(اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ) قَدِيمٌ (أَزَلِىٌّ فَلَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَمَا كَانَ شَائِيًا وَلَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَادِ شَىْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ شَرْطَ التَّخْلِيقِ الْعِلْمُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى سُورَةِ الْمُلْكِ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وَعِلْمُهُ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ وَلا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلا النُّقْصَانَ وَلَيْسَ كَعِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ (فَلا يَتَّصِفُ) سُبْحَانَهُ (بِعِلْمٍ حَادِثٍ) عَرَضٍ كَعِلْمِنَا الَّذِى يَقُومُ بِأَجْسَادِنَا (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ اتِّصَافُهُ بِالْحَوادِثِ لَانْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ لِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِلْمِ وَعَلَى شُمُولِ عِلْمِهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِى سُورَةِ الأَنْعَامِ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ فَإِنَّ الإِحَاطَةَ الْمَقْصُودَةَ هُنَا هِىَ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ.

وَعِلْمُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعَمُّ مِنَ الإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ فَإِنَّ الإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقَانِ بِالْمُمْكِنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ أَمَّا عِلْمُهُ تَعَالَى فَيَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ الْعَقْلِىِّ وَالْمُسْتَحِيلِ الْعَقْلِىِّ وَالْمُمْكِنِ الْعَقْلِىِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَبِصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ بِعِلْمٍ

وَاحِدٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَتَطَوَّرُ وَلا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ (وَمَا أَوْهَمَ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَنْفَالِ (﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ) أَىْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ أَىْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْكُمْ

مِنْ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَضْعَافٍ كَثِيرةٍ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ الآنَ عَلِمَ بِالضَّعْفِ الَّذِى فِيكُمْ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ التَّخْفِيفَ حَصَلَ الآنَ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ مَا فِيكُمْ مِنَ الضَّعْفِ (وَ)بِعِبَارَةٍ أُخْرَى نَقُولُ (قَوْلُهُ ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ ﴿الآنَ﴾ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِى الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ)

أَىْ يُوجَدُ (فِيكُمْ ضَعْفٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْقَتْلِ وَجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ (حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ يُجَاهِدُ وَيَصْبِرُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ) أَىْ فِى الأَزَلِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ (كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِىُّ ذَلِكَ) فِى كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ (عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى) مِنْ فَطَاحِلِ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ (وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِه تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَنْفَالِ (﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾) أَىْ لِيُظْهِرَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ.

الصِّفَةُ الْعَاشِرَةُ (الْحَيَاةُ)

(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْحَيَاةُ فَهُوَ حَىٌّ لا كَالأَحْيَاءِ إِذْ حَيَاتُهُ) صِفَةٌ (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ) مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِى لا تُشْبِهُ حَيَاةَ الْمَخْلُوقِينَ وَ(لَيْسَتْ بِرُوحٍ) وَلَحْمٍ (وَدَمٍ. وَالدَّلِيلُ) الْعَقْلِىُّ (عَلَى وُجُوبِ حَيَاتِهِ وُجُودُ هَذَا الْعَالَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنَ الْعَالَمِ) لِأَنَّ وُجُودَهُ هُوَ بِإِيجَادِ خَالِقٍ عَالِمٍ مُرِيدٍ قَادِرٍ وَلا يَصِحُّ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ وَالإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ إِلَّا لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْحَيَاةِ فَلِذَلِكَ قَالُوا لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى حَيًّا لَمَا وُجِدَ الْعَالَمُ (لَكِنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ ثَابِتٌ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ بِلا شَكٍّ) فَثَبَتَ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِالْحَيَاةِ. وَأَمَّا الْبُرْهَانُ النَّقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَنُصُوصٌ مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى ءَايَةِ الْكُرْسِىِّ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾.

الصِّفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (الْوَحْدَانِيَّةُ)

وَ(مَعْنَى الْوَحْدَانِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ ذَاتًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ) فَهِىَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ مَعْنَاهَا انْتِفَاءُ التَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالشَّرِيكِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ (فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ) فَلَيْسَ ذَاتُهُ مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ وَإِلَّا لَكَانَ جِسْمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا كَسَائِرِ الأَجْسَامِ الْمُرَكَّبَةِ وَلَافْتَقَرَ إِلَى الْمُخَصِّصِ وَالْمَكَانِ وَالْمِقْدَارِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَاتِ فَيَكُونُ حَادِثًا فَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ وَهَذَا مُحَالٌ وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِنَفْىِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَأَمَّا مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ نَفْىِ الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ فَهُوَ نَفْىُ النَّظِيرِ وَالشَّرِيكِ عَنْهُ سُبْحَانَهُ الَّذِى عَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ.

(وَ)ظَهَرَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ (لَيْسَ الْمُرَادُ بوَحْدَانِيَّتِهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ إِذِ الْوَاحِدُ فِى الْعَدَدِ لَهُ نِصْفٌ وَأَجْزَاءٌ أَيْضًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ) كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ وَاحِدٌ لا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ(62) وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

(وَبُرْهَانُ وَحْدَانِيَّتِهِ هُوَ أَنَّهُ لا بُدَّ لِلصَّانِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا، فَإِذَا ثَبَتَ وَصْفُ الصَّانِعِ بِمَا ذَكَرنَاهُ قُلْنَا لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا وَالْمُخْتَارَانِ يَجُوزُ) اتِّفَاقُهُمَا وَ(اخْتِلافُهُمَا فِى الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى مُوَافَقَةِ الآخَرِ فِى اخْتِيَارِه، وَإِلَّا لَكَانَا مُجْبُورَيْنِ وَالْمَجْبُورُ لا يَكُونُ إِلَـهًا)

لِأَنَّهُ لا يَكُونُ مُخْتَارًا (فَإِذَا صَحَّ هَذَا) فَإِنِ اتَّفَقَا فَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ فِيهِ فَيَلْزَمُ قَهْرُهُ وَعَدَمُ عُمُومِ قُدْرَتِهِ وَنُفُوذِ إِرَادَتِهِ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفِعْلَ لِشَرِيكِهِ وَيَلْزَمُ فِى الآخَرِ مَا لَزِمَ فِى الأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا مِثْلانِ فَمَا جَازَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ عَلَى الآخَرِ فَيَحْتَاجَانِ لِلْمُخَصِّصِ وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِى ذَلِكَ الشَّىْءِ فَإِنِ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ لَزِمَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْعَجْزُ وَالْحَاجَةُ لِلْمُخَصِّصِ وَإِنْ فُرِضَتِ الْمَسْئَلَةُ فِى مَا لا يُمْكِنُ انْقِسَامُهُ كَالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَالُ الَّذِى هُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ الأَثَرَ الْوَاحِدَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ مُؤَثِّرَيْنِ وَلا الْمَقْدُورُ تَحْتَ قُدْرَتَيْنِ(63).

هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاتِّفَاقِ وَأَمَّا إِنْ فُرِضَ اخْتِلافُهُمَا (فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا خِلافَ مُرَادِ الآخَرِ فِى شَىْءٍ كَأَنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ لا يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ يَتِمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلا يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ، وَمُحَالٌ تَمَامُ مُرَادَيْهِمَا لِتَضَادِّهِمَا أَىْ إِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ)

مَثَلًا (يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ حَيًّا وَمَيِّتًا فِى ءَانٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُما فَهُمَا عَاجِزَانِ وَالْعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَـهًا وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ فَإِنَّ الَّذِى لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُ عَاجِزٌ وَلا يَكُونُ الْعَاجِزُ إِلَـهًا وَلا قَدِيمًا وَهَذِهِ الدِّلالَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ تُسَمَّى بِدِلالَةِ التَّمَانُعِ) كَمَا (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ (﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا) أَىْ لَهُمَا (ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾) أَىْ لَمَا انْتَظَمَتَا أَىْ لَمَا وُجِدَتَا فَانْتَظَمَتَا.

وَقَدْ قُرِّرَتْ صِفَةُ الْوَحْدَانِيَّةِ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ وَتَكَرَّرَ ذِكْرُهَا بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِى سُورَةِ الإِخْلاصِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ فِى سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

وَابْتَدَعَ الْوَهَّابِيَّةُ وَهُمْ مُجَسِّمَةُ عَصْرِنَا بِدْعَةً لَمْ تُعْرَفْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ فَإِنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِىَّ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّهَا فَإِنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ وَلَمْ تَفْشُ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مَا تَرَكُوا لَهُ مَجَالًا لِنَشْرِ بِدْعَتِهِ وَقَدْ أَخَذَهَا مِنْهُ الْوَهَّابِيَّةُ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّجْدِىِّ فَنَشَرُوهَا بَعْدَمَا صَارَتْ لَهُمْ دَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌ

وَهَذِهِ الْبِدْعَةُ هِىَ تَقْسِيمُهُمُ التَّوْحِيدَ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَزَعَمُوا أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحْدَهُ لا يَكْفِى لِلإِيمَانِ لِاشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فِيهِ بِزَعْمِهِمْ بَلْ لا بُدَّ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِذَلِكَ وَتَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلُوا إِلَى تَكْفِيرِ

الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَيُجَوِّزُونَ التَّوَسُّلَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَنِدَاءَ الْغَائِبِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِهِ وَزِيَارَةَ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ طَالَمَا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا فَإِنَّ الْوَهَّابِيَّةَ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ

مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِخْلالٌ بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ لِلنَّجَاةِ وَمَا جَاءُوا بِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِى الْقُرْءَانِ وَلا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا حَكَمَ بِهِ صَحَابِىٌّ أَوْ تَابِعِىٌّ وَلَوْ كَانَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ كَمَا زَعَمُوا لَمَا أَهْمَلَ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ

بَيَانَهُ وَلَمَا أَهْمَلَ نَقْلَهُ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَلا التَّابِعُونَ فَأَيْنَ دَعْوَى هَؤُلاءِ الْمُبْتَدِعَةِ اتِّبَاعَ السَّلَفِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا تَسَمِّيهِمْ بِالسَّلَفِيَّةِ إِلَّا تَدْلِيسٌ وَخِدَاعٌ بَلْ إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ تَشْهَدُ لِفَسَادِ مَا زَعَمُوا وَلِضِدِّ مَا قَالُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْتَفِى لِلْحُكْمِ عَلَى الشَّخْصِ بِالإِسْلامِ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرِطَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ الِاعْتِقَادَاتِ الَّتِى زَعَمُوهَا وَقَدْ جَاءَ فِى حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ الَّذِى رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الإِنْسَانَ يُسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ وَعَنْ نَبِيِّهِ وَعَنْ دِينِهِ فَيُجِيبُ الْمُؤْمِنُ اللَّهُ رَبِّى وَالإِسْلامُ دِينِى وَمُحَمَّدٌ نَبِيىِّ وَيَكْتَفِى مِنْهُ الْمَلَكَانِ بِذَلِكَ وَلا يَقُولانِ لَهُ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَكْفِى بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنْ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ كَمَا زَعَمَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ فَمَا أَعْظَمَ مُصِيبَةَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا.


(62) أَىْ لا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ فَيُتَوَهَّمَ لَهُ ثَانٍ.

(63) أَىْ لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتَيْنِ مُؤَثِّرَتَيْنِ أَىْ بِالإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ.