(وَ)يُقَالُ لِلْمُعْتَرِضِ (كَذَلِكَ مَاذَا تَقُولُ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ (﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) وَلا وَجْهَ لِمُقَارَنَةِ ثُبُوتِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ بِمَدَى ثُبُوتِ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ(47) (فَإِنْ أَوَّلْتَهُ) أَىْ أَوَّلْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (فَلِمَ لا تُؤَوِّلُ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ) فَإِنَّ التَّأْوِيلَ فِى ءَايَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا كَمَا تَزْعُمُ لَامْتَنَعَ
تَأْوِيلُ كِلَيْهِمَا كَيْفَ (وَقَدْ جَاءَ فِى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ تِلْمِيذِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِبْلَةُ اللَّهِ فَفَسَّرَ الْوَجْهَ بِالْقِبْلَةِ) وَأَوَّلَهُ بِذَلِكَ (أَىْ) إِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ وِجْهَةِ السَّفَرِ (بِصَلاةِ النَّفْلِ فِى السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ) بَلْ رُوِىَ مِثْلُ ذَلِكَ فِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِى بَابِ جَوَازِ صَلاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِى السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ أَبِى سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّى وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ قَالَ وَفِيهِ نَزَلَتْ (﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) اهـ فَكَأَنَّكَ تَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُبْتَدِعًا يُؤَوِّلُ الآيَاتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَعَلَى غَيْرِ مَا أَجَازَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَحَكَمَ فَتَبًّا لِقَائِلٍ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَتَبًّا لِقَوْلِهِ.
(وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَهُوَ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) فَهُوَ حَدِيثٌ قَوِىٌّ وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ بِالْمُسَلْسَلِ بِالأَوَّلِيَّةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَالأَعْلامِ رَوَوْهُ مُسَلْسَلًا شَيْخًا عَنْ شَيْخِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَقُولُ وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِى الْمُسْنَدِ وَالْبُخَارِىُّ
فِى الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى السُّنَنِ وَقَالَ عَقِبَهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ حَدَّثَنِى بِهِ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ الْهَرَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ حَدَّثَنِي شَيْخِي مُحَمَّدُ سِراج بنُ مُحَمَّد سَعِيد الْجَبَرْتِىُّ الأَنِّىُّ الْمُفْتِى وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ
حَبِيبِ اللَّهِ الشِّنْقِيطِىِّ الْمَالِكِىِّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بنِ مُحَمَّد الشَّرْنُوبِىّ الأَزْهَرِىّ الْمَالِكِىّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشَّيْخِ حَسَنِ بنِ دَرْوِيشٍ الْقُوَيْسِنِىِّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الأَمِيرِ الْكَبِيرِ الْمِصْرِىّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ الْجَوْهَرِىّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَالِمٍ الْبِصْرِىّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بنِ عَلاءِ
الدِّينِ الْبَابِلِىّ وَهُوَ أَوَّل عَنِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الشَّلَبِىّ وُهُوَ أَوَّل ثَنَا الْجَمَالُ يُوسُفُ بنُ زَكَرِيَّا وَهُوَ أَوَّل أَنَا الْبُرْهَانُ إِبْرَاهِيمُ بنُ عَلِىِّ بنِ أَحْمَدَ الْقَلْقَشَنْدِىُّ وَهُوَ أَوَّل ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ ابن أَبِي بَكْرٍ الْوَاسِطِىُّ وَهُوَ أَوَّل أَنَا الْخَطِيبُ صَدرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِىُّ وَهُوَ أَوَّلُ أَنَا النَّجِيبُ
أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيفِ بنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِىُّ وَهُوَ أَوَّل أَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَلِىِّ بنِ الْجَوْزِىّ الْبَكْرِىُّ وَهُوَ أَوَّل أَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِى صَالِحٍ الْمُؤَذِّن النَّيْسَابُورِىُّ وَهُوَ أَوَّل ثَنِى وَالِدِى أَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّن وَهُوَ أَوَّل ثَنِى مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِىُّ النَّيْسَابُورِىُّ وَهُوَ أَوَّلُ أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بنُ
مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ بِلالٍ الْبَزَّاز بِزَاىٍ فَأَلِفٍ فَزَاىٍ وَهُوَ أَوَّل ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ بِشْرِ بنِ الْحَكَمِ الْعبْدِىُّ النَّيْسَابُورِىُّ وَهُوَ أَوَّلُ ثَنِى سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ وَعِنْدَهُ يَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ بِالأَوَّلِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِى قَابُوس مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاص عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاص أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ اهـ (وَفِى رِوَايَةٍ أُخْرَى) قَوِيَّةِ الإِسْنَادِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِى الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرِىِّ فِى تَهْذِيبِ الآثَارِ وَغَيْرِهِمْ (يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الأُولَى لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِالْوَارِدِ) مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِىُّ فِى أَلْفِيَّتِهِ وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ) فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ ارْحَمُوا مَنْ فِى الأَرْضِ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْخَيْرِ كَتَعْلِيمِهِمْ أُمُورَ الدِّينِ الضَّرُورِيَّةَ الَّتِى هِىَ سَبَبٌ لإِنْقَاذِهِمْ مِنَ النَّارِ وَبِـإِطْعَامِ جَائِعِهِمْ وَكِسْوَةِ عَارِيهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ يَرْحَمْكُمُ الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ فِى السَّمَاءِ بِاسْتِغْفَارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّحَمَاتِ.
(ثُمَّ) إِنَّ كَوْنَ (الْمُرَادِ بِأَهْلِ السَّمَاءِ الْمَلائِكَةَ) مِمَّا تَكَلَّمَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَبَيَّنُوهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمِمَّنْ (ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ) زَيْنُ الدِّينِ (الْعِرَاقِىُّ فِى أَمَالِيِّهِ عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَصُّ عِبَارَتِهِ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿مَّنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الْمَلائِكَةُ اهـ) أَىْ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِمَا فِى رِوَايَةِ مَنْ فِى السَّمَاءِ أَهْلَهَا وَهُمُ الْمَلائِكَةُ.
وَلا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرِّوَايَتَيْنِ اللَّهَ تَعَالَى (لِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلَّهِ أَهْلُ السَّمَاءِ. وَ)رُبَّمَا اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْوَارِدِ بِالْوَارِدِ هُنَا وَحَمْلِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الأُخْرَى بِقَوْلِهِمْ إِنَّ كَلِمَةَ مَنْ تُسْتَعْمَلُ فِى الْمُفْرَدِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى الْمَلائِكَةِ وَهَذَا كَلامٌ لا وَجْهَ لَهُ يَرُدُّهُ الْقُرْءَانُ وَالْحَدِيثُ
وَلُغَةُ الْعَرَبِ فَإِنَّ (مَنْ تَصْلُحُ لِلْمُفْرَدِ وَلِلْجَمْعِ) كَمَا فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (فَلا حُجَّةَ لَهُمْ فِى) حَمْلِ (الآيَةِ) الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِى السَّمَاءِ وَلا تَسْتَقِيمُ لَهُمْ دَعْوًى بِذَلِكَ (وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِى الآيَةِ الَّتِى تَلِيهَا)
أَىْ فِى سُورَةِ الْمُلْكِ (وَهِىَ ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَّنْ فِى السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ فَمَنْ فِى هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا أَهْلُ السَّمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَى الْكُفَّارِ الْمَلائِكَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ عَلَيْهِمْ عُقُوبَتَهُ فِى الدُّنْيَا كَمَا أَنَّهُمْ فِى الآخِرَةِ هُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِتَسْلِيطِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ) بَلْ (وَ)يُوَكَّلُونَ بِتَعْذِيبِ الْكُفَّارِ
وَإِرْعَابِهِمْ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ عِنْدَ النَّزْعِ وَفِى الْقَبْرِ وَعِنْدَ الْحَشْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَثَلًا (هُمْ يَجُرُّونَ عُنُقًا مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ لِيَرْتَاعَ الْكُفَّارُ بِرُؤْيَتِهِ. وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِى أَوْرَدَهَا الْحَافِظُ الْعِرَاقِىُّ فِى) الْمَجْلِسِ السَّادِسِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ (أَمَالِيِّهِ) الْمَحْفُوظَةِ فِى الْمَكْتَبَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرِهَا (لَفْظُهَا الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحِيمُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ) وَهُوَ يَرْوِيهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الزَّعْفَرَانِىِّ وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الْحَاكِمِ فِى الْمُسْتَدْرَكِ فَهِىَ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمٰنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ صَحَّحَهَا الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِىُّ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ تَمَسُّكَ الْمُشَبِّهَةِ بِالآيَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ فِى سُورَةِ الْمُلْكِ وَحَدِيثِ الرَّحْمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ وَاقِعٌ فِى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَجَارٍ عَلَى غَيْرِ السَّنَنِ(48) الَّتِى تَدُلُّ عَلَيْهَا أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَاتُهَا الْمُخْتَلِفَةُ وَلَوْ حُمِلَتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى الظَّاهِرِ
الَّذِى يُرِيدُونَهُ لَوَقَعَ التَّعَارُضُ فِى الْقُرْءَانِ وَلَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى نِسْبَةِ وُقُوعِ الصَّعْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ نِسْبَةِ الْحَيِّزِ وَالصُّورَةِ وَالْحَجْمِ وَالْمَكَانِ لَهُ سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُمْ إِذَا حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مَّنْ فِى السَّمَاءِ﴾ عَلَى ظَاهِرِهِ لَزِمَهُمْ أَنَّ السَّمَاءَ تَحْوِى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْصُرَهُ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَصْعَقُ فِيمَنْ يَصْعَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنْ قَالُوا لا نَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْمُتَبَادِرَةِ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهُ وَإِنَّمَا نَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَنَا عَلَى هَذَا قُلْنَا وَكَذَلِكَ نَحْنُ نَقُولُ فَمَا إِنْكَارُكُمْ عَلَيْنَا مَعَ أَنَّ دَلِيلَنَا ثَابِتٌ وَمَا تَسْتَنِدُونَ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ تَزُولُ عِنْدَ أَدْنَى تَمْحِيصٍ.
(ثُمَّ لَوْ كَانَ اللَّهُ سَاكِنَ السَّمَاءِ كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ لَكَانَ اللَّهُ يُزَاحِمُ الْمَلائِكَةَ) لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَمْلُوءَاتٌ بِهِمْ (وَهَذَا) أَىْ مُزَاحَمَةُ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ (مُحَالٌ فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ) التِّرْمِذِىِّ (أَنَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِى لَفْظٍ شِبْرٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ) يُصَلِّى فَهُوَ (قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ) اهـ فَهَلْ يَزْعُمُ الْوَهَّابِيَّةُ وَمَنْ خُدِعَ
بِتَمْوِيهَاتِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْحَصِرٌ فِيمَا دُونَ قَدْرِ شِبْرٍ أَوْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَمَا مَعْنَى ادِّعَائِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ بِذَاتِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى هَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَكُونُ كَبِيرًا مُمْتَدًّا عَلَى قَدْرِ الْعَرْشِ ثُمَّ يَصْغُرُ وَيَتَضَاءَلُ حَتَّى يَسَعَهُ أَقَلُّ مِنْ مِسَاحَةِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ فِى الشَّطْرِ الثَّانِى
مِنَ اللَّيْلِ مَعَ كَوْنِ هَذَا الشَّطْرِ يَحْصُلُ فِى أَوْقَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ فِى الْبِلادِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَيْسَ فِى وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلا يَمْضِى وَقْتٌ إِلَّا يَحْصُلُ فِيهِ ذَلِكَ فِى نَاحِيَةٍ مِنَ الأَرْضِ عَلَى مَدَارِ الزَّمَانِ فَإِنَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِى بَلَدٍ هُوَ وَسَطُهُ فِى بَلَدٍ ثَانٍ وَءَاخِرَهُ فِى بَلَدٍ ثَالِثٍ وَهَكَذَا فَهَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ طُولَ الْوَقْتِ نَازِلٌ طَالِعٌ إِذَا الْتَزَمُوا ذَلِكَ صَارُوا ضَحْكَةً وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَحَدٍ مُخَالَفَتُهُمْ لِنُصُوصِ الشَّرِيعَةِ وَمَوَاقِعِ الإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأَخْذِ بِالظَّاهِرِ فِى كُلِّ ءَايَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ فَلِمَاذَا يُنْكِرُونَ عَلَيْنَا.
بَلْ وَيَلْزَمُهُمْ مِمَّا قَالُوا أَنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَقِرًّا عَلَى الْعَرْشِ كَمَا زَعَمُوا بَلْ هُوَ كُلَّ الْوَقْتِ فِيمَا بَيْنَ نُزُولٍ عَنْهُ إِلَى السَّمَاءِ الأُولَى وَطُلُوعٍ إِلَيْهِ فَمَاذَا يَقُولُونَ وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لَحْظَةً تَحْتَ الْعَرْشِ بَلْ وَتَحْتَ الْجَنَّةِ وَالسَّمَاوَاتِ السِّتِّ وَلَحْظَةً فَوْقَهَا فَمَا أَبْشَعَ عَقِيدَةً يَلْزَمُ عَلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ.
(وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَلَا تَأْمَنُونِى وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ) أَىْ وَأَنَا مُؤْتَمَنٌ عِنْدَ أَهْلِ السَّمَاءِ أَىِ الْمَلائِكَةِ كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ تِتِمَّةُ الْحَدِيثِ (يَأْتِينِى خَبَرُ مَنْ فِى السَّمَاءِ صَبَاحَ مَسَاءَ) أَىْ خَبَرُ الْمَلائِكَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (فَالْمَقْصُودُ بِهِ) أَىْ
بِقَوْلِهِ مَنْ فِى السَّمَاءِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ (الْمَلائِكَةُ أَيْضًا) لا اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ) عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ (فَمَعْنَاهُ الَّذِى هُوَ رَفِيعُ الْقَدْرِ جِدًّا) عَلَى نَفْسِ التَّأْوِيلِ الَّذِى أَوَّلَ بِهِ الْبَعْضُ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ (وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لِنِسَاءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِى اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ)
فَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ انْسِيَاقًا خَلْفَ وَهْمِهِمُ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا الَّذِى يُثْبِتُهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ يَقَعْ بِوَلِىٍّ وَشَاهِدَيْنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ خَاصٌّ بِحَيْثُ وَقَعَ تَزْوِيجُهَا فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ أَىْ حَصَلَ زِوَاجُ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا بِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ(49) (فَمَعْنَاهُ أَنَّ تَزَوُّجَ النَّبِىِّ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِهَا) حَصَلَ بِكِتَابَةٍ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَوْجُودِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَهُوَ (مُسَجَّلٌ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهَذِهِ كِتَابَةٌ خَاصَّةٌ بِزَيْنَبَ لَيْسَتِ الْكِتَابَةَ الْعَامَّةَ) فَإِنَّ (الْكِتَابَةَ الْعَامَّةَ لِكُلِّ شَخْصٍ فَكُلُّ زِوَاجٍ يَحْصُلُ إِلَى نِهَايَةِ الدُّنْيَا مُسَجَّلٌ)
فِى اللَّوْحِ أَىْ إِنَّ زِوَاجَ مَنْ يَتَزَوَّجُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مُسَجَّلٌ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِحُصُولِ كَذَا وَكَذَا مِنْهُمْ فَيَحْصُلُ مِنْهُمُ الأَمْرُ عَلَى مَا كُتِبَ وَبِذَلِكَ يَنْعَقِدُ زِوَاجُهُمْ وَأَمَّا زِوَاجُ زَيْنَبَ فَقَدِ انْعَقَدَ بِمُجَرَّدِ حُلُولِ الْوَقْتِ الَّذِى سُجِّلَ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ فِيهِ فَكَانَ زِوَاجُهَا مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ لِأَهْلِ الأَرْضِ فِى انْعِقَادِهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ كِتَابَةٍ خَاصَّةٍ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ لِلنَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِى سُورَةِ الأَحْزَابِ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (وَاللَّوْحُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ) فَهَذَا هُوَ الَّذِى كَانَتْ زَيْنَبُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا تَفْتَخِرُ بِهِ.
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا مَا فِيهِ عِبَارَةُ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقَانِ بِفِعْلِ زَوَّجَ لا بِلَفْظِ الْجَلالَةِ كَمَا لَوْ قُلْتَ جَلَبْتُ لَكَ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ مِنَ الصِّينِ فَإِنَّ الْجَلْبَ قَدْ حَصَلَ مِنَ الصِّينِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ كُنْتَ بِذَاتِكَ مَوْجُودًا هُنَاكَ.
(وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِى) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَ(فِيهِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأْبَى عَلَيْهِ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (إِلَّا كَانَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا الْحَدِيثَ فَيُحْمَلُ أَيْضًا عَلَى الْمَلائِكَةِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَالَّتِى هِىَ أَشْهَرُ مِنْ هَذِهِ وَهِىَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ رَوَاهَا ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِى الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَبَّنَا الَّذِى فِى السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ فَلَمْ يَصِحَّ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ كَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَلَوْ صَحَّ فَأَمْرُهُ كَمَا مَرَّ فِى حَدِيثِ الْجَارِيَةِ) أَىْ مَعْنَاهُ الَّذِى هُوَ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ رَبَّنَا الَّذِى تَقَدَّسَ اسْمُكَ فِى السَّمَاءِ أَىْ بَيْنَ الْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُقَدَّمَيْنِ وَهُمَا فِى الْحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقَانِ بِفِعْلِ تَقَدَّسَ وَمِثْلُ هَذَا مَعْرُوفٌ فِى اللُّغَةِ كَثِيرٌ فِيهَا. هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَلا يُحْوِجُ إِلَى تَأْوِيلٍ(50).
(وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ وَسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرَاضِيهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ فَلَمْ يُدْخِلْهُ الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ) مَعَ أَنَّهُ يَرْوِيهِ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ الأُخْرَى الَّتِى لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ فِيهَا فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ تَصْحِيحِهِ لَهُ (فَلا حُجَّةَ فِيهِ وَفِى إِسْنَادِهِ مَنْ هُوَ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ)
كَمَا (ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ) الْبُخَارِىُّ (فِى كِتَابِهِ خَلْقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّهُ قَالَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَ نِدَاءُهُ فِى السَّمَاءِ وَكَانَ اللَّهُ فِى السَّمَاءِ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فَلا يُحْتَجُّ بِهِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ لِمَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهُ فِى السَّمَاءِ وَعِلْمُهُ فِى كُلِّ مَكَانٍ لا يَخْلُو مِنْهُ شَىْءٌ فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَأَبُو دَاوُدَ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَيْهِ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ بَلْ ذَكَرَهُ فِى كِتَابِهِ الْمَسَائِلُ وَمُجَرَّدُ الرِّوَايَةِ لا يَكُونُ إِثْبَاتًا) وَقَدْ رَوَاهُ اللَّالكَائِىُّ بِالإِسْنَادِ عَيْنِهِ بِلَفْظِ مِلْكُ اللَّهِ فِى السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُرَيْجِ بنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ قَالَ فِيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ حَدِيثٍ وَكَانَ ضَعِيفًا فِيهِ وَقَالَ ابْنُ عَدِىٍّ يَرْوِى غَرَائِبَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَانَ أَصَمَّ أُمِيًّا لا يَكْتُبُ اهـ وَلا شَكَّ أَنَّهُ لا يُنْسَبُ إِلَى مَالِكٍ قَوْلٌ بِمِثْلِ هَذَا السَّنَدِ.
(47) أَىْ لِأَنَّ ثُبُوتَ الآيَةِ بِالتَّوَاتُرِ فَهِىَ دَلِيلٌ قَطْعِىُّ الثُّبُوتِ بِخِلافِ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ فَهُوَ حَدِيثُ ءَاحَادٍ إِذَا حُكِمَ بِثُبُوتِهِ كَانَ ثُبُوتُهُ ظَنِّيًّا فَلا يُقَاوِمُ الْقَطْعِىَّ أَىْ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِمَنْعِ الْمُشَبِّهِ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ وَحَمله كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى الظَّاهِرِ تُرِكَ الأَخْذُ بِالْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا إِذِ الظَّنِّىُّ لا يُلْغِى الْقَطْعِىَّ وَإِنَّمَا يُلْغِى الْقَطْعِىُّ مُخَالِفَهُ الظَّنِّىَّ.
(48) السَّنَنُ أَىِ الطَّرِيقَةُ.
(49) أَرْقِعَةٍ جَمْعُ رَقِيعٍ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ السَّمَاءِ.
(50) وَذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الثَّابِتِ لا يُحْتَجُّ بِهِ إِجْمَاعًا فِى مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ.
