عَذَابُ الْقَبْرِ لِقِسْمٍ مِنَ النَّاسِ مَعْلُومٌ وُقُوعُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (وَ)لِذَلِكَ (يَكْفُرُ مُنْكِرُ عَذَابِ الْقَبْرِ) كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ عِدَّةٌ فَإِنَّ مُنْكِرَهُ مُكَذِّبٌ (لِقَوْلِ اللَّهِ) تَعَالَى فِى سُورَةِ غَافِرٍ (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾) وَهُوَ مُكَذِّبٌ لِأَمْرٍ مَعْلُومٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالضَّرُورَةِ (بِخِلافِ مُنْكِرِ سُؤَالِهِ فَلا يَكْفُرُ) لِكَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَلَكِنَّهُ يَفْسُقُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) إِنْكَارُهُ (عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ)(96) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ عِنْدَئِذٍ.
(الْبَعْثُ)
(الْبَعْثُ حَقٌّ) وَاقِعٌ (وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ) الَّتِى دُفِنُوا فِيهَا (بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِى أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِى يَأْكُلُهَا التُّرَابُ وَهِىَ أَجْسَادُ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ لِمَا) صَحَّ فِى حَدِيثِ أَبِى دَاوُدَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الأَرْضَ لا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ وَلِمَا (تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ) الشُّهَدَاءِ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنْ دَفْنِهِمْ لَمْ تَأْكُلِ الأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ وَقَدْ شُوهِدَ هَذَا فِى شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ مُشَاهَدَةِ (بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ) لَمْ تَبْلَ أَجْسَادُهُمْ عِنْدَ فَتْحِ قُبُورِهِمْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ دَفْنِهِمْ وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فُتِحَ قَبْرُهُ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ دَفْنِهِ فَوُجِدَ صَحِيحَ الْجِسْمِ وَالْكَفَنِ.
(وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِى حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُفِيقُ مِنَ الصَّعْقَةِ لَكِنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَأَجِدُ مُوسَى مُتَعَلِّقًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلا أَدْرِى أَأَفَاقَ قَبْلِى أَوْ جُوزِىَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ اهـ أَىْ فَلَمْ يُصْعَقْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولَى فِى الْبُوقِ لِأَنَّهُ كَانَ صُعِقَ فِى الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَدْرِى هَلْ يَسْبِقُهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِالإِفَاقَةِ أَوْ لا فَنَحْنُ أَوْلَى بِأَنْ لا نَدْرِىَ أَيَّهُمَا يُبْعَثُ أَوَّلًا (وَ)أَمَّا غَيْرُ الأَنْبِيَاءِ فَقَدْ رُوِىَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ (أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ) يَكُونُونَ (مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ).
(الْحَشْرُ)
(وَالْحَشْرُ حَقٌّ) كَائِنٌ (وَهُوَ أَنْ يُجْمَعُوا) أَىِ النَّاسُ (بَعْدَ الْبَعْثِ) وَالْخُرُوجُ مِنَ الْقُبُورِ (إِلَى مَكَانٍ) وَهُوَ أَرْضُ الشَّامِ كَمَا جَاءَ فِى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ أَرْضَ الشَّامِ تُمَدُّ لِتَكُونَ مَحْشَرَ كُلِّ النَّاسِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا مِنَ النَّوَاحِى الْمُخْتَلِفَةِ وَإِنْ كَانَ قِسْمٌ مِنْهُمْ لا يَصِلُها (وَيَكُونُ) ذَلِكَ
(عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ كَالْجِلْدِ الْمَشْدُودِ لا جِبَالَ فِيهَا وَلا وِدْيَانَ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ) فَإِنَّ النَّاسَ بَعْدَ الْبَعْثِ يُنْقَلُونَ إِلَى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّرَاطِ فَتُبَدَّلُ أَوْصَافُ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِى خَرَجُوا مِنْهَا ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَشْرُهُمْ عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ (وَيَكُونُ الْحَشْرُ) لِلنَّاسِ (عَلَى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ قِسْمٌ) مِنْهُمْ (طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا) جَمْعُ رِحَالَةٍ وَكَانَ الْعَرَبُ يُطْلِقُونَهَا عَلَى السَّرْجِ مِنْ جِلْدٍ لَيْسَ فِيهَا خَشَبٌ كَمَا فِى اللِّسَانِ وَأَمَّا رَحَائِلُ هَذِهِ النُّوقِ فَهِىَ (مِنْ ذَهَبٍ وَ)رَاكِبُوهَا (هُمُ الأَتْقِيَاءُ. وَقِسْمٌ) ثَانٍ يُحْشَرُونَ (حُفَاةً عُرَاةً وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ. وَقِسْمٌ) ثَالِثٌ (يُحْشَرُونَ وَ)هُمْ (يُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ) بِأَنْوَاعِهِمْ.
(الْحِسَابُ)
(وَالْحِسَابُ حَقٌّ) حَاصِلٌ بِلا رَيْبٍ (وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ) مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ الذَّاتِىَّ (فَيَفْهَمُونَ مِنْ كَلامِ اللَّهِ) تَعَالَى (السُّؤَالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِى أَعْطَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ وَلا يُسَرُّ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهُ فِى الآخِرَةِ بَلْ يَكَادُ يَغْشَاهُ الْمَوْتُ) مِنْ شِدَّةِ ضِيقِهِ (فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) مَرْفُوعًا (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ اهـ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ) وَقَالَ هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ.
كَمَا يُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ الْكِتَابَ الَّذِى كَتَبَهُ لَهُ الْمَلَكَانِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ فَإِنْ كَانَ تَقِيًّا قَالَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ فِى سُورَةِ الْحَاقَّةِ ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّى ظَنَنْتُ أَنِّى مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِى الْقُرْءَانِ ﴿يَا لَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
(الْمِيزَانُ)
(وَالْمِيزَانُ) أَىْ مِيزَانُ الآخِرَةِ (حَقٌّ وَهُوَ) جِسْمٌ مَحْسُوسٌ (كَمِيزَانِ الدُّنْيَا) مِنْ حَيْثُ تَرْكِيبُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ حَيْثُ حَجْمُهُ (لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لِيَظْهَرَ مَنْ يَسْتَحِقُّ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ عَذَابَ النَّارِ (وَالَّذِى يَتَوَلَّى وَزْنَهَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ) عَلَيْهِمَا السَّلامُ
(وَمَا) الَّذِى (يُوزَنُ) يَوْمَئِذٍ قَالَ بَعْضُهُمُ الأَعْمَالُ نَفْسُهَا يُحَوِّلُهَا اللَّهُ أَجْسَامًا فَتُوزَنُ وَقَالَ ءَاخَرُونَ (إِنَّمَا هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِى كُتِبَ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ) فَتُوضَعُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِى كَفَّةٍ وَصَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِى كَفَّةٍ (فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ مِنَ أَهْلِ النَّجَاةِ) وَالْفَوْزِ (وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنَ الطَّبَقَةِ الأُولَى وَأَرْفَعُ مِنَ الثَّالِثَةِ) وَهَؤُلاءِ هُمْ أَهْلُ الأَعْرَافِ وَهُوَ سُورُ الْجَنَّةِ يَمْكُثُونَ مُدَّةً عَلَيْهِ ثُمَّ يَدْخُلُونَهَا (وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ) مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ وَهُوَ (تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) مُدَّةً فِى النَّارِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَذَابٍ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَرْجَحُ كَفَّةُ سَيِّئَاتِهِ لا غَيْرُ لِأَنَّهُ لا حَسَنَاتِ لَهُ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّهُ أُطْعِمَ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا) كَمَا صَحَّ مَرْفُوعًا فِى حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَابْنِ حِبَّانَ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا اهـ.
(96) أَىْ بِأَنْ يُنْكِرَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ فِى الْقَبْرِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِى دِينِ اللَّهِ.
