(اعْلَمْ أَنَّ الإِرَادَةَ وَهِىَ الْمَشِيئَةُ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهِىَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ) مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِى قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ أَىْ ثَابِتَةٌ لَهُ (يُخَصِّصُ اللَّهُ) تَعَالَى (بِهَا الْجَائِزَ) أَىِ الْمُمْكِنَ (الْعَقْلِىَّ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ) الَّذِى كَانَ جَائِزًا بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ (وَبِصِفَةٍ دُونَ أُخْرَى) وَبِمَكَانٍ دُونَ ءَاخَرَ (وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ. وَبُرْهَانُ وُجُوبِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لِأَنَّ الْعَالَمَ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فَوُجُودُهُ لَيْسَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ عَقْلًا(55) وَالْعَالَمُ مَوْجُودٌ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا وُجِدَ إِلَّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ لِوُجُودِهِ وَتَرْجِيحِهِ لَهُ عَلَى عَدَمِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ شَاءٍ) أَىْ مُتَّصِفٌ بِالإِرَادَةِ.

(ثُمَّ الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ) لا الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى(56) (عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ شَامِلَةٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ جَمِيعِهَا الْخَيْرِ مِنْهَا وَالشَّرِّ) إِذْ لَوِ اخْتَصَّتْ بِبَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ لَاحْتَاجَتْ إِلَى الْمُخَصِّصِ وَلَزِمَ حُدُوثُهَا وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى قِدَمِ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَتَعَيَّنَ عُمُومُ إِرَادَتِهِ تَعَالَى فِى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِى

سُورَةِ الأَنْعَامِ ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ وَمِنْ كُفْرٍ أَوْ مَعَاصٍ أَوْ طَاعَةٍ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَعَ وَحَصَلَ) كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ فَاطِرٍ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَكَمَا قَالَ فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ ﴿تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾(57)

(وَهَذَا كَمَالٌ فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ شُمُولَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ لائِقٌ بِجَلالِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقَعُ فِى مِلْكِهِ مَا لا يَشَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ الْعَجْزِ وَالْعَجْزُ مُسْتَحِيلٌ علَى اللَّهِ) وَادَّعَى الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ خَاصَّةٌ بِالْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ وَلا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى سِوَى التَّحَكُّمِ وَالتَّوَهُّمِ وَالتَّحْسِينِ بِالْعُقُولِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ إِرَادَةَ وُجُودِ الْعَمَلِ الْقَبِيحِ مِنَ اللَّهِ قَبِيحٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَمَا قَالُوهُ بَاطِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ وُجُودَ الذَّوَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالْخَبِيثَةِ كَالْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَلَيْسَ ذَلِكَ قَبِيحًا مِنْهُ تَعَالَى فَكَذَلِكَ إِرَادَةُ وُجُودِ قَبَائِحِ الأَفْعَالِ لَيْسَتْ قَبِيحَةً مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْتَ شِعْرِى مَاذَا يَصْنَعُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الآىِ وَبِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ اهـ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ اهـ وَهِىَ كَلِمَةٌ أَجْمَعَتْ عَلَيْهَا الأُمَّةُ بِلا خِلافٍ.

وَلا تَتَعَلَّقُ الْمَشِيئَةُ بِالْوَاجِبِ الْعَقْلِىِّ وَلا بِالْمُسْتَحِيلِ الْعَقْلِىِّ إِذْ لَوْ تَعَلَّقَتْ بِالْوَاجِبِ لَكَانَ مُمْكِنًا لا وَاجِبًا وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِالْمُسْتَحِيلِ لَكَانَ جَائِزًا لا مُسْتَحِيلًا.

(وَالْمَشِيئَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ أَىْ أَنَّهُ مَا عَلِمَ) تَبَارَكَ وَتَعَالَى (حُدُوثَهُ فَقَدْ شَاءَ حُدُوثَهُ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَكُونُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَكُونَ(58). وَلَيْسَتِ الْمَشِيْئَةُ تَابِعَةً لِلأَمْرِ) كَمَا زَعَمَ الْمُعْتَزِلَةُ (بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ يَشَأْ لَهُ ذَلِكَ) فَلَمْ يَقَعِ الذَّبْحُ وَلَوْ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ تَابِعَةً لِلأَمْرِ لَوَقَعَ (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ وُقُوعَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّـهُ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ) ابْتِلاءً لِلْعِبَادِ كَمَا ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأَمْرِهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ فَظَهَرَ مَا عِنْدَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ الذَّبْحُ بَلْ فُدِىَ إِسْمَاعِيلُ بِالكَبْشِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَذَلِكَ (كَمَا أَنَّـهُ عَلِمَ) سُبْحَانَهُ (بِوُقُوعِ شَىْءٍ مِنَ الْعَبْدِ وَ)مَعَ ذَلِكَ (نَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ)(59) وَقَدْ رُوِىَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِبَعْضِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْتَ الَّذِى تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعْصَى فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ فَمَنْ حَالَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ مَا أَرَادَ اهـ(60)

الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ (القُدْرَةُ)

(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ) وَهِىَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِى قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا يُوجِدُ اللَّهُ وَيُعْدِمُ عَلَى وَفْقِ الإِرَادَةِ وَالدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ التَّغَابُنِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (وَالْمُرَادُ بِالشَّىْءِ هُنَا الْجَائِزُ الْعَقْلِىُّ فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْوُجُودِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ، وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ)

فِى جُمْلَةِ مَا خَالَفَ فِيهِ بِسَبَبِ قُصُورِ عَقْلِهِ (فَقَالَ) فِى الْمُحَلَّى مِنْ كُتُبِهِ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَكَانَ عَاجِزًا، وَهَذَا الَّذِى قَالَهُ غَيْرُ لازِمٍ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ) أَىْ مُسْتَحِيلٌ عَقْلِىٌّ (وَالْمُحَالُ الْعَقْلِىُّ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرةِ) فَلا يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَلا

يُقَالُ إِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يُقَالُ هَذَا مُسْتَحِيلٌ عَقْلِىٌّ وَالْقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلِ(61) وَذَلِكَ كَمَا أَنَّنَا لا نَقُولُ عَنِ الْحَجَرِ عَالِمٌ وَلا جَاهِلٌ بَلْ نَقُولُ الْحَجَرُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعِلْمِ وَلا بِالْجَهْلِ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلِاتِّصَافِ بِالْعِلْمِ أَوْ بِالْجَهْلِ هُوَ الْحَيَاةُ وَالْحَجَرُ لَيْسَ حَيًّا فَظَهَرَ أَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا إِنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ لا تَتَعَلَّقُ

بِاتِّخَاذِ الْوَلَدِ نِسْبَةُ عَجْزٍ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ (وَ)ذَلِكَ أَنَّ (عَدَمَ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالشَّىْءِ تَارَةً يَكُونُ لِقُصُورِهَا عَنْهُ وَذَلِكَ) يَحْصُلُ (فِى الْمَخْلُوقِ وَتَارَةً يَكُونُ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ أَىْ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِيلًا عَقْلِيًّا أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الْعَدَمَ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَقْلِيًّا) فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ لا إِيجَادًا

وَلا إِعْدَامًا (وَالْعَجْزُ هُوَ الأَوَّلُ الْمَنْفِىُّ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى لا الثَّانِى فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَلا عَاجِزٌ قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا لا يُقَالُ عَنِ الْحَجَرِ عَالِمٌ وَلا جَاهِلٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَكَذَلِكَ) أَىْ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ (يُجَابُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُلْحِدِينَ هَلِ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ) فَيُقَالُ إِنَّ السُّؤَالَ خَطَأٌ (وَ)تَنَاقُضٌ فَإِنَّ (هَذَا) السُّؤَالَ (فِيهِ تَجْوِيزُ الْمُحَالِ الْعَقْلِىِّ) وَالْمُحَالُ لا يَكُونُ جَائِزًا (وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ) أَىِ الْمِثْلُ (أَزَلِيًّا) فَيَنْحَلُّ كَلامُ السَّائِلِ هَلْ يَخْلُقُ الأَزَلِىُّ أَزَلِيًّا مِثْلَهُ (وَ)لَكِنِ (الأَزَلِىُّ لا) يُقَالُ فِيهِ (يُخْلَقُ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ) لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ (فَكَيْفَ يُخْلَقُ الْمَوْجُودُ) فَتَبَيَّنَ أَنَّ السُّؤَالَ بَاطِلٌ وَدَالٌّ عَلَى سَخَافَةِ عَقْلِ سَائِلِهِ.

(أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ فَعَدَمُ قَبُولِهِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ) الَّذِى تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ فَلا يَقْبَلُ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُ أَزَلِىٌّ) لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ فَكَيْفَ يَحْدُثُ وَ(فَرْقٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِى الْوُجُودِ فَالْوُجُودُ يَشْمَلُ الْوُجُودَ الأَزَلِىَّ وَالْوُجُودَ الْحَادِثَ) وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى وُجُودًا (أَمَّا الدُّخُولُ فِى الْوُجُودِ فَهُوَ الْوُجُودُ الْحَادِثُ)

فَقَطْ (فَالْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ اللَّهُ وَصِفَاتُهُ فَاللَّهُ وَاجِبٌ عَقْلِىٌّ وُجُودُهُ أَزَلِىٌّ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ وَ)لِذَلِكَ (لا يُقَالُ لِلَّهِ وَلا لِصِفَاتِهِ دَاخِلٌ فِى الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُمَا أَزَلِىٌّ فَقَوْلُنَا إِنَّ الْوَاجِبَ الْعَقْلِىَّ لا يَقْبَلُ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ صَحِيحٌ لَكِنْ) قَدْ (يَقْصُرُ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُبْتَدِئِينَ فِى الْعَقِيدَةِ) إِنْ لَمْ يُشْرَحْ لَهُمُ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ (أَمَّا عِنْدَ مَنْ مَارَسَ فَهِىَ) عِبَارَةٌ (وَاضِحَةُ الْمُرَادِ) وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَلَوْ كَانَ عَاجِزًا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَكِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ مَوْجُودَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ فَثَبَتَ اتِّصَافُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ.


(55) أَىْ لِثُبُوتِ حُدُوثِهِ عَقْلًا كَمَا مَرَّ.

(56) لِأَنَّ الإِرَادَةَ تَأْتِى بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ الْمُعَرَّفَةِ فِى الْمَتْنِ وَتَأْتِى بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى فَبَيَّنَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالإِرَادَةِ هُنَا الْمَشِيئَةُ.

(57) أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ فَيُجْرِى عَلَى أَيْدِيهِمْ مَا شَاءَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ شَاءَ وَلا يُنْسَبُ بِذَلِكَ إِلَى سَفَهٍ أَوْ ظُلْمٍ سُبْحَانَهُ.

(58) أَىْ لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَشِيئَةَ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ فِى الْوُجُودِ أَىْ تَالِيَةٌ لَهُ فَصِفَاتُهُ تَعَالَى الْوَاجِبَةُ لَهُ كُلُّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى هُوَ مَا بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(59) أَىْ لإِظْهَارِ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْعَبْدِ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

(60) مَعْنَى كَلامِ الرَّجُلِ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُطَاعَ فَبَيَّنَ لَهُ السُّنِّىُّ أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ لا يُعْصَى لَمْ يُعْصَ فَلا يَمْنَعُ نَفَاذَ مَشِيئَتِهِ أَحَدٌ إِذْ لَوْ مَنَعَ نَفَاذَهَا مَانِعٌ لَكَانَ اللَّهُ مَقْهُورًا فَحَاجَّهُ مِنْ كَلامِهِ.

(61) لِأَنَّ وَظِيفَةَ الْقُدْرَةِ إِيجَادُ الْمُمْكِنِ الْعَقْلِىِّ وَإِعْدَامُهُ وَالْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ أَصْلًا لِذَاتِهِ فَلا تَعَلُّقَ لِلْقُدْرَةِ بِهِ.