(لا يُعْفَى الْجَاهِلُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الأُصُولِ) بَلْ يَجِبُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَجِبُ وَذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ أَنَّهُ ذَاتٌ لا يُشْبِهُ الذَّوَاتِ وَلا هُوَ مُعَطَّلٌ عَنِ الصِّفَاتِ وَمَعْرِفَةِ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً مِنْهَا لا يَسْلَمُ مِنَ الْكَبِيرَةِ مَنْ قَصَّرَ فِى مَعْرِفَتِهَا (وَلا يُعْذَرُ فِى مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنَ الْكُفْرِ) نَتِيجَةَ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ وَ(لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِ بِالدِّينِ)
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ فِى مَا لَوْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ أَوِ اعْتَقَدَ عَدَمَ نَفَاذِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِى كُلِّ مُرَادَاتِهِ سُبْحَانَهُ أَوْ شَتَمَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوِ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِأَنَّ مَا اعْتَقَدَهُ أَوْ قَالَهُ كُفْرٌ قَوْلٌ فَاسِدٌ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ خِلافُ الصَّحِيحِ فَلا يُقَامُ لَهُ وَزْنٌ (وَلَوْ كَانَ الْجَهْلُ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى)
فِى سُورَةِ الزُّمَرِ (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ يَعْلُو عَلَى الْجَهْلِ وَأَنَّ الْعَالِمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَاهِلِ وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ (إِلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ) أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ (وَنَحْوَهُ) أَىْ شَبِيهَ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالإِسْلامِ كَمَنْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (لا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ)
حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ وَلَيْسَ فِى إِنْكَارِهَا جَهْلًا مُنَاقَضَةٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ وَذَلِكَ كَإِنْكَارِ (فَرْضِيَّةِ الصَّلاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَنَّ هَذَا) مِنْ (دِينِ الإِسْلامِ) أَىْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الأَحْكَامِ وَلا بِمَثِيلِهَا مِمَّا يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِهَا لُزُومًا وَاضِحًا لِكُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّ مَنْ سَمِعَ تَحْرِيمَ قَوْلِ أُفٍ لِلْوَالِدِ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمَ ضَرْبِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَ هَذِهِ الْمَسْئَلَةَ بِعَيْنِهَا.
(وَالْفَرْضُ الأَوَّلُ) عَلَى الشَّخْصِ (فِى حَقِّ الأَهْلِ) أَىْ تُجَاهَ أَهْلِهِ (تَعْلِيمُهُمْ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ كَىْ لا يَقَعُوا فِى الْكُفْرِ بِجَهْلِهِمْ بِالْعَقِيدَةِ) فَإِنَّ الطِّفْلَ إِذَا تُرِكَ بِلا تَعْلِيمٍ قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ يَسْكُنُ السَّمَاءَ أَوْ يَتَنَقَّلُ مَعَ الْغَيْمِ أَوْ يَسْكُنُ الْكَعْبَةَ أَوْ أَنَّ لَهُ لَوْنًا أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ (فَإِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ نُورَانِىٌّ أَبْيَضُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَاسْتَمَرُّوا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتُوا عَلَيْهِ خُلِّدُوا فِى النَّارِ نَتِيجَةَ اعْتِقَادَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ) هَذِهِ.
وَكَمْ مِنَ النَّاسِ لا يَهْتَمُّونَ بِتَعْلِيمِ أَوْلادِهِمْ أُمُورَ الدِّينِ وَإِنَّمَا يُعَامِلُونَ أَوْلادَهُمْ مُعَامَلَةَ الدَّوَابِّ الَّتِى يَمْلِكُونَهَا فَيُطْعِمُونَهُمْ وَيَكْسُونَهُمْ وَيُؤْوُونَهُمْ وَيُدَاوُونَهُمْ إِذَا مَرِضُوا وَلا يَهْتَمُّونَ بِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَيَنْشَأُ الْوَلَدُ كَافِرًا وَهُوَ لا يَدْرِى أَوْ يَعِيشُ غَارِقًا فِى الْمَعَاصِى وَهُوَ لا يَعْلَمُ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنَا مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ
يَهْتَمُّ بِتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ وَتَعْلِيمِهِ لِأَهْلِهِ فَهُمُ الأَقَلُّ فِى هَذِهِ الأَيَّامِ بَيْنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ مِصْدَاقَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِى رَوَاهُ مُسْلِمٌ بَدَأَ الدِّينُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا اهـ وَمِصْدَاقَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الْقَابِضُ فِيهَا عَلَى دِينِهِ كَقَابِضٍ عَلَى جَمْرٍ اهـ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْعَاقِلُ لا يَتْرُكُ طَرِيقَ السَّلامَةِ وَلَوْ قَلَّ سَالِكُوهَا وَلا يُضَيِّعُ سَبِيلَ الْجَنَّةِ وَلَوِ اعْتَرَضَتْهُ الْمَكَارِهُ (قَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا وَ(لا يَغُرَنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ) اهـ (فَهَلْ هَذَا الْجَهْلُ فِى الْعَقِيدَةِ هُوَ نَتِيجَةُ مَحَبَّةِ الأَهْلِ لِأَبْنَائِهِمْ) أَوْ هُوَ نَتِيجَةُ إِهْمَالِ الِاعْتِنَاءِ بِهِمْ.
(وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الذَّارِيَاتِ (﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وَجَاءَ فِى تَفْسِيرِ الآيَةِ أَىْ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ) وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْبُودَ كَيْفَ يَعْبُدُهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَوَامِرَ السَّيِّدِ كَيْفَ يُطِيعُهُ (وَبَعْدَ أَنْ جَاءَنَا الْهُدَى وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ عَلَيْنَا الْحُجَّةُ بِهِ) إِذْ قَدْ أَدَّى الأَمَانَةَ وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ جَلَّ وَعَزَّ (فَلا عُذْرَ لَنَا) بِتَقْصِيرِنَا (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الإِسْرَاءِ (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) أَىْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ وَنَحْنُ قَدْ بَلَغَتْنَا الدَّعْوَةُ فَمَنْ أَعْرَضَ أَوْ زَاغَ أَوْ فَجَرَ أَوْ فَسَقَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
(النُّبُوَّةُ)
(اشْتِقَاقُهَا) أَىِ النُّبُوَّةِ (مِنَ النَّبَإِ أَىِ الْخَبَرِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ أَوْ مِنَ النَّبْوَةِ وَهِىَ الرِّفْعَةُ) أَىْ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ (فَالنَّبِىُّ عَلَى) الْقَوْلِ (الأَوَّلِ) أَىْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنَ النَّبَإِ (فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ) فَهُوَ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبِىءٍ (لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ أَوْ) هُوَ (فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ) أَىْ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبَأٌ (أَىْ مُخْبَرٌ عَنِ اللَّهِ أَىْ يُخْبِرُهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ) تَعَالَى.
وَلَيْسَ فِى حُكْمِ الْعَقْلِ مَا يُحِيلُ بِعْثَةَ الأَنْبِيَاءِ (فَالنُّبُوَّةُ جَائِزَةٌ عَقْلًا لَيْسَتْ مُسْتَحِيلَةً) فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلَى حُصُولِهَا مُحَالٌ بَلْ قَدْ عُلِمَ حُصُولُهَا بِالْحِسِّ وَثَبَتَتْ نُبُوَّةُ كَثِيرٍ مِنَ الْبَشَرِ بِالدَّلِيلِ. (وَ)ذَلِكَ (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ إِذْ لَيْسَ فِى الْعَقْلِ) الطَّبِيعِىِّ (مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الْمُنْجِيَةِ فِى الآخِرَةِ فَفِى بِعْثَةِ الأَنْبِيَاءِ مَصْلَحَةٌ ضَرورِيَّةٌ) لَهُمْ (لِحَاجَتِهِمْ لِذَلِكَ فَاللَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَهِىَ) إِذًا (سَفَارَةٌ بَيْنَ الْحَقِّ تَعَالَى وَبَيْنَ الْخَلْقِ) تَكَرَّمَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَى عَبِيدِهِ.
