(يَجِبُ لِلَّهِ) تَعَالَى (الْقِدَمُ بِمَعْنَى الأَزَلِيَّةِ) أَىِ انْتِفَاءِ الْبِدَايَةِ أَىْ أَنَّـهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ (لا بِمَعْنَى تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَ)طُولِ (الزَّمَنِ لِأَنَّ) مُتَقَادِمَ الْعَهْدِ لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُوجِدٍ أَوْجَدَهُ وَخَالِقٍ أَبْدَعَهُ فَيَكُونُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا مُحْتَاجًا إِلَى خَالِقٍ خَلَقَهُ وَأَمَّا (لَفْظُ الْقَدِيمِ وَالأَزَلِىِّ إِذَا أُطْلِقَا عَلَى اللَّهِ كَانَ الْمَعْنَى) فِى هَذِهِ الْحَالِ (أَنَّـهُ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ) سُبْحَانَهُ (فَيُقَالُ) عَلَى هَذَا الْمَعْنَى (اللَّهُ أَزَلِىٌّ اللَّهُ قَدِيمٌ وَإِذَا أُطْلِقَا عَلَى الْمَخْلُوقِ كَانَا بِمَعْنَى تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَالزَّمَنِ) كَمَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقَمَرِ) فِى سُورَةِ يس (﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾) أَىْ كَعِذْقِ النَّخْلِ الَّذِى مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ فَيَبِسَ وَتَقَوَّسَ (وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ) الْمُحِيطِ (الْفَيْرُوزَابَادِىُّ الْهَرَمَانِ بِنَاءَانِ أَزَلِيَّانِ) أَىْ مَضَى عَلَيْهِمَا زَمَانٌ طَوِيلٌ (بِمِصْرَ) اهـ
(وَأَمَّا بُرْهَانُ قِدَمِهِ تَعَالَى فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا لَلَزِمَ حُدُوثُهُ) فَيَكُونُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا (فَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ) وَهَذَا الْمُحْدِثُ كَذَلِكَ يَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا أَزَلِيًّا وَهَكَذَا (فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ) أَىْ تَوَقُّفُ وُجُودِ الشَّىْءِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قِيلَ زَيْدٌ أَوْجَدَهُ عَمْرٌو وَعَمْرٌو أَوْجَدَهُ زَيْدٌ فَهَذَا مَعْنَاهُ وَقْفُ
وُجُودِ زَيْدٍ عَلَى وُجُودِ عَمْرٍو الْمُتَوَقِّفِ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِ زَيْدٍ وَهَذَا أَمْرٌ لا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّىْءَ مَخْلُوقٌ لِمَخْلُوقِهِ وَهُوَ يَقْتَضِى أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الشَّىْءُ قَبْلَ نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ خَالِقِيَّتِهِ وَبَعْدَ نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ مَخْلُوقِيَّتِهِ (أَوْ) يَلْزَمُ (التَّسَلْسُلُ) وَهُوَ تَوَقُّفُ وُجُودِ شَىْءٍ عَلَى شَىْءٍ قَبْلَهُ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى شَىْءٍ قَبْلَهُ وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ ابْتِدَاءٍ وَهَذَا لا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ أَيْضًا لِأَنَّ وُجُودَ الْحَادِثِ الْحَالِىِّ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ لا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوَادِثِ الَّتِى قَبْلَهُ الَّتِى لا نِهَايَةَ لِعَدَدِهَا وَانْتِهَاءُ مَا لا نِهَايَةَ لَهُ مُسْتَحِيلٌ مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ لا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا وَهَكَذَا لا إِلَى أَوَّلٍ فَإِنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلَى الدِّرْهَمِ الْمَوْعُودِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَ)إِذَا كَانَ (كُلٌّ مِنْهُمَا) بَاطِلاً وَثَبَتَ أَنَّهُ (مُحَالٌ) تَبَيَّنَ بُطْلانُ مَا يَقْتَضِيهِمَا وَهُوَ حُدُوثُ ذَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَثَبَتَ أَنَّ حُدُوثَهُ تَعَالَى مُحَالٌ وَقِدَمَهُ ثَابِتٌ).
الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ (الْبَقَاءُ)
وَهِىَ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِى عِنْدَ الإِمَامِ أَبِى الْحَسَنِ وَجَرَتْ عَادَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الأَشَاعِرَةِ بِعَدِّهَا مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ فَيَكُونُ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمُ انْتِفَاءَ الْفَنَاءِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ فَيَقُولُونَ (يَجِبُ الْبَقَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ لِأَنَّهُ لَـمَّا ثَبَتَ وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالَى عَقْلًا وَجَبَ لَهُ الْبَقَاءُ لِأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ)
لَكَانَ وُجُودُهُ جَائِزًا لا وَاجِبًا وَلَاحْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ يُخَصِّصُهُ بِالْوُجُودِ وَيُرَجِّحُ وُجُودَهُ عَلَى عَدَمِهِ وَلَكَانَ بِذَلِكَ حَادِثًا وَ(لَانْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ، فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْبَاقِى لِذَاتِهِ) وَ(لا بَاقِىَ لِذَاتِهِ غَيْرُهُ وَأَمَّا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَبَقَاؤُهُمَا لَيْسَ بِالذَّاتِ بَلْ لِأَنَّ اللَّهَ شَاءَ لَهُمَا الْبَقَاءَ) أَىْ فَبَقَاؤُهُمَا لَيْسَ كَبَقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (فَالْجَنَّةُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْفَنَاءُ وَكَذَلِكَ النَّارُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْفَنَاءُ)
فَهُمَا بَاقِيَتَانِ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا فَبَقَاءُ اللَّهِ ذَاتِىٌّ وَبَقَاؤُهُمَا بِغَيْرِهِمَا فَبَطَلَ بِذَلِكَ مَا يُورِدُهُ بَعْضُ الْمَلاحِدَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ بِالْبَقَاءِ إِذْ لَوِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ لَكَانَ بَاقِيًا وَلَكَانَتِ الْجَنَّةُ بَاقِيَةً وَالنَّارُ بَاقِيَةً فَثَبَتَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُمَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَقَاءَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِى يُرَادُ عِنْدِ إِطْلاقِ الْبَقَاءِ عَلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ فَانْتَفَتِ الْمُشَابَهَةُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمُوَافَقَةُ فِى اللَّفْظِ وَهِىَ لا تُوجِبُ اشْتِرَاكًا وَلا مُمَاثَلةً.
ثُمَّ إِنَّ الْبَقَاءَ الَّذِى هُوَ نَعْتُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَعْنَاهُ مُرُورُ زَمَانٍ بَعْدَ زَمَانٍ عَلَيْهِمَا وَهَكَذَا لا إِلَى ءَاخِرٍ وَأَمَّا بَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ بِمُرُورِ زَمَانٍ قَطْعًا. وَالدَّلِيلُ مِنَ الْمَنْقُولِ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَقَاءِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ الرَّحْمٰنِ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ فَالْوَجْهُ هُنَا يَتَعَيَّنُ تَفْسِيرُهُ بِالذَّاتِ وَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالصِّفَةِ لِأَنَّ الذَّاتَ هُوَ الَّذِى يُوصَفُ بِذِى الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ لا الصِّفَةَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَيَبْقَى ذَاتُ رَبِّكَ.
الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ (السَّمْعُ)
(وَهُوَ صِفَةٌ أزَليَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ) يَنْكَشِفُ بِهَا(51) كُلُّ مَوْجُودٍ عَلَى مَا هُوَ بِهِ انْكِشَافًا لَيْسَ هُوَ انْكِشَافَ الْبَصَرِ وَالْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ شَرْحِ الْمُقَدِّمَاتِ(52) وَغَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ أَىْ بِالذَّوَاتِ وَصِفَاتِهَا وَقَالَ ءَاخَرُونَ كَالسَّعْدِ(53) إِنَّ السَّمْعَ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْمُوعَاتِ (فَهُوَ) تَعَالَى (يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ بِسَمْعٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا كَسَمْعِنَا لَيْسَ بِأُذُنٍ وَصِمَاخٍ فَهُو تَعَالَى لا يَعْزُبُ أَىْ لا يَغِيبُ عَنْ سَمْعِهِ مَسْمُوعٌ وَإِنْ خَفِىَ أَىْ عَلَيْنَا وَبَعُدَ أَىْ عَنَّا كَمَا يَعْلَمُ بِغَيْرِ قَلْبٍ) وَلا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ سَمْعِهِ عَزَّ وَجَلَّ قِدَمُ الْمَسْمُوعِ كَمَا لا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ قِدَمُ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ. (وَدَلِيلُ وُجُوبِ السَّمْعِ لَهُ عَقْلًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِالسَّمْعِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّمَمِ وَهُوَ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُحَالٌ) قَالَهُ الأَشْعَرِىُّ فِى اللُّمَعِ.
وَوَقَعَ مِنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ التَّنْزِيهَ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْءَانِ وَتَعَلُّمِ قِرَاءَاتِه مِنْ غَيْرِ تَلَقٍّ لِلْفَرْضِ الْعَيْنِىِّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ تَفَهُّمًا مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ أَنْ حَرَّفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِى سُنَنِهِ لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ أَىْ أَشَدُّ اسْتِمَاعًا فَزَعَمَ أَنَّ لَفْظَهُ لَلَّهُ أَشَدُّ ءَاذَانًا بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ أُذُنٌ وَنَسَبَ إِلَيْهِ الْجَارِحَةَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا تَشْبِيهٌ مَحْضٌ (فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ) تَعَالَى (يَسْمَعُ بِأُذُنٍ فَقَدْ أَلْحَدَ وَكَفَرَ).
(51) أَىْ يُدْرَكُ بِهَا.
(52) أَىِ السَّنُوسِىُّ.
(53) أَىِ التَّفْتَازَانِىِّ.
