(اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى قِيَامِهِ بِنَفْسِهِ هُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ) فَهِىَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَهِىَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِغْنَائِهِ تَعَالَى عَنِ الْفَاعِلِ (فَلا يَحْتَاجُ) رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى (إِلَى مُخَصِّصٍ لَهُ) بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ وَ(بِالْوُجُودِ) دُونَ الْعَدَمِ (لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَى الْغَيْرِ يُنَافِى قِدَمَهُ) سُبْحَانَهُ (وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ قِدَمِهِ وَبَقَائِهِ) فَلا يَنْتَفِعُ رَبُّنَا تَعَالَى بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ كَمَا أَنَّهُ لا يَنْضَرُّ بِعِصْيَانِ الْعُصَاةِ وَكُلُّ شَىْءٍ سِوَاهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ وَلا يَسْتَغْنِى عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ.
الصِّفَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ (الْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ)
(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْحَوَادِثِ) كُلِّهَا فِى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ وَهِىَ أَىِ الْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ (بِمَعْنَى أَنَّـهُ) تَعَالَى (لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ) فَهِىَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْىِ الْمُمَاثَلَةِ لِلْحَوَادِثِ (فلَيْسَ هُوَ بِجَوْهَرٍ يَشْغَلُ حَيِّزًا وَلا عَرَضٍ) يَقُومُ بِالْجَوْهَرِ وَلا لازِمٍ لَهُمَا كَالْجِرْمِيَّةِ وَالْمَقَادِيرِ وَالْقِصَرِ وَالطُّولِ وَالْعُمْقِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْجِهَاتِ السِّتِّ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَأَمَامٍ وَخَلْفٍ وَفَوْقٍ وَتَحْتٍ وَمَا هُوَ بِمَعْنَاهَا كَنَحْوِ جَانِبٍ وَقُدَّامٍ وَوَرَاءٍ وَأَسْفَلٍ وَالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بِالْمَسَافَةِ.
(وَالْجَوْهَرُ مَا لَهُ تَحَيُّزٌ وَقِيَامٌ بِذَاتِهِ كَالأَجْسَامِ وَالْعَرَضُ مَا لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّما يَقُومُ بِغَيْرِهِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ) وَبُرْهَانُ وُجُوبِ الْمُخَالَفَةِ لِلْحَوَادِثِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ شَابَهَ الْحَوَادِثَ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا فِى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنَ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ
وَالْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَاحْتَاجَ إِلَى مَنْ يُخَصِّصُهُ وَيُغَيِّرُهُ فَيَكُونُ حَادِثًا مُحْتَاجًا إِلَى مُحْدِثٍ وَهُوَ مُحَالٌ (وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أبُو حَنِيفَةَ فِى بَعْضِ رَسَائِلِهِ فِى عِلْمِ الْكَلامِ) وَهِىَ رِسَالَةُ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ (أَنَّى يُشْبِهُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ) اهـ (مَعْنَاهُ لا يَصِحُّ عَقْلًا وَلا نَقْلًا أَنْ يُشْبِهَ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ) وَكَلامُ الإِمَامِ هَذَا
أَخَذَهُ مِنَ الْبَرَاهِينِ النَّقْلِيَّةِ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الشُّورَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَهُوَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ نَقْلِىٍّ فِى ذَلِكَ جَاءَ فِى الْقُرْءَانِ لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُفْهِمُ التَّنْزِيهَ الْكُلِّىَّ لِأَنَّ لَفْظَ شَىْءٍ فِيهَا وَرَدَ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ وَالنَّكِرَةُ إِذَا وَرَدَتْ فِى سِيَاقِ النَّفْىِ كَانَتْ لِلشُّمُولِ فَأَفْهَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ أَىَّ شَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالشَّىْءُ يَشْمَلُ الأَجْرَامَ وَالأَعْرَاضَ فَنَفَى تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مُشَابَهَةَ ذَوِى الأَرْوَاحِ وَمُشَابَهَةَ الْجَمَادَاتِ مِنَ الأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَلَمْ يُقَيِّدْ نَفْىَ الشَّبَهِ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ بِجَوْهَرٍ دُونَ جَوْهَرٍ أَوْ عَرَضٍ دُونَ عَرَضٍ أَوْ نَوْعٍ مِنَ الْحَوَادِثِ دُونَ نَوْعٍ فَأَفَادَتِ الآيَةُ نَفْىَ مُشَابَهَةِ
اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَهَذَا يَشْمَلُ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَالْكَمِيَّةِ وَالْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ (وَ)لِذَلِكَ (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ) حَمْدٌ (الْخَطَّابِىُّ إِنَّ الَّذِى يَجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيْسَ بِذِى صُورَةٍ وَلا هَيْئَةٍ فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِى الْكَيْفِيَّةَ وَهِىَ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ) اهـ ذَكَرَهُ فِى شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِىِّ عِنْدَ الْكَلامِ عَنْ حَدِيثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ وَ(رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَ)لَكِنْ (قَدْ تُطْلَقُ الْكَيْفِيَّةُ بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ) فَتُضَافُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (كَمَا فِى قَوْلِ بَعْضِهِمْ) مِنَ الْبَسِيطِ
(كَيْفِيَّةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِى الْقِدَمِ
وَمُرَادُ هَذَا الْقَائِلِ) بِالْكَيْفِيَّةِ (الْحَقِيقَةُ. وَهَذَا الْبَيْتُ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِىُّ) فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ وَنَسَبَهُ إِلَى سَيِّدِنَا عَلِىٍّ (وَ)ذَكَرَهُ (ابْنُ الْجَوْزِىِّ) فِى دَفْعِ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ (وَغَيْرُهُمَا) كَابْنِ الْعِمَادِ الْحَنْبَلِىِّ.
قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ قِيلَ
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكَيْفَ يُدْرِكُ كُنْهَ الْخَالِقِ الأَزَلِىِّ
لَكَانَ أَحْسَنَ فَإِنَّ فِى التَّعْبِيرِ بِكَيْفِيَّةِ الْجَبَّارِ بِشَاعَةً اهـ
(وَ)لَخَّصَ بَعْضُهُمْ مَا تَقَدَّمَ فِى قَاعِدَةٍ وَجِيزَةٍ نَافِعَةٍ كَمَا (قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ) أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ (وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ) اهـ (وَ)أَبُو جَعْفَرٍ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ كَبِيرُ الْمَحَلِّ فِى الْفَضْلِ وَ(هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ) وَتُوُفِّىَ فِى أَوَّلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ (فَهُوَ دَاخِلٌ فِى حَدِيثِ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ اهـ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ) فِى سُنَنِهِ (وَالْقَرْنُ الْمُرَادُ بِهِ مِائَةُ سَنَةٍ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بنُ عَسَاكِرَ فِى كِتَابِهِ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِى الَّذِى أَلَّفَهُ فِى التَّنْوِيهِ بِأَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ).
(صِفَاتُ اللَّهِ كُلُّهَا كَامِلَةٌ)
(صِفَاتُ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لِأَنَّ الذَّاتَ أَزَلِىٌّ فَلا تَحْصُلُ لَهُ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ فِى الأَزَلِ) وَلا تَتَطَوَّرُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَلا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ وَلا بِنُقْصَانٍ (أَمَّا صِفَاتُ الْخَلْقِ فَهِىَ حَادِثَةٌ تَقْبَلُ التَّطَوُّرَ مِنْ كَمَالٍ إِلَى أَكْمَلَ) عَلَى خِلافِ مَا ذَكَرْنَا فِى صِفَاتِ اللَّهِ (فَلا يَتَجَدَّدُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى شَىْءٌ) فَلا يَزِيدُ (وَ)لا يَنْقُصُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ
وَالنُّقْصَانَ تَغَيَّرٌ وَهُوَ عَلامَةُ الْحُدُوثِ كَمَا قَدَّمْنَا فَنَقُولُ (اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَىءٍ بِعلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَمَشِيئَتِه الأَزَلِيَّةِ. فَالْمَاضِى وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ أَحَاطَ بِهِ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ) حَتَّى أَنْفَاسَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ الَّتِى تَتَجَدَّدُ بِلا انْقِطَاعٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى تَفَاصِيلَهَا (وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى)
فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ فَلَيسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّه سَوْفَ يَعْلَمُ الْمُجَاهِدِينَ بَعْدَ أَنْ لَم يَكُنْ عَالِمًا بِهِم بِالِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ مَعْنَى الآيَةِ حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ حَتَّى نُظْهِرَ لِلْعِبَادِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ) فَتَعْرِفُ الْمَلائِكَةُ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ هَذَا صَادِقٌ صَابِرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَابِرٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ (وَيَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالى يَكْتَسِبُ عِلْمًا جَدِيدًا) لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فِى الأَزَلِ.
(وَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّهَا كَامِلَةٌ) كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الأَعْرَافِ (﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾ أَىْ فَلِلَّهِ تَعَالَى الأَسْمَاءُ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْمٌ لا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ أَوْ يُوهِمُ نَقْصًا كَمَا فَعَلَ سَيِّدُ قُطْبٍ فِى بَعْضِ
كُتُبِهِ حَيْثُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى رِيشَةً وَفِعْلُهُ هَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْىِ الْمَذْكُورِ فِى الآيَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ مِنَ الإِلْحَادِ فِى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى رُوحًا أَوْ جَارًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ(64) وَالإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ(65) وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَصِفَ اللَّهَ
إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَلا أَنْ نُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ إِلَّا مَا ثَبَتَ فِى الْقُرْءَانِ أَوْ فِى السُّنَّةِ أَوْ بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ (وَ)قَدْ (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النَّحْلِ (﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾) أَىْ وَلِلَّهِ صِفَاتُ الْكَمَالِ الَّتِى لا تُشْبِهُ وَصْفَ غَيْرِهِ (فَيَسْتَحِيلُ فِى حَقِّهِ تَعَالَى أَىُّ نَقْصٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى) فِى سُورَةِ ءَالِ عِمْرَانَ (﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾)
فَفِيهِ إِسْنَادُ الْمَكْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ فِى سِيَاقِ الْمُشَاكَلَةِ فَلا يَكُونُ كَمَكْرِ الْعِبَادِ (فَالْمَكْرُ مِنَ الْخَلْقِ خُبْثٌ وَخِدَاعٌ لإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْغَيْرِ بِاسْتِعْمَالِ حِيلَةٍ وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُجَازَاةُ الْمَاكِريِنَ بِالْعُقُوبَةِ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرُونَ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إِنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (أَقْوَى فِى إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ منْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ فَالْمَكْرُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَالِ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى)
فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ (﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخِفُّ بِالْمُنَافِقِينَ كَمَا يَسْتَخِفُّ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ (أَىْ) كَلِمَةُ يَسْتَهْزِئُ فِى الْقُرْءَانِ فِى سِيَاقِ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الْمُجَازَاةِ لِلْكُفَّارِ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا عِنْدَمَا يَجْتَمِعُونَ بِأَمْثَالِهِمْ يَتَكَلَّمُونَ بِذَمِّ الإِسْلامِ وَكَرَاهِيَتِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَبِعِبَادِ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّـهُ (يُجَازِيهِمْ) بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ (عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ) وَسَمَّى هَذِهِ الْمُجَازَاةَ اسْتِهْزَاءً مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِثَالُهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ
قَالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ اطْبُخُوا لِى جُبَّةً وَقَمِيصًا
وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أَىْ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ خَالِدِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ عَذَابُهَا.
(وَ)إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ حُكْمُ إِضَافَةِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ شَرَحَهُ الْمُصَنِّفُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ (اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِإِثْبَاتِ مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَغَيْرِهَا) مِمَّا أُضِيفِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى) وَجْهِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى
الْمَوْصُوفِ فَنَعْتَقِدُ (أَنَّهَا صِفَاتٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ) أَىْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا وَ(لا) نُحِيطُ نَحْنُ بِحَقِيقَتِهَا وَلا نَحْمِلُهَا (عَلَى أَنَّهَا جَوَارِحُ وَانْفِعَالاتٌ كَأَيْدِينَا وَوُجُوهِنَا وَعُيُونِنَا وَغَضَبِنَا فَإِنَّ الْجَوَارِحَ) وَالِانْفِعَالاتِ (مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الشُّورَى (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ) تَعَالَى فِى سُورَةِ الإِخْلاصِ (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾)
أَىْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَدِيلٌ(66) وَلا مَثِيلٌ (قَالُوا لَوْ كَانَ لِلَّهِ عَيْنٌ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ وَالْجِسْمِ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ فَضْلًا عَنْ مِثْلٍ وَاحِدٍ وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَلَكَانَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ مُقْتَضَى الْبُرْهَانِ الْعَقْلِىِّ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الدَّلائِلَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ)
أَظْهَرُهَا (طُرُوءُ صِفَاتٍ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ وَالتَّحَوُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَلا يَصِحُّ إِهْمَالُ الْعَقْلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لا يَأْتِى إِلَّا بِمُجَوَّزَاتِ الْعَقْلِ) أَىْ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ فِى حُكْمِ الْعَقْلِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الأُصُولِ مِنْهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِىُّ وَأَبُو إِسْحَقَ الشِّيرَازِىُّ وَغَيْرُهُمَا (أَىْ) فَلا يَأْتِى الشَّرْعُ (إِلَّا بِمَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ) أَىِ
الْعَقْلَ (شَاهِدُ الشَّرْعِ) كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْحَجِّ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْمُلْكِ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فَالْعَقْلُ يَقْضِى بِأَنَّ الْجِسْمَ وَالْجِسْمَانِيَّاتِ أَىِ الأَحْوَالَ الْعَارِضَةَ لِلْجِسْمِ مُحْدَثَةٌ لا مَحَالَةَ وَأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ لِمُحْدِثٍ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّصِفُ بِهَا لَهُ مُحْدِثٌ) فَيَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى غَيْرِهِ (وَلا تَصِحُّ الأُلُوهِيَّةُ لِمَنْ) يَتَغَيَّرُ وَيَتَحَوَّلُ وَ(يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ) كَمَا سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
هَذَا فِى الإِضَافَاتِ الَّتِى قَامَتِ الأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّهَا إِضَافَاتُ صِفَاتٍ وَأَمَّا مَا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّـهُ صِفَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ فَلا يَصِحُّ إِجْرَاؤُهُ مُجْرَاهَا فَلا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا إِنَّ النَّاقَةَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِى سُورَةِ الشَّمْسِ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ وَلا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْكَعْبَةَ صِفَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ لِأَنَّنَا
نُسَمِّيهَا بَيْتَ اللَّهِ بَلِ الإِضَافَةُ هُنَا إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَمِلْكٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْجَنْبُ وَالإِصْبِعُ وَالصُّورَةُ وَالْقَدَمُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْجَنْبَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِى سُورَةِ الزُّمَرِ إِخْبَارًا عَنِ الْكُفَّارِ ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فرَّطْتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ وَلا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الإِصْبِعَ صِفَةٌ لِلَّهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبِعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ
الرَّحْمٰنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ اهـ وَلا أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِالصُّورَةِ لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِىِّ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمٰنِ اهـ وَلا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْقَدَمَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِحَدِيثِ فَيَضَعُ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطٍ قَطٍ اهـ بَلْ مَعْنَى تَحَسُّرِ الْكَافِرِ عَلَى مَا فَرَّطَ فِى جَنْبِ اللَّهِ أَىْ تَحَسُّرُهُ عَلَى تَقْصِيرِهِ فِى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ
اللَّهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الأَصَابِعُ أَنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ فِى قَبْضَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَدِيثُ الَّذِى فِيهِ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمٰنِ أَىْ عَلَى الصُّورَةِ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ هِىَ بِلَفْظِ عَلَى صُورَتِهِ بِالإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ إِذْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِىَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ
فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ ءَادَمَ عَلَى صُورَتِهِ اهـ أَىْ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ فَاحْتَمَلَ احْتِمَالًا قَوِيًّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرُّوَاةِ قَدْ ظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ يَرْجِعُ إِلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ اللَّه فَرَوَاهُ بِلَفْظٍ مِنْ عِنْدِهِ فَأَخْطَأَ وَمَعْنَى وَضْعِ الْجبَّارِ قَدَمَهُ فِى النَّارِ إِدْخَالُ الْفَوْجِ الَّذِينَ يُقَدَّمُونَ إِلَى النَّارِ فَتَمْتَلِئُ بِهِمْ كَمَا قَالَ النَّضْرُ
بنُ شُمَيْلٍ وَالأَزْهَرِىُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّتِى فِيهَا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا ءَاخَرَ اهـ وَمِنَ الإِلْحَادِ فِى صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَالِسٌ لا كَجُلُوسِنَا أَوْ إِنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ فَإِنَّ الْجُلُوسَ لا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذِى نِصْفَيْنِ أَعْلَى وَأَسْفَل وَمَقْعَدَةٍ يُلاقِى بِهَا الْجَالِسُ
مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ إِنَّ اللَّهَ جَالِسٌ فَقَدْ نَسَبَ إِلَيْهِ صِفَاتِ النَّقْصِ هَذِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ إِذْ لا تَحْتَمِلُ عِبَارَتُهُ غَيْرَ هَذَا فَلا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ لا كَجُلُوسِنَا بَعْدَ ذَلِكَ وَصَارَ حَالُهُ كَحَالِ الْقَائِلِ إِنَّ اللَّهَ نَائِمٌ لا كَنَوْمِنَا أَوْ عَاجِزٌ لا كَعَجْزِنَا فَإِنَّ عِبَارَةَ لا كَنَوْمِنَا وَعِبَارَةَ لا كَعَجْزِنَا لا تَنْفَعَانِ شَيْئًا فِى نَفْىِ الْكُفْرِ عَمَّنْ يَنْسُبُ النَّوْمَ وَالْعَجْزَ إِلَى الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ وَكَذَلِكَ عِبَارَةُ لا كَجُلُوسِنَا لا تُفِيدُ شَيْئًا فِى نَفْىِ الضَّلالِ عَمَّنْ يَنْسُبُ الْجُلُوسَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى(67).
وَعَلَى مِثْلِ هَذَا يَجْرِى الْحُكْمُ فِى حَقِّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ فَإِنَّ الْجِسْمَ هُوَ مَا لَهُ أَبْعَادٌ ثَلاثَةٌ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ وَإِطْلاقُ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ صَرِيحٌ فِى إِضَافَةِ النَّقْصِ إِلَيْهِ فَلا تَنْفَعُ عِبَارَةُ لا كَالأَجْسَامِ بَعْدَ ذَلِكَ فِى مَنْعِ الْحَرَجِ عَنْ قَائِلِهَا. وَلا تَنْسَ رَحِمَكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ وَلا تَسْمِيَتُهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْءَانُ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ فِى السُّنَّةِ أَوْ لَمْ تُجْمِعْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ وَلا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِى الشَّرْعِ إِطْلاقُ الْجُلُوسِ عَلَى اللَّهِ وَلا إِطْلاقُ الْجِسْمِ عَلَيْهِ.
(64) قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى رِوَايَةِ أَبِى يُوسُفَ عَنْهُ وَلا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ أَنْ يَنْطِقَ فِى اللَّهِ بِشَىْءٍ مِنْ ذَاتِهِ وَلَكِنْ يَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَلا يَقُولُ فِيهِ بِرَأْيِهِ شَيْئًا اهـ ذَكَرَهُ الْبَيَاضِىُّ فِى الإِشَارَاتِ وَرَوَاهُ ابْنُ صَاعِدٍ عَنِ الإِمَامِ.
(65) قَالَ الإِمَامُ الأَشْعَرِىُّ فِى اللُّمَعِ فَالأَسْمَاءُ لَيْسَتْ إِلَيْنَا وَلا يَجُوزُ أَنْ نُسَمِّىَ اللَّهَ تَعَالَى بِاسْمٍ لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ وَلا سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ وَلا أَجْمَعَ الْمُسْلِمِونَ عَلَيْهِ وَلا عَلَى مَعْنَاهُ اهـ
(66) أَىْ مُعَادِلٌ أَىْ مُسَاوٍ.
(67) أَىْ فَيُؤَاخَذُ بِنِسْبَتِهِ النَّقْصَ إِلَى اللَّهِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لا كَجُلُوسِنَا لا يَنْفِى أَنَّهُ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لا يَلِيقُ.
