(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَقْلًا) وَشَرْعًا (الْبَصَرُ أَىِ الرُّؤْيَةُ) وَهُوَ صِفَةُ مَعْنًى قَدِيمَةٌ يَنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهَا كُلُّ مَوْجُودٍ عَلَى مَا هُوَ بِهِ انْكِشَافًا لَيْسَ هُوَ انْكِشَافَ السَّمْعِ وَالْعِلْمِ فَعَلَى هَذَا(54) هِىَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَالسَّعْدِ هِىَ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُبْصَرَاتِ فَتُدْرَكُ إِدْرَاكًا تَامًّا لا عَلَى سَبِيلِ التَّخَيُّلِ أَوِ التَّوَهُّمِ وَلا عَلَى طَرِيقِ تَأَثُّرِ حَاسَّةٍ وَوُصُولِ ضَوْءٍ (فَهُوَ) سُبْحَانَهُ (يَرَى بِرُؤْيةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ الْمَرْئِيَّاتِ جَمِيْعَهَا فَيَرَى ذَاتَهُ بِغَيْرِ حَدَقَةٍ وَجَارِحَةٍ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ). وَلا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْبَصَرِ قِدَمُ الْمُبْصَرَاتِ كُلِّهَا عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ فِى السَّمْعِ. وَالرَّاجِحُ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ الأَوَّلُ أَىْ أَنَّ الْبَصَرَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ.
(وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْبَصَرِ لَهُ عَقْلًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا رَائِيًا لَكَانَ أَعْمَى وَالْعَمَى أَىْ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلٌ) قَالَهُ الأَشْعَرِىُّ فِى اللُّمَعِ (وَدَلِيلُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ السَّمْعِىُّ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الشُّورَى (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾) وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ﴾ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ طَهَ ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وَفِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى تَعْدَادِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَهُوَ فِى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ) فِى كِتَابِ الدَّعَوَاتِ مِنْ سُنَنِهِ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) كَمَا فِى كِتَابِ الرَّقَائِقِ مِنَ الإِحْسَانِ.
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ (الْكَلامُ)
(الْكَلامُ هُوَ صِفَةٌ) ذَاتِيَّةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِى (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ هُوَ) تَعَالَى (مُتَكَلِّمٌ بِهَا ءَامِرٌ نَاهٍ وَاعِدٌ مُتَوَعِّدٌ لَيْسَ كَكَلامِ غَيْرِهِ بَلْ) هُوَ وَاحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَدُّدِ وَالتَّعَاقُبِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّقَطُّعِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَتَأْخِيرِهِ فَهُوَ (أَزَلِىٌّ بِأَزَليَّةِ الذَّاتِ) إِذْ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَكَانَ الذَّاتُ حَادِثًا لِاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِالْقَدِيمِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فَهُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (لا يُشْبِهُ كَلامَ الْخَلْقِ وَلَيْسَ بِصَوْتٍ يَحْدُثُ مِنَ انْسِلالِ الْهَوَاءِ أَوِ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ وَلا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ بِإِطْبَاقِ شَفَةٍ أَوْ) يَحْدُثُ بِسَبَبِ (تَحْرِيكِ لِسَانٍ). وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الْكَلامِ لَهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَخْرَسَ وَهُوَ صِفَةُ نَقْصٍ لا تَلِيقُ بِاللَّهِ قَالَهُ الأَشْعَرِىُّ فِى اللُّمَعِ.
هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى (وَ)قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ اللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْكَلامِ فِى غَيْرِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ إِذْ لا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْكَلامُ قَائِمًا بِغَيْرِهِ ثُمَّ يَكُونُ هُوَ مُتَكَلِّمًا بِهِ دُونَ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ مُصَوِّتًا لِأَنَّهُ خَلَقَ الأَصْوَاتَ فِى غَيْرِهِ وَنَائِمًا لِأَنَّهُ خَلَقَ النَّوْمَ فِى غَيْرِهِ إِلَى غَيْرِ
ذَلِكَ مِمَّا لا يُشَكُّ فِى بُطْلانِهِ وَيَلْزَمُهُمْ إِذْ قَالُوا ذَلِكَ وَزَعَمُوا بِنَاءً عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْمَعْ كَلامَ اللَّهِ الذَّاتِىَّ بَلْ سَمِعَ كَلامًا مَخْلُوقًا فِى شَجَرَةٍ أَنْ تَكُونَ الشَّجَرَةُ قَدْ كَلَّمَتْ سَيِّدَنَا مُوسَى وَقَالَتْ إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ كَيْفَ وَقَدْ أَسْنَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَلامَ إِلَى نَفْسِهِ وَأَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ فَقَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَالتَّأْكِيدُ بِالْمَصْدَرِ يُفِيدُ نَفْىَ الْمَجَازِ وَقَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ ﴿إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِى وَبِكَلامِى﴾ بَلْ (نَعْتَقِدُ أَنَّ مُوسَى) عَلَيْهِ السَّلامُ (سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ) الْوَاحِدَ (بِغَيْرِ حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُونَ ذَاتَ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا وَلا عَرَضًا لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يُحِيلُ سَمَاعَ مَا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَ)إِنْ كُنَّا لا نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَ ذَلِكَ وَتَخَيُّلَهُ إِذْ إِنَّنَا عَاجِزُونَ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ صِفَاتِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ كَعَجْزِنَا عَنْ إِدْرَاكِ ذَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَإِنْ قُلْتَ إِذًا (كَلامُهُ تَعَالَى) عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمَعْنَى (الذَّاتِىُّ) الْقَائِمُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِى (لَيْسَ حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً كَكَلامِنَا) فَهَلْ يُطْلَقُ كَلامُ اللَّهِ أَيْضًا عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ مِنَّا) هَذَا الْكَلامَ الْمُنَزَّلَ هَلْ يُقَالُ إِنَّهُ قَرَأَ (كَلامَ اللَّهِ) مَعَ أَنَّ جَوَارِحَهُ مَخْلُوقَةٌ وَأَلْفَاظَهُ حَادِثَةٌ
(فَقِرَاءَتُهُ حَرْفٌ وَصَوْتٌ) وَ(لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً) الْجَوَابُ نَعَمْ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ كَلامُ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ َكَلامَ اللَّهِ لَهُ إِطْلاقَانِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَلامُ الذَّاتِىُّ الَّذِى هُوَ صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَدْ نُقِلَ هَذَا التَّفْصِيلُ)
أَىْ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ تَعَالَى الَّتِى لَيْسَتْ حَرْفًا وَلا صَوْتًا (عَنِ) الإِمَامِ (أَبِى حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ) رُؤُوسِ (السَّلَفِ) فَإِنَّهُ (أَدْرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمِائَةِ الأُولَى) إِذْ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ (ثُمَّ تُوُفِّىَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ هِجْرِيَّةً) فَإِنَّهُ (قَالَ وَاللَّهُ يَتَكَلَّمُ لا بِآلَةٍ وَحَرْفٍ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِآلَةٍ وَحَرْفٍ) وَنَصُّ
كَلامِهِ وَيَتَكَلَّمُ لا كَكَلامِنَا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ مِنَ الْمَخَارِجِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِلا ءَالَةٍ وَلا حَرْفٍ اهـ (فَلْيُفْهَمْ ذَلِكَ. وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ بِأَنَّ السَّلَفَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَإِنَّمَا هَذَا بِدْعَةُ الأَشَاعِرَةِ) وَمُرَادُهُمْ بِهَذَا صَرْفُ النَّاسِ عَنِ التَّنْزِيهِ إِلَى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ الَّذِى لا
يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِأَصْوَاتٍ وَحُرُوفٍ تَقُومُ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ فَجَعَلُوا الْحُرُوفَ الْحَادِثَةَ الَّتِى يَبْدَأُ بَعْضُهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْبَعْضِ الآخَرِ وَيَنْتَهِى بَعْضُهَا قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْبَعْضِ الآخَرِ قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَزَعَمُوا مَعَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ لا ابْتِدَاءَ لَهَا مَعَ أَنَّ حُدُوثَهَا مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْحِسِّ فَخَرَجُوا عَنْ دَائِرَةِ الْعَقْلِ وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذِهِ الشَّنَاعَةِ شَنَاعَةً أُخْرَى فَقَالَ بِأَنَّ الْمِدَادَ إِذَا كُتِبَ بِهِ حُرُوفُ الْقُرْءَانِ صَارَ قَدِيمًا لا بِدَايَةَ لَهُ وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا جُنُونًا وَمُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى فِى قَوْلِهِمْ بِاتِّحَادِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَسَادِ الْعَقْلِ وَالشُّذُوذِ فِى الِاعْتِقَادِ.
(وَهَذَا الْكَلامُ مِنَ) الإِمَامِ (أَبِى حَنِيفَةَ) عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ (ثَابِتٌ) عَنْهُ (ذَكَرَهُ فِى) رِسَالَةِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ لَهُ وَهِىَ (إِحْدَى رَسَائِلِهِ الْخَمْسِ) الَّتِى صَحَّتْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْمُحَدِّثُ الْحَافِظُ اللُّغَوِىُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِىُّ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِهِ عَلَى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ.
(وَ)لِزِيَادَةِ إِيضَاحِ هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ نَقُولُ (الْقُرْءَانُ لَهُ إِطْلاقَانِ يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنْـزَّلِ عَلَى) سَيِّدِنَا (مُحَمَّدٍ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الإِسْرَاءِ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ الآيَةَ وَكَمَا فِى قَوْلِكَ قَرَأْتُ رُبُعَ الْقُرْءَانِ أَوْ نِصْفَهُ (وَ)يُطْلَقُ (عَلَى الْكَلامِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ الَّذِى لَيْسَ هُوَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَلا لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلا غَيْرِهَا)
وَهُوَ بِهَذَا الإِطْلاقِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْقَائِمِ بِذَاتِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ الَّذِى يُرِيدُهُ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِمُ الْقُرْءَانُ كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ (فَإِنْ قُصِدَ بِهِ) أَىِ بِالْقُرْءَانِ وَكَذَا بِالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالتَّوْرَاةِ (الْكَلامُ الذَّاتِىُّ فَهُوَ أَزَلِىٌّ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ وَبِسَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ فَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ)
كَالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ (وَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ) كَالإِنْجِيلِ وَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَىِ الْقُرْءَانُ (وَهَذِهِ اللُّغَاتُ وَغَيْرُهَا مِنَ اللُّغَاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فَخَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَصَارَتْ مَوْجُودَةً وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَىْءٍ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا قَبْلَهَا وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَ)لِذَلِكَ لا يَقْبَلُ الْعَقْلُ أَنْ يَكُونَ (كَلامُهُ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ)
الْقَدِيمَةُ الأَزَلِيَّةُ بِلُغَةٍ مِنْ هَذِهِ اللُّغَاتِ الْمَخْلُوقَةِ الْحَادِثَةِ بَلْ هُوَ مَعْنًى قَدِيمٌ قَائِمٌ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ (أَزَلِىٌّ أَبَدِىٌّ وَهُوَ كَلامٌ وَاحِدٌ) لا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُتَعَدِّدٌ وَلا بِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا (وَهَذِهِ الْكُتُبُ الْمُنْزَلَةُ) الْمُرَكَّبَةُ مِنْ أَلْفَاظٍ تَتَعَاقَبُ وَحُرُوفٍ تَتَوَالَى فَيَسْبِقُ بَعُضُهَا بَعْضًا وَيَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا (كُلُّهَا عِبَارَاتٌ عَنْ ذَلِكَ الْكَلامِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ)
تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ عَيْنَهُ (وَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعِبَارَةِ حَادِثَةً كَوْنُ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ حَادِثًا أَلا تَرَى أَنَّنَا إِذَا كَتَبْنَا عَلَى لَوْحٍ أَوْ جِدَارٍ) لَفْظَ (اللَّهِ فَقِيلَ هَذَا اللَّهُ فَهَلْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أَشْكَالَ الْحُرُوفِ الْمَرْسُومَةَ هِىَ ذَاتُ اللَّهِ) الْمَعْبُودُ (لا يَتَوَهَّمُ هَذَا عَاقِلٌ) وَ(إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ عِبَارَةٌ عَنِ الإِلَهِ الَّذِى هُوَ مَوْجُودٌ مَعْبُودٌ خَالِقٌ لِكُلِّ شَىْءٍ)
وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (وَمَعَ هَذَا لا يُقَالُ الْقُرْءَانُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مَخْلُوقٌ) لِأَنَّ هَذَا الإِطْلاقَ يُوهِمُ أَنَّ صِفَةَ الْكَلامِ الأَزَلِيَّةَ مَخْلُوقَةٌ لا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْقُرْءَانِ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الصِّفَةِ
الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ (لَكِنْ يُبَيَّنُ فِى مَقَامِ التَّعْلِيمِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ لَيْسَ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ) فَهُوَ (حَادِثٌ مَخْلُوقٌ قَطْعًا لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفِ مَلَكٍ وَلا بَشَرٍ فَهُوَ) كَمَا قَدَّمْنَا (عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلامِ الذَاتِىِّ الَّذِى لا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِىٌّ وَلا بِأَنَّهُ عِبْرَانِىٌّ وَلا بِأَنَّهُ سُرْيَانِىٌّ وَكُلٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ أَىْ أَنَّ صِفَةَ الْكَلامِ الْقَائِمَةَ بِذَاتِ اللَّهِ يُقَالُ لَهَا كَلامُ اللَّهِ، وَاللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ الَّذِى هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ كَلامُ اللَّهِ وَالإِطْلاقَانِ مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ)
لا الْمَجَازِ (لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إِمَّا لُغَوِيَّةٌ وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ) فَالْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ هِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى الْمَعْنَى الَّذِى وُضِعَ بِإِزَائِهِ فِى أَصْلِ اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَالْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ هِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِى الْعُرْفِ
وَإِطْلاقُ الْقُرْءَانِ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً (وَإِطْلاقُ الْقُرْءَانِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ. وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ) وَكَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِتَأْكِيدِ تَقْرِيرِ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُطَالِعِ (أَنَّ لَفْظَ الْجَلالَةِ اللَّه عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ، فَإِذَا قُلْنَا نَعْبُدُ اللَّهَ فَذَلِكَ الذَّاتُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِذَا كُتِبَ هَذَا اللَّفْظُ فَقِيلَ مَا هَذَا يُقَالُ اللَّهُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الذَّاتِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ لا بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِىَ الذَّاتُ الَّذِى نَعْبُدُهُ) وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّكْوِيرِ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَقْرُوءُ جِبْرِيلَ وَلَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِىِّ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ الْمُرَادِ بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ فِى هَذِهِ الآيَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ.
(54) أَىْ فَعَلَى تَعْرِيفِ الْبَصَرِ أَنَّهُ صِفَةٌ يَنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهَا كُلَّ مَوْجُودٍ هِىَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ خِلافًا لِمَا ذَكَرَ السَّعْدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ.
