(قَالَ) اللَّهُ (تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ (﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الْمَعْنَى) أَنَّ الْمَشْرِقَ مِلْكُ لِلَّهِ وَالْمَغْرِبَ مِلْكٌ لِلَّهِ (فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ فِى صَلاةِ النَّفْلِ فِى السَّفَرِ) عَلَى الرَّاحِلَةِ (فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ أَىْ فَتِلْكَ الْوِجْهَةُ الَّتِى تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْهَا هِىَ قِبْلَةٌ لَكُمْ) فَفِى هَذِهِ الآيَةِ إِطْلاقُ لَفْظِ وَجْهِ
اللَّهِ مُرَادًا بِالْوَجْهِ هُنَا الْقِبْلَةُ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ لُغَةً (وَلا يُرَادُ بِالْوَجْهِ الْجَارِحَةُ) الَّتِى نَعْرِفُهَا (وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ الْجَارِحَةَ لِلَّهِ) أَىْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِجَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ(80) (التَّكْفِيرُ) فَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُجَسِّمِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ قَطْعًا(81) وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَ الطَّحَاوِىُّ إِجْمَاعَ
أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ اهـ وَعِنْدَئِذٍ فَلا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِعَدَمِ تَكْفِيرِ الْمُجَسِّمِ أَوْ مَنْ يَنْسُبُ الْجَارِحَةَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِحَةٌ لَكَانَ مِثْلًا لَنَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْنَا مِنَ الْفَنَاءِ) وَالتَّغَيُّرِ وَالآفَاتِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلانِ وَالْقَائِلُ بِأَىٍّ مِنْ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ جَاهِلٌ بِرَبِّهِ غَيْرُ عَارِفٍ بِهِ.
هَذَا (وَقَدْ يُرَادُ بِالْوَجْهِ الْجِهَةُ الَّتِى يُرَادُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لِوَجْهِ اللَّهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ) وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ (تَعَالَى) كَمَا فِى حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا أَقْرَبُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ إِذَا كَانَتْ فِى قَعْرِ بَيْتِهَا اهـ فَلَيْسَ لِلْوَجْهِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى
إِلَّا طَاعَةَ اللَّهِ وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَجْهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ لا حَرَجَ فِيهِ (وَ)إِنَّمَا (يَحْرُمُ أَنْ) يُسْتَعْمَلَ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِثْلُهُ يَحْرُمُ أَنْ (يُقَالَ كَمَا شَاعَ بَيْنَ) قِسْمٍ مِنَ (الْجُهَّالِ افْتَحِ النَّافِذَةَ لِنَرَى وَجْهَ اللَّهِ) مَهْمَا كَانَتْ نِيَّةُ اللَّافِظِ بِهِ (لِأَنَّ) هَذَا الْكَلامَ يُوهِمُ أَنَّ لِلَّهِ جِهَةً وَأَنَّهُ يُرَى بِالْعَيْنِ فِى الدُّنْيَا وَكِلاهُمَا بَاطِلٌ فَأَمَّا الأَوَّلُ فَتَقَدَّمَ بَيَانُ بُطْلانِهِ وَأَمَّا الثَّانِى فَلِأَنَّ (اللَّهَ تَعَالَى) أَخْبَرَ فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ أَنَّـهُ (قَالَ لِمُوسَى) عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ (﴿لَنْ تَرَانِى﴾) عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْطِقُونَ بِهَذَا الْكَلامِ لا يَفْهَمُونَ مِنْهُ مَعْنَاهُ الْفَاسِدَ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَعْنَاهُ افْتَحِ النَّافِذَةَ لِنَرَى خَلْقَ اللَّهِ فَهَؤُلاءِ لا يُكَفَّرُونَ (وَ)مَعَ ذَلِكَ أَىْ (لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُ النَّاطِقِينَ بِهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ فَهُوَ حَرَامٌ) لا يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِهِ.
(تَفْسِيرُ) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النُّورِ (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾)
قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (فَقَوْلُهُ تَعَالَى) فِى أَوَّلِ الآيَةِ (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ)
وَهُمُ الْمَلائِكَةُ (وَ)الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنْ أَهْلِ (الأَرْضِ لِنُورِ الإِيمَانِ) اهـ (رَوَاهُ) الطَّبَرِىُّ وَ(الْبَيْهَقِىُّ) وَغَيْرُهُمَا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ءَاخِرُ الآيَةِ ﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وَرُوِىَ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ اهـ ذَكَرَهُ ابْنُ جُزَىّ وَفِى تَفْسِيرِ ابْنِ السَّمْعَانِىِّ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ تَفْسِيرُ ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بِمُنَوِّرِهَا اهـ (فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ بَلْ هُوَ الَّذِى خَلَقَ النُّورَ) أَىِ الضَّوْءَ كَمَا (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَنْعَامِ (﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَىْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نُورٌ أَىْ ضَوْءٌ التَّكْفِيرُ قَطْعًا) فَإِنَّـهُ مُشَبِّهٌ وَالْمُشَبِّهُ كَافِرٌ.
(وَهَذِهِ الآيَةُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَصْرَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (لَيْسَ حَجْمًا كَثِيفًا كَالسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَيْسَ حَجْمًا لَطِيفًا كَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ) لِأَنَّـهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ فِيهَا أَنَّـهُ خَالِقُ الْحَجْمِ الْكَثِيفِ مِثْلِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْحَجْمِ اللَّطِيفِ مِثْلِ الظُّلْمَةِ وَالضَّوْءِ (فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ حَجْمٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَالآيَةُ شَاهِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ).
هَذَا وَ(أَكْثَرُ الْمُشَبِّهَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَجْمٌ كَثِيفٌ) مُسْتَقِرٌّ فِى السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الْعَرْشِ (وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَجْمٌ لَطِيفٌ) مُنْتَشِرٌ كَالْهَوَاءِ فِى الأَمَاكِنِ كُلِّهَا أَوْ أَنَّهُ ضَوْءٌ (حَيْثُ) إِنَّهُمْ (قَالُوا إِنَّهُ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ) أَبْيَضُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ ضَوْءٌ أَسْوَدُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ (فَهَذِهِ الآيَةُ وَحْدَهَا تَكْفِى لِلرَّدِّ عَلَى) كُلِّ هَؤُلاءِ وَهِىَ حُجَّةٌ عَلَى (الْفَرِيقَيْنِ) مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِالْحَجْمِ الْكَثِيفِ وَمَنْ شَبَّهَهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَجْمِ اللَّطِيفِ.
(وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْعَقَائِدِ الْكُفْرِيَّةِ) وَكُلُّهَا تَرْجِعُ كَمَا قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى كُفْرِ التَّعْطِيلِ أَوِ التَّشْبِيهِ أَوِ التَّكْذِيبِ (كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) غَيْرُ قَادِرٍ أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ أَوْ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ أَوْ أَنَّهُ (ذُو لَوْنٍ أَوْ ذُو شَكْلٍ) أَوْ هَيْئَةٍ أَوْ أَنَّـهُ لا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُطَاعَ فِى هَذَا الزَّمَنِ فِى بَعْضِ مَا أَمَرَ بِهِ أَوْ أَنَّ بَعْضَ أَحْكَامِ شَرِيعَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَطَلَ فِى هَذَا الزَّمَانِ (فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ) أَىْ سَوَاءٌ كَانَ فِى حَالِ الْفَرَحِ أَمِ الْحُزْنِ أَمِ الأَمْنِ أَمِ الْخَوْفِ أَمِ الصِّحَّةِ أَمِ الْمَرَضِ أَمِ السَّعَةِ أَمِ الضِّيقِ فَإِنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَسْتَحِقُّ عَلَيْنَا التَّعْظِيمَ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ فِى هَذِهِ الأَحْوَالِ كُلِّهَا.
(80) الْجَوَارِحُ جَمْعُ جَارِحَةٍ وَهِىَ عُضْوُ الإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ الَّذِى يَكْتَسِبُ بِهِ وَمِنْهُ قِيلَ لِكَوَاسِبِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ جَوَارِح.
(81) أَىْ بِلا خِلافٍ.
