(وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ الْحَدِيدِ (﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ) لا بِالْحِسِّ وَالْجِهَاتِ كَمَا فِى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ لِلْمُفَسِّرِ اللُّغَوِىِّ الْحَافِظِ أَبِى حَيَّانَ الأَنْدَلُسِىِّ (وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ أَيْضًا بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ) كَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيدِىُّ فِى التَّاجِ وَذَلِكَ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى) فِى سُورَةِ النَّحْلِ (﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾)

فَكِلا الْمَعْنَيَيْنِ أَىِ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ وَالنُّصْرَةُ وَالْكِلاءَةُ لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ (وَلَيْسَ) الْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ فِى الآيَتَيْنِ الآنِفَتَىِ الذِّكْرِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْجِسْمِيَّةِ وَلَيْسَ (الْمَعْنِىُّ بِهَا الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ) أَىْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْحُلُولُ أَوِ الِاتِّصَالُ (لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعَالَمِ وَلا)

إِنَّهُ (مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بِالْمَسَافَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنْ صِفَاتِ الْحَجْمِ وَالْحَجْمُ هُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الأَمْرَيْنِ) مِنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَهُوَ حَادِثٌ (وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلا لَيْسَ بِحَادِثٍ) وَقَدْ (نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ) سُبْحَانَهُ (بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾) وَهِىَ الآيَةُ الْفَاذَّةُ(76) الْجَامِعَةُ لِلتَّنْزِيهِ الْكُلِّىِّ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الشَّىْءَ هُوَ مَا ثَبَتَ وُجُودُهُ سَوَاءٌ كَانَ جِسْمًا أَمْ عَرَضًا حَجْمًا أَمْ صِفَةً أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الرَّاغِبُ الأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ الشَّىْءُ الثَّابِتُ الْوُجُودِ اهـ.

(وَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكِبَرِ حَجْمًا وَلا بِالصِّغَرِ وَلا بِالطُّولِ وَلا بِالْقِصَرِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ) وَأَمَّا كِبَرُ الْقَدْرِ وَالدَّرَجَةِ فَيُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَعَلَيْهِ نَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ فِى صَلَوَاتِنَا وَغَيْرِهَا كَلِمَةَ اللَّهُ أَكْبَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ لَنَا أَنْ نَقُولَهَا (وَيَجِبُ طَرْدُ كُلِّ فِكْرَةٍ عَنِ الأَذْهَانِ تُفْضِى) أَىْ تُؤَدِّى (إِلَى تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْدِيدِهِ) فَيَجِبُ نَبْذُ كُلِّ الْخَوَاطِرِ الَّتِى تُفْضِى إِلَى وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمِقْدَارِ وَالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَكُلُّ ذَلِكَ وَهْمٌ(77) أَوْ تَخَيُّلٌ(78) وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُدْرِكُهُ الْوَهْمُ كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ لا يُشْبِهُ ذَلِكَ اهـ

وَ(كَانَ الْيَهُودُ قَدِ) اعْتَقَدُوا فِى اللَّهِ تَعَالَى التَّشْبِيهَ وَأَجَازُوا عَلَيْهِ الْجِسْمِيَّةَ وَصِفَاتِ الْبَشَرِ وَظَنُّوا أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ صُعُودًا وَنُزُولًا وَيَمْشِى وَيُصَارِعُ وَ(نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى) أَيْضًا (التَّعَبَ فَقَالُوا إِنَّهُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ اسْتَرَاحَ فَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ) فَأَثْبَتُوا لَهُ أَيْضًا الْقَفَا وَالِاسْتِلْقَاءَ وَالْمُمَاسَّةَ لِلْعَرْشِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ

ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا (وَ)لا يَخْفَى أَنَّ (قَوْلَهُمْ هَذَا كُفْرٌ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ) فَمَنْ ضَاهَاهُمْ(79) فِى قَوْلِهِمْ أَوْ فِى مَا يُشْبِهُهُ كَانَ مِثْلَهُمْ (وَ)الَّذِى عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَهُ أَنَّ الرَّبَّ جَلَّ وَعَزَّ مُتَعَالٍ (عَنِ الِانْفِعَالِ كَالإِحْسَاسِ بِالتَّعَبِ وَالآلامِ وَاللَّذَّاتِ) وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ لِأَنَّهَا عَلامَاتُ الِاحْتِيَاجِ وَسِمَاتُ الْحُدُوثِ (فَالَّذِى تَلْحَقُهُ هَذِهِ الأَحْوَالُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا مَخْلُوقًا يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ وَهَذَا)

أَكْبَرُ أَدِلَّةِ الْحُدُوثِ فَلا جَرَمَ أَنَّـهُ (يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) كَمَا (قَالَ) رَبُّنَا (تَعَالَى) فِى سُورَةِ ق (﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاِت وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾) أَىْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأَرْضَ يَوْمَىِ الأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِى يَوْمَىِ الثُّلاثَاءِ وَالأَرْبِعَاءِ ثُمَّ خَلَقَ الْبَهَائِمَ وَالأَشْجَارَ وَمَرَافِقَ الْمَعِيشَةِ

يَوْمَىِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَفِى ءَاخِرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خَلَقَ سَيِّدَنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَلَمْ يَلْحَقِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ تَعَبٌ وَلا لُغُوبٌ وَ(إِنَّمَا يَلْغُبُ مَنْ يَعْمَلُ بِالْجَوَارِحِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَارِحَةِ) وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى الْفِقْهِ الأَبْسَطِ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ لَيْسَتْ كَأَيْدِى خَلْقِهِ وَلَيْسَتْ

بِجَارِحَةٍ وَهُوَ خَالِقُ الأَيْدِى وَوَجْهُهُ لَيْسَ كَوُجُوهِ خَلْقِهِ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ الْوُجُوهِ اهـ وَقَدْ (قَالَ تَعَالَى) فِى سُورَةِ غَافِرٍ (﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فَاللَّهُ تَعَالَى سَمِيعٌ وَبَصِيرٌ بِلا كَيْفِيَّةٍ) أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ صِفَتَيْنِ تُشْبِهَانِ صِفَاتِ الْخَلْقِ (فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ) إِذَا وُصِفَ الرَّبُّ بِهِمَا (هُمَا صِفَتَانِ أَزَلِيَّتَانِ بِلا جَارِحَةٍ أَىْ بِلا أُذُنٍ أَوْ حَدَقَةٍ وَبِلا شَرْطِ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ جِهَةٍ وَبِدُونِ انْبِعَاثِ شُعَاعٍ مِنَ الْبَصَرِ أَوْ تَمَوُّجِ هَوَاءٍ. وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ أُذُنٌ فَقَدْ كَفَرَ وَلَوْ قَالَ لَهُ أُذُنٌ لَيْسَتْ كَآذَانِنَا)

لِأَنَّ مَعْنَى الأُذُنِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَرِدْ فِى الشَّرْعِ إِطْلاقُهَا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ (بِخِلافِ مَنْ قَالَ لَهُ عَيْنٌ لَيْسَتْ كَعُيُونِنَا وَيَدٌ لَيْسَتْ كَأَيْدِينَا بَلْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِوُرُودِ إِطْلاقِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ فِى الْقُرْءَانِ) صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِ الْعَيْنِ تَحْتَمِلُ فِى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْمَعَانِى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ مِمَّا لَيْسَ جِسْمًا وَلا جَارِحَةً وَكَذَلِكَ الْيَدُ (وَلَمْ يَرِدْ إِطْلاقُ الأُذُنِ عَلَيْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَدَّى بِوَصْفِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ وَتَعَدَّى أَيْضًا بِإِطْلاقِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ وَيَقْتَضِى الْحُدُوثَ فِى حَقِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلا عُذْرَ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالْكُفْرِ عَلَيْهِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ.


(76) أَىِ الْمُنْفَرِدَةُ فِى مَعْنَاهَا.

(77) أَىْ قِيَاسٌ لِلْخَالِقِ عَلَى مَا أَلِفَهُ الشَّخْصُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَيُعْطِيهِ حُكْمَهُ بِلا دَلِيلٍ.

(78) أَىْ تَصَوُّرٌ لِلْمِثَالِ.

(79) أَىْ تَابَعَهُمْ وَشَابَهَهُمْ.