(اللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ الزَّمَانِ وَقَبْلَ الْمَكَانِ وَقَبْلَ الظُّلُمَاتِ وَقَبْلَ النُّورِ) أَىْ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ مِمَّا ذُكِرَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ بِلا ابْتِدَاءٍ قَدِيمٌ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ حَادِثٌ لِوُجُودِهِ ابْتِدَاءٌ فَالزَّمَانُ حَدَثَ مَعَ وُجُودِ أَوَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ الْمَاءُ وَكَذَا الْمَكَانُ وَبَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ خَلَقَ اللَّهُ الظُّلُمَاتِ

وَالنُّورَ فَالْقَدِيمُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ لَيْسَ بِالْمَعْنَى الَّذِى يُطْلَقُ فِيهِ عَلَى الْمَخْلُوقِ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ الْقَدِيمَ هُوَ مَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ وَأَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَدِيمُ بِمَعْنَى الأَزَلِىِّ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لَهُ فَلَيْسَ قِدَمُهُ مُرُورَ زَمَانٍ كَقِدَمِ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ (فَهُوَ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْعَالَمِ الْكَثِيفِ)

الَّذِى يُقْبَضُ بِالْيَدِ (كَالأَرْضِ وَالْحَجَرِ وَالْكَوَاكِبِ) أَىِ النُّجُومِ (وَالنَّبَاتِ وَالإِنْسَانِ وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْعَالَمِ اللَّطِيفِ) الَّذِى لا يُقْبَضُ بِالْيَدِ (كَالنُّورِ) أَىِ الضَّوْءِ (وَالرُّوحِ وَالْهَوَاءِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ أَىْ لِمُخَالَفَتِهِ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ) أَىْ عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لَهَا بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ مِنْ أَسْمَائِهِ اللَّطِيفُ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى اللَّطِيفِ الَّذِى هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ أَوِ الَّذِى احْتَجَبَ عَنِ الأَوْهَامِ فَلا تُدْرِكُهُ)

أَىْ لا تَبْلُغُهُ تَصَوُّرَاتُ الْعِبَادِ وَلِذَلِك نُهِينَا عَنِ التَّفَكُّرِ فِى ذَاتِ اللَّهِ وَأُمِرْنَا بِالتَّفَكُّرِ فِى مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّ التَّفَكُّرَ فِى مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ يُقَوِّى الْيَقِينَ وَأَمَّا تَصَوُّرُ ذَاتِ اللَّهِ فَكُفْرٌ وَضَلالٌ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالصُّورَةِ الْمُتَخَيَّلَةِ (فَلا نَظِيرَ لَهُ تَعَالَى أَىْ لا مَثِيلَ لَهُ وَلا شَبِيهَ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ وَلا فِى فِعْلِهِ) أَىْ أَنَّ

ذَاتَهُ لا يُشْبِهُ الذَّوَاتِ وَصِفَاتِهِ لا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ وَفِعْلَهُ لا يُشْبِهُ الأَفْعَالَ (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمَاثِلًا لِمَخْلُوقَاتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كَالْحَجْمِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لَهَا) لِأَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى بَعْضِهَا وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقَاتِ هِىَ دَلائِلُ حُدُوثِهَا وَعَلامَاتُهُ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُتَّصِفًا بِالْحَجْمِ أَوِ الْحَرَكَةِ أَوِ السُّكُونِ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لَكَانَ حَادِثًا مِثْلَهَا وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنْ حُدُوثٍ وَنَقْصٍ وَفَنَاءٍ إِذًا (فَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالْحَوَادِثِ وَكَذَلِكَ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى هِىَ قَدِيمَةٌ أَىْ أَزَلِيَّةٌ) لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَادِثَةً لَقَامَتْ بِذَاتِ اللَّهِ الْحَوَادِثُ وَقِيَامُ الْحَوَادِثِ بِالذَّاتِ دَلِيلُ حُدُوثِ الذَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَلِأَهَمِيَّةِ هَذَا الْمَبْحَثِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (مَنْ قَالَ بِحُدُوثِ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ) أَىْ قَالَ لا أَقُولُ هِىَ حَادِثَةٌ وَلا أَقُولُ أَزَلِيَّةٌ (فَهُوَ كَافِرٌ) اهـ (ذَكَرَهُ فِى كِتَابِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ. وَقَالَ) الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ (الطَّحَاوِىُّ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ) أَىْ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَافِرٌ ذَكَرَهُ فِى عَقِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ وَمِنْ أَظْهَرِ صِفَاتِ الْبَشَرِ الْحُدُوثُ أَىِ الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ.

(تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ وَتَصْحِيحُ وُجُودِهِ بِلا مَكَانٍ عَقْلًا)

(وَ)اعْلَمْ أَنَّ (اللَّهَ تَعَالَى غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ أَىْ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ أَزَلًا وَأَبَدًا فَلا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَتَحَيَّزُ فِيهِ أَوْ شَىْءٍ يَحُلُّ بِهِ أَوْ إِلَى جِهَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ) كَمَا تَقَدَّمَ (لَيْسَ حَجْمًا كَثِيفًا وَلا حَجْمًا لَطِيفًا وَالتَّحَيُّزُ مِنْ صِفَاتِ الْجِسْمِ الْكَثِيفِ وَاللَّطِيفِ فَالْجِسْمُ الْكَثِيفُ) مُتَحَيِّزٌ فِى جِهَةٍ وَمَكَانٍ (وَالْجِسْمُ اللَّطِيفُ مُتَحَيِّزٌ فِى جِهَةٍ وَمَكَانٍ)

كَمَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ (﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلٍّ مِنَ الأَرْبَعَةِ) اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمَا لَطِيفَانِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهُمَا كَثِيفَانِ (التَّحَيُّزَ فِى فَلَكِهِ وَهُوَ الْمَدَارُ) الَّذِى يَجْرِى فِيهِ وَقَدْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالْحَيِّزِ

وَالْجِهَةِ بِلا مَكَانٍ وَلا زَمَانٍ وَلا حَيِّزٍ وَلا جِهَةٍ وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَهَا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ تَغَيُّرٌ سُبْحَانَهُ وَهُوَ غَنِىٌّ عَنْهَا وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى نَفْىِ الْحَدِّ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِكَلِمَاتٍ صَرِيحَةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمُشَبِّهَةُ إِنْكَارَهَا بَلْ أَثْبَتُوهَا عَنْهُمْ وَرَوُوهَا وَإِنْ حَاوَلُوا تَأْوِيلَهَا تَأْوِيلًا تَمُجُهُ الأَسْمَاعُ وَتَنْفُرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَلا تَحْتَمِلُهُ

تِلْكَ الْعِبَارَاتُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا رُوِىَ عَنِ السَّلَفِ فِى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ اهـ وَمَا رَوَاهُ الزَّبِيدِىُّ عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلِىِّ بنِ الْحُسَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَكَ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ لا يَحْوِيكَ مَكَانٌ

لا تُحَسُّ وَلا تُمَسُّ وَلا تُجَسُّ اهـ (وَيَكْفِى فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الشُّورَى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَكَانٌ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ وَأَبْعَادٌ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا مُحْتَاجًا لِمَنْ حَدَّهُ بِهَذَا الطُّولِ وَبِهَذَا الْعَرْضِ وَبِهَذَا الْعُمْقِ. هَذَا الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَمَّا مِنَ الْحَدِيثِ فَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ)

فِى صَحِيحِهِ (وَابْنُ الْجَارُودِ) فِى الْمُنْتَقَى (وَالْبَيْهَقِىُّ) فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ) اهـ وَالْمَكَانُ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ قَطْعًا فَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ هُوَ أَصْلُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ نَصَرَهُمُ اللَّهُ كَانَ اللَّهُ وَلا مَكَان (وَمَعْنَاهُ) أَىِ الْحَدِيثِ (أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فِى الأَزَلِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ لا مَاءٌ وَلا هَوَاءٌ وَلا أَرْضٌ وَلا سَمَاءٌ وَلا كُرْسِىٌّ وَلا عَرْشٌ وَلا إِنْسٌ وَلا جِنٌّ وَلا مَلائِكَةٌ وَلا زَمَانٌ وَلا مَكَانٌ وَلا جِهَاتٌ)

وَلا مَلاءٌ وَلا فَرَاغٌ (فَهُوَ تَعَالَى مَوْجُودٌ قَبْلَ الْمَكَانِ بِلا مَكَانٍ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الْمَكَانَ فَلَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ وَهَذَا) مِنْ جُمْلَةِ (مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِهِ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِى نَفْىِ الْمَكَانِ عَنْهُ) تَعَالَى (بِقَوْلِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ شَىْءٌ وَلا دُونَهُ) أَىْ تَحْتَهُ (شَىْءٌ لَمْ يَكُنْ فِى مَكَانٍ اهـ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ الرَّدُّ أَيْضًا عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْجِهَةِ فِى حَقِّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِى الأَزَلِ بِلا جِهَاتٍ وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ الْجِهَاتِ السِّتَّ هُوَ مَوْجُودٌ عَلَى مَا كَانَ بِلا تَغَيُّرٍ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ دَلِيلُ الْحُدُوثِ وَلَوْ كَانَ الِاتِّصَافُ بِالْجِهَةِ كَمَالًا فِى حَقِّ اللَّهِ لَكَانَ وُجُودُهُ بِلا جِهَةٍ نَقْصًا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَعْنَى الظَّاهِرِ الَّذِى جَاءَ فِى الْحَدِيثِ فَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الدَّلائِلُ الْعَقْلِيَّةُ فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَىْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَأَمَّا الْبَاطِنُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَمَعْنَاهُ الَّذِى يَعْلَمُ حَقَائِقَ الأُمُورِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بَعْضٌ الْبَاطِنُ هُوَ الَّذِى لا تُدْرِكُهُ الأَوْهَامُ وَالتَّصَوُّرَاتُ (وَقَدْ قَالَ)

سَيِدُنَا (عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ اللَّهُ وَلا مَكَان وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَان رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ) فِى الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مَوْضِعُ إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ (وَلَيْسَ مِحْوَرُ الِاعْتِقَادِ عَلَى الْوَهْمِ) أَىْ أَنَّ الِاعْتِقَادَ لا يُبْنَى عَلَى الْوَهْمِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَمْ يَرَهُ عَلَى مَا رَءَاهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَقَدْ يَكُونُ تَخَيُّلًا كَمَا

قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ (بَلْ) يُبْنَى الِاعْتِقَادُ (عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ السَّلِيمُ الَّذِى هُوَ شَاهِدٌ لِلشَّرْعِ) أَىْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْعِ (وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْدُودَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ حَدَّهُ بِذَلِكَ الْحَدِّ فَلا يَكُونُ إِلَهًا)(42) فَلَزِمَ أَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ ذَاتٌ لَيْسَ لَهُ كَمِّيَّةٌ وَلا حَدٌّ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْوَهْمُ يَعْجِزُ عَنْ تَصَوُّرِ

ذَلِكَ فَالْعِبْرَةُ بِحُكْمِ الْعَقْلِ وَهُوَ شَاهِدٌ لِلشَّرْعِ لا بِمَا يَسُوقُ إِلَيْهِ الْوَهْمُ كَمَا أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالْعَالَمِ وَلا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْوَهْمُ لا يَتَصَوَّرُهُ كَمَا لا يَتَصَوَّرُ عَدَمَ النُّورِ وَالظَّلامِ مَعًا فِى ءَانٍ وَاحِدٍ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَا مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ وَالْعَرْشَ وَالْقَلَمَ وَاللَّوْحَ خُلِقَتْ قَبْلَهُمَا (فَكَمَا صَحَّ وُجُودُ اللَّهِ تَعَالَى بِلا مَكَانٍ وَجِهَةٍ قَبْلَ خَلْقِ الأَمَاكِنِ وَالْجِهَاتِ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ وُجُودُهُ بَعْدَ خَلْقِ الأَمَاكِنِ بِلا مَكَانٍ وَجِهَةٍ وَهَذَا)

أَىِ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلا مَكَانٍ وَجِهَةٍ (لا يَكُونُ نَفْيًا لِوُجُودِهِ تَعَالَى كَمَا زَعَمَتِ الْمُشَبِّهَةُ وَالْوَهَّابِيَّةُ وَهُمُ الدُّعَاةُ إِلَى التَّجْسِيمِ فِى هَذَا الْعَصْرِ) وَيُقَالُ لَهُمْ قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ هَلْ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ دَاخِلَهُ أَوْ خَارِجَهُ أَوْ فِى جِهَةٍ مِنْهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَقُولُوا لا فَيُقَالُ لَهُمْ كَمَا صَحَّ عَقْلًا وُجُودُهُ تَعَالَى قَبْلَ خَلْقِ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلا خَارِجَهُ وَلا فِى جِهَةٍ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَفْيًا لِوُجُودِهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ الْعَالَمِ هُوَ مَوْجُودٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَهُ أَوْ خَارِجَهُ أَوْ فِى جِهَةٍ مِنْهُ وَلا يَكُونُ هَذَا نَفْيًا لِوُجُودِهِ تَعَالَى.

(وَحُكْمُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِى كُلِّ مَكَانٍ أَوْ فِى جَمِيعِ الأَمَاكِنِ التَّكْفِيرُ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِى نِسْبَةِ التَّمَكُّنِ فِى الأَمَاكِنِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا (إِذَا كَانَ يَفْهَمُ) مَعْنَى مَا يَقُولُ أَىْ يَفْهَمُ (مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ) مَعْنَاهَا فِى اللُّغَةِ وَهُوَ (أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ مُنْبَثٌّ) أَىْ مُنْتَشِرٌ (أَوْ حَالٌّ فِى الأَمَاكِنِ أَمَّا إِذَا كَانَ) لا (يَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ)

مَعْنَاهَا اللُّغَوِىَّ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ بِاللُّغَةِ بَلْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهَا (أَنَّهُ تَعَالَى مُسَيْطِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَعَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ فَلا يَكْفُرُ وَهَذَا قَصْدُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَلْهَجُ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ) أَىْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَهُمَا فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ لِجَهْلِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَحْتَمِلُ هَذَا الْمَعْنَى فِى اللُّغَةِ فَيَقْصِدُونَهُ عِنْدَ النُّطْقِ (وَيَجِبُ النَّهْىُ عَنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا صَادِرَتَيْنِ عَنِ السَّلَفِ) فَلَيْسَ لَهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ فِى اللُّغَةِ (بَلْ) هُمَا صَادِرَتَانِ (عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُمَا جَهَلَةُ الْعَوَامِّ) وَاعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْبَثٌّ فِى كُلِّ مَكَانٍ هُوَ عَقِيدَةُ الْجَهْمِيَّةِ فَإِنَّ جَهْمَ بنَ صَفْوَانٍ قَالَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَىْءٍ وَفِى كُلِّ شَىْءٍ وَلا يَخْلُو مِنْهُ شَىْءٌ اهـ فَكَفَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ عَلَى ذَلِكَ بِحُكْمِ الرِّدَّةِ.

وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَعْضَاء فَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ لِأَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مَخْلُوقٌ وَعِبَادَةَ الْمَخْلُوقِ كُفْرٌ وَعِبَادَةُ الصَّنَمِ إِنَّمَا كَانَتْ كُفْرًا لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَكَانَ مَخْلُوقًا لِأَنَّهُ جِسْمٌ فَمَنْ عَبَدَ جِسْمًا فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الأَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْهُمْ وَالْخَلَفِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ كَثِيفًا كَالْجِبَالِ الصُّمِّ الصِّلابِ أَمْ لَطِيفًا كَالضَّوْءِ وَالْهَوَاءِ قَالَهُ الْغَزَالِىُّ فِى إِلْجَامِ الْعَوَامِّ.

(وَنَرْفَعُ الأَيْدِىَ فِى الدُّعَاءِ لِلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا مَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ) كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَثِيرٌ (وَلَيْسَ لِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِى السَّمَاءِ) وَمَعْنَى مَدِّ الْيَدَيْنِ فِى الدُّعَاءِ إِلَيْهَا اسْتِنْزَالُ الرَّحْمَةِ مِنْهَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُخَيِّبُ الْقَاصِدِينَ بِحَقٍّ فَالسَّمَاءُ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ (كَمَا أَنَّنَا نَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ فِى الصَّلاةِ) فَهِىَ قِبْلَةُ الصَّلاةِ (لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَنَّ لَهَا مِيزَةٌ وَخُصُوصِيَّةٌ بِسُكْنَى اللَّهِ فِيهَا. وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ التَّحَيُّزَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ شَىْءٌ كَالْهَوَاءِ أَوْ كَالنُّورِ يَمْلَأُ مَكَانًا أَوْ غُرْفَةً أَوْ مَسْجِدًا) كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَيُرَدُّ عَلَى الْمُعْتَقِدِينَ أَنَّ اللَّهَ مُتَحَيِّزٌ فِى جِهَةِ الْعُلْوِ) مِنْ قُدَمَاءِ الْمُشَبِّهَةِ (وَ)مُحْدَثِيهِمْ وَهُمُ الْوَهَّابِيَّةُ الَّذِينَ (يَقُولُونَ لِذَلِكَ تُرْفَعُ الأَيْدِى عِنْدَ الدُّعَاءِ) بِالأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ الَّتِى تَقَدَّمَتْ وَ(بِمَا ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَسْقَى أَىْ طَلَبَ الْمَطَرَ وَجَعَلَ بَطْنَ كَفَّيْهِ إِلَى الأَرْضِ وَظَاهِرَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ)

كَمَا فِى صَحِيحِ مُسْلِمٍ (وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى الْمُصَلِّىَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) فِى الصَّلاةِ (إِلَى السَّمَاءِ وَلَوْ كَانَ اللَّهُ مُتَحَيِّزًا فِى جِهَةِ الْعُلْوِ كَمَا تَظُنُّ الْمُشَبِّهَةُ مَا نَهَانَا عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِنَا فِى الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ الْمُسَبِّحَةَ عِنْدَ قَوْلِ إِلَّا اللَّهُ فِى التَّحِيَّاتِ وَيَحْنِيهَا قَلِيلًا فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ مَا كَانَ يَحْنِيهَا بَلْ) كَانَ (يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَكُلُّ هَذَا ثَابِتٌ حَدِيثًا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَمَاذَا تَفْعَلُ الْمُشَبِّهَةُ وَالْوَهَّابِيَّةُ. وَنُسَمِّى الْمَسَاجِدَ بُيُوتَ اللَّهِ لا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا بَلْ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُعَدَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ) فَالإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لا إِضَافَةُ حُلُولٍ وَمُلابَسَةٍ أَىْ مُخَالَطَةٍ (وَيُقَالُ فِى الْعَرْشِ إِنَّهُ جِرْمٌ) أَىْ حَجْمٌ (أَعَدَّهُ اللَّهُ لِيَطُوفَ بِهِ الْمَلائِكَةُ كَمَا يَطُوفُ الْمُؤْمِنُونَ فِى الأَرْضِ بِالْكَعْبَةِ) لا لِيَتَّخِذَهُ مَكَانًا لَهُ أَوْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ.

(وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يَسْكُنُ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ) كَمَا يَلْهَجُ بِهَذَا الْقَوْلِ بَعْضُ جَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ. هَذَا (إِنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْحُلُولَ) أَمَّا إِنْ كَانَ لا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِى أَنَّ حُبَّ اللَّهِ يَسْكُنُ قُلُوبَ الأَوْلِيَاءِ فَلا يَكْفُرُ وَلَكِنَّهُ يُنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ.

(وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْمِعْرَاجِ وُصُولَ الرَّسُولِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِلَى مَكَانٍ يَنْتَهِى وُجُودُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ وَيَكْفُرُ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ إِنَّمَا الْقَصْدُ مِنَ الْمِعْرَاجِ هُوَ تَشْرِيفُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلاعِهِ عَلَى عَجَائِبَ فِى الْعَالَمِ الْعُلْوِىِّ وَتَعْظِيمُ مَكَانَتِهِ وَرُؤْيَتُهُ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسِ بِفُؤَادِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الذَّاتُ فِى مَكَانٍ وَإِنَّمَا الْمَكَانُ لِلرَّسُولِ)

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الإِسْرَاءِ ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا﴾ فَالْمَقْصُودُ رُؤْيَةُ الآيَاتِ لا الْوُصُولُ إِلَى مَكَانٍ يَشْغَلُهُ ذَاتُ اللَّهِ الْمُقَدَّسُ عَنْ ذَلِكَ (وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النَّجْمِ (﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾)

أَىْ قَدْرَ ذِرَاعَيْنِ أَوْ أَقْرَبَ (فَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ) كَانَ (رَءَاهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَجْيَادُ وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ سَادًّا عُظْمُ(43) خَلْقِهِ مَا بَيْنَ الأُفُقِ كَمَا رَءَاهُ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى كَمَا قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النَّجْمِ أَيْضًا (﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾) وَهَذَا الَّذِى ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ سَأَلَتْهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ هَذِهِ الآيَاتِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ هُوَ جِبْرِيلُ اهـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَفْتَرِى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَنَا بِذَاتِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ الْحَاجِبِ وَالْحَاجِبِ أَوْ قَدْرُ ذِرَاعَيْنِ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ اللَّهِ إِثْبَاتٌ لِلْمَكَانِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَهُوَ خلِافُ الْحَقِّ. وَمَا رُوِىَ فِى بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَهِىَ رِوَايَةُ شَرِيكِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهِىَ مَطْعُونٌ فِيهَا عِنْدَ الْحُفَّاظِ طَعَنَ فِيهَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ الإِشْبِيلِىُّ وَغَيْرُهُ بَلْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهَا عِشْرِينَ خَطَأً أَوْ أَكْثَرَ.

وَرُوِىَ عَنْ بَعْضِ الأَئِمَّةِ أَنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِدُنُوِّ إِكْرَامٍ وَتَقْرِيبٍ وَرَفْعِ دَرَجَاتٍ لا دُنُوِّ مَكَانٍ وَمَسَافَةٍ وَسَوَاءٌ ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَثْبُتْ فَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا تَفْسِيرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلا نَعْدِلُ عَنْهُ وَلا نَتْرُكُهُ إِلَى غَيْرِهِ.

(وَأَمَّا مَا فِى) صَحِيحِ (مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا أُعْتِقُهَا قَالَ ائْتِنِى بِهَا فَأَتَاهُ بِهَا فَقَالَ لَهَا أَيْنَ اللَّهُ قَالَتْ فِى السَّمَاءِ قَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ اهـ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) صَالِحٍ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ فِى الْعَقِيدَةِ لِأَنَّهُ

لا بُدَّ لِلِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ فِى أُمُورِ الِاعْتِقَادِ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا لِأَنَّ الْعَقَائِدَ تُبْنَى عَلَى الْقَطْعِيَّاتِ لا عَلَى الظَّنِّيَّاتِ اهـ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْمَشْهُورِ وَعِنْدَ الْبَقِيَّةِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ثَابِتًا بِلا خِلافٍ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَمْرَيْنِ) الأَوَّلُ

(لِلِاضْطِرَابِ) عَلَى فَرْضِ تَسَاوِى رِوَايَاتِهِ فِى الْقُوَّةِ (لِأَنَّهُ رُوِىَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِلَفْظِ مَنْ رَبُّكِ فَقَالَتِ اللَّهُ وَبِلَفْظِ أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَبِلَفْظِ أَتَشْهَدِينَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ أَتَشْهَدِينَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ قَالَتْ نَعَمْ) وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلامُ الْبَيْهَقِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا إِذَا حُمِلَتْ رِوَايَةُ أَيْنَ اللَّهُ عَلَى

ظَاهِرِهَا وَأَمَّا إِذَا حُمِلَتْ عَلَى أَنَّهَا سُؤَالٌ عَنِ الْمَكَانَةِ لا عَنِ الْمَكَانِ وَأَنَّ قَوْلَهَا فِى السَّمَاءِ مَعْنَاهُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا فَيَنْتَفِى التَّعَارُضُ عِنْدَئِذٍ وَتَصِيرُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَرْوِيَّةً بِالْمَعْنَى مُفَسِّرَةً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَلَيْسَ فِيهَا أَدْنَى مُتَمَسَّكٍ لِلْمُشَبِّهَةِ وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَةٍ فِى الْقُوَّةِ وَهُوَ الْوَاقِعُ

فَرِوَايَةُ أَتَشْهَدِينَ إِلَى ءَاخِرِهِ أَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ أَيْنَ اللَّهُ فَتَكُونُ هِىَ الرَّاجِحَةَ وَرِوَايَةُ أَيْنَ اللَّهُ مَرْجُوحَةً لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا (وَالأَمْرُ الثَّانِى أَنَّ رِوَايَةَ أَيْنَ اللَّهُ مُخَالِفَةٌ لِلأُصُولِ لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الشَّخْصَ لا يُحْكَمُ لَهُ بِقَوْلِ اللَّهُ فِى السَّمَاءِ بِالإِسْلامِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا الأَصْلُ الْمَعْرُوفُ فِى شَرِيعَةِ اللَّهِ مَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ)

الَّذِى نَصَّ عَلَى تَوَاتُرِهِ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ وَغَيْرُهُ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ) وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَدِيثَ الآحَادِ إِذَا خَالَفَ الأُصُولَ الْقَطْعِيَّةَ يُرَدُّ وَلا يُقْبَلُ فَهُنَا كَذَلِكَ فَتَكُونُ رِوَايَةُ أَيْنَ اللَّهُ شَاذَّةً مُخَالِفَةً لِلأُصُولِ فَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا (وَ)أَمَّا (لَفْظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ) الأُخْرَى (أَتَشْهَدِينَ) أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَى ءَاخِرِهِ فَهُوَ (مُوَافِقٌ لِلأُصُولِ) فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.

(فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَكُونُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَتْ فِى السَّمَاءِ إِلَى ءَاخِرِهِ مَرْدُودَةً مَعَ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ لَهَا فِى كِتَابِهِ وَكُلُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَوْسُومٌ بِالصِّحَّةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ) مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنَ الأَحَادِيثِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ صَحِيحٌ لَكِنَّ (عَدَدًا مِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ رَدَّهَا عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَذَكَرَهَا الْمُحَدِّثُونَ فِى كُتُبِهِمْ كَحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ) صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ لِرَجُلٍ إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ فِى النَّارِ) مَعَ مَا تَقَرَّرَ فِى الأُصُولِ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَيْسُوا مُعَذَّبِينَ فِى الآخِرَةِ (وَحَدِيثِ إِنَّهُ يُعْطَى كُلُّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِدَاءً لَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مَعَ مَا تَقَرَّرَ فِى الأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذَّبُونَ فِى نَارِ الآخِرَةِ (وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) مَعَ نَصِّ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِى الصَّلاةِ وَنَصَّ قِسْمٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهَا ءَايَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ يُجْهَرُ بِهَا فِى مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَيُسَرُّ بِهَا فِى مَوْضِعِ الإِسْرَارِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوهُ وَلا الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ (فَأَمَّا الأَوَّلُ) مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ (فَضَعَّفَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ) فِى أَكْثَرِ مِنْ تَصْنِيفٍ لَهُ (وَالثَّانِى رَدَّهُ الْبُخَارِىُّ)(44) وَنَاهِيكَ بِهِ عِلْمًا وَتُقًى وَاتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ (وَالثَّالِثُ ضَعَّفَهُ) الإِمَامُ (الشَّافِعِىُّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (وَعَدَدٌ مِنَ الْحُفَّاظِ) غَيْرُهُ.

(فَهَذَا الْحَدِيثُ) إِذَا حُمِلَ (عَلَى ظَاهِرِهِ بَاطِلٌ لِمُعَارَضَتِهِ الْحَدِيثَ الْمُتَوَاتِرَ الْمَذْكُورَ وَ)الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ قَطْعِىُّ الثُّبُوتِ لِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ (مَا خَالَفَ الْمُتَوَاتِرَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِنْ لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَدِّثُونَ وَالأُصُولِيُّونَ) فَحَدِيثُ الْجَارِيَةِ مَهْمَا قِيلَ فِى تَصْحِيحِهِ أَوْ تَضْعِيفِهِ هُوَ حَدِيثُ ءَاحَادٍ أَىْ هُوَ ظَنِىُّ الثُّبُوتِ لا قَطْعِيُّهُ وَمَا كَانَ ظَنِّىَّ الثُّبُوتِ لا يُؤْخَذُ بِهِ وَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إِذَا عَارَضَ الثَّابِتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْخَطِيبُ فِى الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَّقِهِ وَالنَّوَوِىُّ فِى التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِى الْوَرَقَاتِ وَغَيْرُهُمْ (لَكِنْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوَّلُوهُ) أَىْ أَوَّلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ وَحَمَلُوهُ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ تَعَارُضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَوَاتِرِ.

وَأَخْذًا بِالِاعْتِبَارِ لِتَأْوِيلِهِ (عَلَى هَذَا الْوَجْهِ) صَحَّحَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ (قَالُوا مَعْنَى أَيْنَ اللَّهُ سُؤَالٌ عَنْ تَعْظِيمِهَا لِلَّهِ) أَىْ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهَا مَاذَا تَعْتَقِدِينَ فِى اللَّهِ مِنَ الْمَكَانَةِ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَيْنَ يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانَةِ كَمَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ

أَيْنَ الثُرَيَّا وَأَيْنَ الثَّرَى وَأَيْنَ مُعَاوِى وَأَيْنَ عَلِى

وَمِنَ الْجَهْلِ الْبَيِّنِ قَوْلُ بَعْضِ الْمُجَسِّمَةِ فِى رَدِّ هَذَا الأَمْرِ إِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا إِنَّ أَيْنَ يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ إِذْ فَاتَهُمْ أَنَّ الْمَكَانَ يَعْنِى الْحَيِّزَ وَالْمَوْضِعَ كَمَا يَأْتِى بِمَعْنَى الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَكُتُبُ اللُّغَةِ وَكَلامُ الْعَرَبِ مَشْحُونَانِ بِبَيَانِ ذَلِكَ (وَقَوْلُهَا) أَىْ قَوْلُ الْجَارِيَةِ (فِى السَّمَاءِ) مَعْنَاهُ هُوَ (عَالِى الْقَدْرِ جِدًّا) أَىْ أَعْلَى مِنْ كُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا وَهَذَا مَعْرُوفٌ مِنْ كَلامِ الْعَرَبِ. قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِىُّ وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ

بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا

رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ. (أَمَّا أَخْذُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ سَاكِنٌ السَّمَاءَ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِى عِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَا خَالَفَ الْمُتَوَاتِرَ بَاطِلٌ إِنْ لَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ) فَإِنْ حُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِأَكْثَرَ مِنْ نَصٍّ قَطْعِىِّ الثُّبُوتِ وَالدِّلالَةِ قُرْءَانِىٍّ وَحَدِيثِىٍّ (فَإِنَّ ظَاهِرَهُ) الْمُوهِمَ لِلتَّحَيُّزِ

وَالتَّجْسِيمِ (ظَاهِرُ الْفَسَادِ فَإِنَّ) مَنْ تَبِعَ (ظَاهِرَهُ) الْمَذْكُورَ وَاعْتَقَدَهُ لَزِمَهُ (أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَ اللَّهُ فِى السَّمَاءِ يُحْكَمُ لَهُ بِالإِيمَانِ) وَهَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَقُولُهَا النَّصْرَانِىُّ وَيَقُولُهَا الْيَهُودِىُّ بَلْ قَالَ مِثْلَهَا فِرْعَوْنُ وَلَمْ يُحْكَمْ لِأَىٍّ مِنْهُمْ بِصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فِى اللَّهِ بِذَلِكَ (وَحَمَلَ الْمُشَبِّهَةُ) فِى عَصْرِنَا وَهُمُ الْمَشْهُورُونَ

بِالْوَهَّابِيَّةِ (رِوَايَةَ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهَا) كَأَسْلافِهِمْ مِنْ مُجَسِّمَةِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ (فَضَلُّوا وَ)وَقَعُوا فِى التَّنَاقُضِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا نَحْنُ (لا) نُأَوِّلُ بَلْ نَحْمِلُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِى الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَحَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا ثُمَّ تَنَبَّهُوا أَنَّهُمْ إِذَا حَمَلُوا حَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ ذَلِكَ إِقْرَارًا مِنْهُمْ بِأَنَّ السَّمَاءَ ظَرْفٌ لِلَّهِ وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ فِيهَا فَيَتَنَاقَضُ ذَلِكَ مَعَ مَا زَعَمُوهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ فَقَالُوا نَحْمِلُ عِبَارَةَ فِى السَّمَاءِ عَلَى مَعْنَى عَلَى السَّمَاءِ أَىْ فَوْقَهَا فَأَوَّلُوا الْكَلامَ وَأَخْرَجُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ وَأَنْكَرُوا عَلَيْنَا ذَلِكَ فَتَنَاقَضُوا وَظَهَرَ تَحَكُّمُهُمْ وَكَانَ تَأْوِيلُهُمْ مُخَالِفًا لِمُحْكَمِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ فَبَطَلَ وَكَانَ تَأْوِيلُ مَنْ أَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُوَافِقًا لِمُحْكَمِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ وَلا حَرَجٌ.

وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لا (يُنْجِيهِمْ) أَىِ الْوَهَّابِيَّةَ وَأَسْلافَهُمْ (مِنَ الضَّلالِ قَوْلُهُمْ إِنَّنَا نَحْمِلُ كَلِمَةَ فِى السَّمَاءِ بِمَعْنَى إِنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ) بِذَاتِهِ (لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ بِذَلِكَ أَثْبَتُوا لَهُ) مَكَانًا وَحَيِّزًا وَحَدًّا وَمَسَافَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَاتِّصَالًا بِالْعَرْشِ إِذَا زَعَمُوا أَنَّهُ جَالِسٌ عَلَيْهِ وَانْفِصَالًا وَمَسَافَةً بَيْنَهُمَا إِذَا زَعَمُوا أَنَّهُ مُعَلَّقٌ فَوْقَهُ وَيَكُونُونَ

أَيْضًا قَدْ أَثْبَتُوا بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى (مَثْلًا وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِى كَتَبَ اللَّهُ فِيهِ إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى) فَعَلَى زَعْمِهِمْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ ذَلِكَ الْكِتَابِ كِلاهُمَا (فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَكُونُونَ أَثْبَتُوا الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ وَذَلِكَ الْكِتَابَ مُسْتَقِرَّيْنِ فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَكُونُونَ كَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى) فِى

سُورَةِ الشُّورَى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ) أَىْ حَدِيثُ الْكِتَابِ الْمَوْجُودِ فَوْقَ الْعَرْشِ (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِىِّ فَهِىَ) بِلَفْظِ (مَوْضُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ) وَكِلاهُمَا بِمَعْنىً وَاحِدٍ (وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ النَّاسِ) كَلِمَةَ (فَوْقَ) عَلَى مَعْنًى لا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَيْهِ فَقَالَ هِىَ (بِمَعْنَى تَحْت)(45) مُحَاوِلًا بِذَلِكَ التَّخَلُّصَ مِنَ الإِلْزَامِ الْمَذْكُورِ ءَانِفًا الْوَارِدِ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ (وَهُوَ) أَىْ مَا حَاوَلَهُ وَزَعَمَهُ (مَرْدُودٌ بِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ تَأْوِيلُ فَوْقَ فِيهِ بِتَحْتٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا إِنَّ الإِبْرِيقَ مَرْفُوعٌ تَحْتَ الطَّاوِلَةِ أَوْ إِنَّ الدَّفْتَرَ مَرْفُوعٌ تَحْتَ الْكُرْسِىِّ فَكَذَا لا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْكِتَابَ مَرْفُوعٌ تَحْتَ الْعَرْشِ.

(ثُمَّ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُحَاذِيًا لِلْعَرْشِ) أَىْ فَيَكُونَ (بِقَدْرِ الْعَرْشِ أَوْ أَوْسَعَ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرَ) فَيَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ (وَكُلُّ مَا جَرَى عَلَيْهِ التَّقْدِيرُ حَادِثٌ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ جَعَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ) كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَكَمَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.

(وَالْعَرْشُ لا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ كَمَا أَنَّهُ لا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ) فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَشَابِهَيْنِ وَلا مُشَابَهَةَ مِنْ أَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ (وَ)اللَّهُ تَعَالَى عَظِيمٌ أَزَلًا وَأَبَدًا فَهُوَ سُبْحَانَهُ (لا) يَحْتَاجُ لِشَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ لا الْعَرْشِ وَلا الْكُرْسِىِّ وَلا غَيْرِهِمَا لِثُبُوتِ الْعَظَمَةِ لَهُ

إِذْ إِنَّهُ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ أَزَلِىُّ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَتَطَوَّرُ فَإِذًا لا (يَتَشَرَّفُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلا يَنْتَفِعُ بِشَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ) وَلَوْ كَانَ ارْتِفَاعُهُ بِالْمَسَافَةِ وَالْجِهَةِ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا يَزْعُمُ قِسْمٌ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ أَوْ بِجُلُوسِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا يَزْعُمُ قِسْمٌ ءَاخَرُ مِنْهُمْ صِفَةَ كَمَالٍ لِلَّهِ لَكَانَ اللَّهُ مُتَشَرِّفًا بِالْعَرْشِ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ اسْتِقْرَارَ رَبِّنَا تَعَالَى وَتَنَزَّهَ عَلَى الْعَرْشِ صِفَةُ كَمَالٍ وَالْعَرْشُ حَادِثٌ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلامِهِمْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا تَحْصُلُ لَهُ صِفَةُ الْعَظَمَةِ هَذِهِ إِلَّا بِالْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِى ذَلِكَ وَلا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا الزَّعْمِ عَلَى مَنْ لَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ.

(وَ)لْيُعْلَمْ أَنَّ (قَوْلَ الْمُشَبِّهَةِ اللَّهُ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ شَتْمٌ لِلَّهِ لِأَنَّ الْقُعُودَ مِنْ صِفَةِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْجِنِّ وَالْحَشَرَاتِ) فَإِنَّ الْقُعُودَ لا يَكُونُ إِلَّا مِمَّا لَهُ جُزْءٌ أَعْلَى وَجُزْءٌ أَسْفَلُ وَيَنْثَنِى وَلَهُ مَقْعَدَةٌ يُلامِسُ بِهَا مَا يَقْعُدُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ قَعَدَ فُلانٌ أَىْ مِنَ النَّاسِ وَقَعَدَ الْقِرْدُ وَقَعَدَتِ الْبَقَرَةُ وَاتَّخَذَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ

فِى مَجْلِسِهِ مَقَاعِدَ لِلْجِنِّ (وَكُلُّ وَصْفٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ) فَإِنَّ (وَصْفَ اللَّهِ بِهِ) تَنْقِيصٌ لَهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ فِى الْحَقِيقَةِ (شَتْمٌ لَهُ) فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ اللَّهَ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ أَوْ يَبُولُ أَوْ يَتَعَرَّقُ أَوْ يَنْسَى أَوْ يَنَامُ أَوْ يَرْتَاحُ أَوْ يَلِدُ أَوْ يَتَزَوَّجُ كَانَ ذَلِكَ سَبًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَشَتْمًا لَهُ(46) وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَإِلَّا

فَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ يَنَامُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَعَرَّقُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيَلِدُونَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَتْمًا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لا تُنَافِى هَذِهِ الصِّفَاتُ عَظِيمَ رُتْبَتِهِمْ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ لَمْ يَجُزْ نِسْبَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا كُلُّ مَا سِوَاهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ نِسْبَةَ أَيَّةِ صِفَةٍ مِنْهَا كَالْقُعُودِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ

ذَمٌّ وَنَقْصٌ وَنِسْبَةُ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ وَهُوَ شَتْمٌ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلِذَلِكَ (قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ اللُّغَوِىُّ) الْحَنَفِىُّ مُحَمَّدُ (مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ مَنْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ كَفَرَ) اهـ (أَىْ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ ذَا كَمِّيَّةٍ وَحَجْمٍ وَالْحَجْمُ وَالْكَمِّيَّةُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْحُدُوثِ) أَىْ مِنْ مُقْتَضِيَاتِهِ أَىْ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا فَهُوَ حَادِثٌ (وَهَلْ عَرَفْنَا أَنَّ الشَّمْسَ)

مَثَلًا (حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ إِلَّا لِأَنَّ لَهَا حَجْمًا وَلَوْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى حَجْمٌ لَكَانَ مِثْلًا لِلشَّمْسِ فِى الْحَجْمِيَّةِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ لا تَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ فَلَوْ طَالَبَ هَؤُلاءِ الْمُشَبِّهَةَ عَابِدُ الشَّمْسِ بِدَلِيلٍ عَقْلِىٍّ) أَىْ لَوْ قَالَ عَابِدُ الشَّمْسِ لِلْمُشَبِّهَةِ أَعْطُونِى دَلِيلًا عَقْلِيًّا (عَلَى اسْتِحْقَاقِ اللَّهِ الأُلُوهِيَّةَ وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الشَّمْسِ الأُلُوهِيَّةَ)

لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَ(لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ وَغَايَةُ مَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُولُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أَىْ فِى سُورَةِ الزُّمَرِ (﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لِعَابِدِ الشَّمْسِ يَقُولُ لَهُمْ عَابِدُ الشَّمْسِ أَنَا لا أُؤْمِنُ بِكِتَابِكُمْ أَعْطُونِى دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ لا تَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ) يَقُولُ لَهُمْ مَعْبُودِى جِسْمٌ كَبِيرٌ جَمِيلٌ مُنِيرٌ يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ

وَكُلُّ أَحَدٍ يُحِسُّ بِنَفْعِهِ لِلإِنْسَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالتُّرْبَةِ وَالْهَوَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَمَّا مَعْبُودُكُمْ الَّذِى تَزْعُمُونَ أَنَّهُ حَجْمٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَلا أَنَا رَأَيْتُهُ وَلا أَنْتُمْ رَأَيْتُمُوهُ وَلا يُحِسُّ أَحَدٌ لَهُ بِنَفْعٍ فَأَعْطُونِى دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَى أَنَّ عِبَادَتِى بَاطِلَةٌ وَأَنَّ مَعْبُودَكُمْ هُوَ الَّذِى يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ دُونَ مَعْبُودِى فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ مَعْبُودُنَا

هُوَ الْخَالِقُ فَإِنَّهُ يُجِيبُهُمْ بَلْ مَعْبُودِى أَنَا الْخَالِقُ وَهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ فَلا تَكْفِى فِيهِ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ مِنَ الدَّلِيلِ أَعْطُونِى دَلِيلًا عَقْلِيًّا عَلَى مَا تَقُولُونَ فَإِنْ قَالُوا مَعْبُودُكَ حَجْمٌ قَالَ وَمَعْبُودُكُمْ كَذَلِكَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ فَإِنْ قَالُوا لَهُ صُورَةٌ قَالَ وَمَعْبُودُكُمْ كَذَلِكَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ وَإِنْ قَالُوا يَحْتَجِبُ أَحْيَانًا قَالَ وَمَعْبُودُكُمْ

مُحْتَجِبٌ طُولَ الأَحْيَانِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ وَإِنْ قَالُوا يَتَحَرَّكُ قَالَ وَمَعْبُودُكُمْ يَتَحَرَّكُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ وَإِنْ قَالُوا الشَّمْسُ تَنْزِلُ وَتَطْلُعُ قَالَ وَمَعْبُودُكُمْ كَذَلِكَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ (فَهُنَا يَنْقَطِعُونَ) وَيَعْجَزُونَ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى عَابِدِ الشَّمْسِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَقِيدَةَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَسْوَأُ مِنْ عَقِيدَةِ عَابِدِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يَعْبُدُ

حَجْمًا تَحَقَّقَ وُجُودَهُ وَأَحَسَّ بِنَفْعِهِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ حَجْمًا تَوَهَّمُوهُ وَلَمْ يُحِسُّوا بِنَفْعِهِ وَأَمَّا السُّنِّىُّ فَلا يُعْجِزُهُ عَابِدُ الشَّمْسِ وَلا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الضَّلالِ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الشَّمْسُ لَهَا مِقْدَارٌ وَحَجْمٌ وَصُورَةٌ وَشَكْلٌ هُوَ الِاسْتِدَارَةُ فَلا بُدَّ لَهَا مِنْ مُخَصِّصٍ خَصَّصَهَا بِذَلِكَ ثُمَّ هِىَ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَةِ الْحَرَارَةِ فَلا بُدَّ لَهَا مِمَّنْ خَصَّهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلِمَاذَا كَانَ شَكْلُهَا مُسْتَدِيرًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْضَاوِيًّا أَوْ مُثَلَّثًا أَوْ مُرَبَّعًا وَلِمَاذَا كَانَتْ صِفَتُهَا الْحَرَارَةَ وَلَمْ تَكُنِ الْبُرُودَةَ أَوِ الِاعْتِدَالَ الْعَقْلُ لا يَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ هِىَ قَدْ جَعَلَتْ نَفْسَهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَبِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلا بُدَّ أَنَّ لَهَا خَالِقًا جَعَلَهَا عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَتِلْكَ الصِّفَةِ وَهَذَا الْخَالِقُ لا يُوصَفُ بِشَكْلٍ أَوْ حَجْمٍ أَوْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ أَوْ رُطُوبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلِذَلِكَ لا يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصِّصٍ خَصَّصَهُ وَلا مُوجِدٍ أَوْجَدَهُ بَلْ هُوَ الأَزَلِىُّ الأَبَدِىُّ الَّذِى أَخْرَجَ كُلَّ شَىْءٍ فِى الْعَالَمِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.

(فَلا يُوجَدُ فَوْقَ الْعَرْشِ شَىْءٌ حَىٌّ يَسْكُنُهُ إِنَّمَا يُوجَدُ كِتَابٌ فَوْقَ الْعَرْشِ مَكْتُوبٌ فِيهِ إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى) كَمَا تَقَدَّمَ (أَىْ أَنَّ مَظَاهِرَ الرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَظَاهِرِ الْغَضَبِ) أَىْ أَنَّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَةً لِلنَّاسِ وَنِعْمَةً أَكْثَرُ مِمَّا خَلَقَهُ سُبْحَانَهُ عَذَابًا لَهُمْ وَنِقْمَةً. (الْمَلائِكَةُ) مَثَلًا (مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ قَطَرَاتِ الأَمْطَارِ وَأَوْرَاقِ الأَشْجَارِ) لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِى سُورَةِ الْمُدَّثِرِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (وَالْجَنَّةُ) أَيْضًا (مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَةِ وَهِىَ أَكْبَرُ مِنْ جَهَنَّمَ بِآلافِ الْمَرَّاتِ) فَإِنّ َلِآخِرِ أَهْلِهَا دُخُولًا إِلَيْهَا فِيهَا مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا كَمَا صَحَّ فِى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.

(وَكَوْنُ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَوْقَ الْعَرْشِ ثَابِتٌ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِىُّ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى وَغَيْرُهُمَا) كَابْنِ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ (وَلَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِى كِتَابٍ يَكْتُبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِى تَغْلِبُ غَضَبِى) اهـ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ كَمَا قَدَّمْنَا تَقْضِى بِالْبُطْلانِ عَلَى مُحَاوَلَةِ تَأْوِيلِ فَوْقَ

فِى حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى دُونَ كَمَا سَبَقَ (فَإِنْ حَاوَلَ مُحَاوِلٌ) رَغْمَ ذَلِكَ (أَنْ يُؤَوِّلَ فَوْقَ بِمَعْنَى دُونَ قِيلَ لَهُ) أَيْضًا (تَأْوِيلُ النُّصُوصِ) أَىْ مَا جَاءَ فِى الْقُرْءَانِ وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا يَجُوزُ إِلَّا بِدَلِيلٍ نَقْلِىٍّ ثَابِتٍ أَوْ عَقْلِىٍّ قَاطِعٍ وَ)الْمُخَالِفُونَ لَنَا (لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَىْءٌ مِنْ هَذَيْنِ وَلا دَلِيلَ عَلَى لُزُومِ التَّأْوِيلِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ فَوْقَ الْعَرْشِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلا بِأَنَّهُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَبَقِىَ الأَمْرُ عَلَى الِاحْتِمَالِ أَىِ احْتِمَالِ أَنَّ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَحْتَ الْعَرْشِ)

فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَخَذُوا مِنْ بَعْضِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا اللَّوْحَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَمْ يَرَوْا مَانِعًا فِى الْقُرْءَانِ وَلا فِى الْحَدِيثِ مِنْ ذَلِكَ وَلا عَابَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَالُوا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَصٍّ شَرْعِىٍّ وَهَذَا يَشْهَدُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا دَلِيلَ يُسَوِّغُ تَأْوِيلَ فَوْقَ بِمَعْنَى دُونَ (فَعَلَى) مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُخَالِفُ يَكُونُ (قَوْلُهُ) مُوقِعًا لَهُ فِى مَا عَابَ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ مَنَعَنَا مِنَ التَّأْوِيلِ مَعَ أَنَّنَا لا نُأَوِّلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَأَوَّلَ هُوَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلا حُجَّةٍ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ (إِنَّهُ) أَىِ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ (فَوْقَ الْعَرْشِ يَكُونُ) الْمُشَبِّهُ قَدْ (جَعَلَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ مُعَادِلًا لِلَّهِ أَىِ) اقْتَضَى اعْتِقَادُهُ وَكَلامُهُ (أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بِمُحَاذَاةِ قِسْمٍ مِنَ الْعَرْشِ وَاللَّوْحُ بِمُحَاذَاةِ قِسْمٍ مِنَ الْعَرْشِ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لَهُ بِخَلْقِهِ) بِلا شَكٍّ (لِأَنَّ مُحَاذَاةَ شَىْءٍ لِشَىْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ).

عَوْدٌ إِلَى بَيَانِ أَنَّ الْكِتَابَ السَّابِقَ الذِّكْرِ مَوْجُودٌ فَوْقَ الْعَرْشِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

(وَمِمَّا يَدُلُّ) أَيْضًا (عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَوْقِيَّةً حَقِيقِيَّةً لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ) فَلا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى تَحْت (الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ النَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ الْكُبْرَى) فِى بَابِ مَا يُجِيرُ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيْطَانِ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَىْ سَنَةٍ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ وَإِنَّهُ أَنْزَلَ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ ءَايَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) اهـ (وَفِى لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ) فِى بَابٍ فِى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ (فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ) اهـ (فَهَذَا) وَمَا سَبَقَهُ (صَرِيحٌ فِى أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَوْقِيَّةً حَقِيقِيَّةً لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ) وَشَاهِدٌ يَشْهَدُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ الْجِهَةَ وَارْتِفَاعَ الْمَسَافَةِ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ مُشَبِّهٌ لِرَبِّهِ وَمُعَادِلٌ لَهُ بِخَلْقِهِ.

(وَكَلِمَةُ عِنْدَ) الْوَارِدَةُ فِى الرِّوَايَتَيْنِ الآنِفَتَىِ الذِّكْرِ هِىَ (لِلتَّشْرِيفِ) وَ(لَيْسَ لِإِثْبَاتِ تَحَيُّزِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ) كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُ قَاصِرُ نَظَرٍ (لِأَنَّ عِنْدَ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْمَكَانِ) كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْمَكَانِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ هُودٍ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾) وَلا يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ عِنْدَ تَدُلُّ

هُنَا عَلَى أَنَّ لِلَّهِ حَيِّزًا وَأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِجَارَةِ تَقَارُبًا (إِنَّمَا تَدُلُّ عِنْدَ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ مُجَاوِرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْمَكَانِ فَمَنْ يَحْتَجُّ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةِ عِنْدَ لإِثْبَاتِ الْمَكَانِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ الْجَاهِلِينَ وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إِنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ نَزَلَتْ مِنَ الْعَرْشِ إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ مُكَوَّمَةً بِمَكَانٍ فِى جَنْبِ اللَّهِ فَوْقَ الْعَرْشِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ فِى الدِّلالَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ السَّجْدَةِ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِكَلِمَةِ عِنْدَ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُجَاوَرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِجِوَارِ الْمُشْرِكِينَ فِى أَرْضِ الْمَحْشَرِ وَهُوَ مَا لا يَقُولُهُ مُوَحِّدٌ وَلا مُشَبِّهٌ.

عَوْدٌ إِلَى الْكَلامِ عَنْ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ (وَ)بَيَانُ فَسَادِ احْتِجَاجِ الْمُشَبِّهَةِ بِهِ.

(قَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ) فِى صَحِيحِهِ (أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِى صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ فَلا يَبْصُقَنَّ فِى قِبْلَتِهِ وَلا عَنْ يَمِينِهِ فَإنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِبْلَتِهِ اهـ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِىُّ أَيْضًا عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)

أَىْ هَوِّنُوا عَلَيْهَا وَلا تُجْهِدُوهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ كَثِيرًا (فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا) تَخْفَى عَلَيْهِ الأُمُورُ (إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَالَّذِى تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ اهـ فَيُقَالُ لِلْمُعْتَرِضِ) الَّذِى يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ لإِثْبَاتِ الْمَكَانِ لِلَّهِ تَعَالَى (إِذَا أَخَذْتَ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا بَطَلَ زَعْمُكَ أَنَّ اللَّهَ فِى السَّمَاءِ)

لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ الأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِيمَا بَيْنَ الْمُصَلِّى وَالْكَعْبَةِ وَظَاهِرَ الْحَدِيثِ الثَّانِى أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ مَا بَيْنَ الرَّاكِبِ الدَّاعِى وَعُنُقِ دَابَّتِهِ وَالْمُعْتَرِضُ يَلْتَزِمُ الأَخْذَ بِالظَّاهِرِ وَتَرْكَ التَّأْوِيلِ وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا ذَكَرْنَا وَهُمَا أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْجَارِيَةِ فَعَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتْرُكَ الأَخْذَ

بِظَاهِرِهِ وَأَنْ يَأْخُذَ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَحَكِّمٌ يَجْرِى خَلْفَ الْهَوَى وَيُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ مَا وَرَدَ فِى الشَّرْعِ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ وَأَنَّهُ لا يَتْبَعُ قَاعِدَةً نَصَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَلا قَانُونًا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوِ اسْتَنْبَطَهُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مِنْ بَيَانِهِ (وَ)بِعِبَارَةٍ أُخْرَى يُقَالُ لَهُ إِنْ قُلْتَ

يَلْزَمُ الأَخْذُ بِالظَّاهِرِ وَيَمْتَنِعُ التَّأْوِيلُ اقْتَضَى كَلامُكَ الأَخْذَ بِظَاهِرِ حَدِيثَىِ الْبُخَارِىِّ وَبَطَلَ زَعْمُكَ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فِى السَّمَاءِ وَ(إِنْ) أَجَزْتَ التَّأْوِيلَ وَ(أَوَّلْتَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ) اللَّذَيْنِ فِى الْبُخَارِىِّ (وَلَمْ تُأَوِّلْ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ فَهَذَا تَحَكُّمٌ أَىْ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ وَيَصْدُقُ عَلَيْكَ قَوْلُ اللَّهِ) تَعَالَى (فِى الْيَهُودِ) فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ (﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾)

وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا رُوِىَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لا بُدَّ أَنْ يَتَنَاقَضَ اهـ وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَقُولُونَ قَامَتْ عِنْدَنَا الأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ مِنَ الْقُرْءَانِ وَالسُّنَّةِ وَشَاهِدِ الْعَقْلِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَعَنِ الِاخْتِصَاصِ بِالْمَكَانِ

وَعَنْ جَرَيَانِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ فِى الْقُرْءَانِ أَنَّ الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَسَاسُهُ وَأَنَّ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةَ وَالأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ لا تَتَنَاقَضُ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُنَا رَدُّ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ أَىْ بِحَيْثُ لا يُخَالِفُ ذَلِكَ لُغَةَ الْعَرَبِ وَلا أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَلِذَلِكَ قَالُوا قَوْلُ النَّبِىِّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ هُوَ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْحَذْفِ أَىْ فَإِنَّ رَحْمَةَ رَبِّهِ أَمَامَهُ أَىْ إِنَّ الرَّحْمَةَ الْخَاصَّةَ الَّتِى تَنْزِلُ عَلَى الْمُصَلِّينَ تَكُونُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِذَا قَامَ فِى صَلاتِهِ يُنَاجِى رَبَّهُ أَىْ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ مُخَاطَبَةِ النَّاسِ لِمُخَاطَبَةِ الرَّبِّ وَالإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِدُعَائِهِ وَتَمْجِيدِهِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَمْ يَلِقْ عِنْدَ ذَلِكَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِى حَقِّهِ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَ وَجْهِهِ.

وَأَمَّا مَا فِى الْحَدِيثِ الآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَالَّذِى تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْبَ الْحِسِّىَّ الَّذِى هُوَ بِالْجِهَةِ وَالْمَسَافَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِىُّ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِ عِبَادِهِ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ مِنْهَا فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِالْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ.


(42) أَىْ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ. مُصَنَّف.

(43) ضُبِطَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِى بَعْضِ أُصُولِ مُسْلِمٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمشَالَةِ وَفِى بَعْضِهَا الآخَرِ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمشَالَةِ كَمَا بَيَّنَهُ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ.

(44) كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِى فَتْحِ الْبَارِى.

(45) قَالُوا كَمَا جَاءَ فِى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أَىْ فَمَا دُونَهَا اهـ وَغَابَ عَنْهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ فَمَا فَوْقَهَا فِى الصِّغَرِ أَىْ مَا زَادَ عَلَيْهَا فِى الصِّغَرِ فَمِنْ هُنَا فَسَّرُوا الآيَةَ بِمَا فَسَّرُوهُ لا لِأَنَّ كَلِمَةَ فَوْقَ بِإِطْلاقِهَا تُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى دُونَ.

(46) كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِى الْفَتْحِ إِنَّمَا سَمَّاهُ شَتْمًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْقِيصِ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ وَالِدَةٍ تَحْمِلُهُ ثُمَّ تَضَعُهُ وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ سَبْقَ النِّكَاحِ وَالنَّاكِحُ يَسْتَدْعِى بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ اهـ