) أَىْ أَعْمِدَتِهِ (لِكَثْرَةِ اطِّلاعِهِ عَلَى نُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَأَحْوَالِ أَحْمَدَ) وَأَلَّفَ فِى مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ كِتَابًا حَافِلًا وَفِى الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عَلَى حَسَبِ مَذْهَبِهِ كُتُبًا عَدِيدَةً وَنَقَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى كِتَابِ دَفْعِ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ لَهُ أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ قُدْرَتُهُ وَأَمْرُهُ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النَّحْلِ ﴿أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وَمِثْلُ هَذَا فِى التَّوْرَاةِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قَالَ إِنَّمَا هِىَ قُدْرَتُهُ اهـ.
(الثَّانِى مَسْلَكُ الْخَلَفِ) وَهُمْ مَنْ جَاءُوا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (وَهُمْ يُأَوِّلُونَهَا) أَىِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ (تَفْصِيلًا بِتَعْيِينِ مَعَانٍ لَهَا مِمَّا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ) فَلا يَكْتَفُونَ بِالتَّأْوِيلِ الإِجْمَالِىِّ كَقَوْلِ إِنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى لا كَمَعَانِى الْمَخْلُوقِينَ (وَلا يَحْمِلُونَهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا أَيْضًا كَالسَّلَفِ)
بَلْ يَحْمِلُونَهَا عَلَى مَعْنًى يُوَافِقُ الآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ كَمَا يُوَافِقُ لُغَةَ الْعَرَبِ وَيُرَجِّحُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِى لِدِلالَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ (وَ)هَذَا الْمَسْلَكُ (لا بَأْسَ بِسُلُوكِهِ وَلا) حَرَجَ لا (سِيَّمَا عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ تَزَلْزُلِ الْعَقِيدَةِ) عِنْدَ إِيرَادِ الْمُشَبِّهَةِ شُبَهَهُمْ عَلَى الْعَوَامِّ (حِفْظًا) لَهُمْ (مِنَ التَّشْبِيهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى تَوْبِيخِ إِبْلِيسَ) فِى سُورَةِ ص (﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾) إِذَا أَوْرَدَهُ مُشَبِّهٌ لِيُوهِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِجَارِحَتَيْنِ كَأَيْدِينَا (فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ) مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ لَيْسَ كَمَعَانِى الْمَخْلُوقِينَ وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ (الْعِنَايَةُ وَالْحِفْظُ) أَىْ مَا مَنَعَكَ يَا إِبْلِيسُ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِعِنَايَتِى وَحِفْظِى أَىْ لِمَنْ أَكْرَمْتُهُ وَأَرَدْتُ لَهُ الْمَقَامَ الْعَالِىَ وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ.
(68) أَىْ غَيْرِ الْمُجَربِ الَّذِى يَسْهُلُ خِدَاعُهُ.
(69) أَطْنَابُ الْجَسَدِ عَصَبُهُ الَّتِى تَتَّصِلُ بِهَا الْمَفَاصِلُ وَالْعِظَامُ وَتَشُدُّهَا.
(70) أَىْ مَعْنًى دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنًى ءَاخَرَ أَسْبَقَ تَبَادُرًا لِلذِّهْنِ مِنْهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لَوْلا الدَّلِيل.
(71) أَىِ التَّسَاقُطِ.
(72) أَىْ وَإِلَّا لَمَا لَجَأَ إِلَى تَأْوِيلِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا.
