مُقَدِّمَةٌ

اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَالثَّبَاتُ عَلَى الإِسْلامِ إِلَى الْمَمَاتِ بِتَجَنُّبِ الْكُفْرِ كُلِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَىْ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْعِدَهُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ فَلْيَثْبُتْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْمَمَاتِ،

وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ هُوَ أَكْبَرُ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطْلاقِ وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَيْهِ يَخْلُدُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خُلُودًا أَبَدِيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لِذَلِكَ يَنْبَغِى تَعَلُّمُ الْقَوَاعِدِ الَّتِى يُعْرَفُ بِهَا الْكُفْرُ حَفِظَنَا اللَّهُ مِنْهُ.

عَقِيدَةُ الْمُسْلِمِينَ

اعْلَمْ أَنَّ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ فَلا يُتَصَوَّرُ فِى الْعُقُولِ وَالأَذْهَانِ لَيْسَ جِسْمًا وَلا رُوحًا وَلا ضَوْءًا مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْكَمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ وَالْمِسَاحَةِ وَالْحَدِّ لَيْسَ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَسَمْكٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ مُنَزَّهٌ عَنِ اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ وَالصُّورَةِ وَالأَعْضَاءِ لا يَحُلُّ فِى شَىْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ لا يَسْكُنُ السَّمَاءَ وَلا الْعَرْشَ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ، خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ.

لا مَثِيلَ لَهُ وَلا شَبِيهَ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ وَلا فِى فِعْلِهِ. صِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَتَغَيَّرُ، لا يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. خَلَقَ الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى شَىْءٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلا يَدْخُلُ شَىْءٌ فِى الْوُجُودِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وكُلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَهُوَ الْخَالِقُ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ وَلا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ.

قَدِيمٌ بِلا ابْتِدَاءٍ دَائِمٌ بِلا انْتِهَاءٍ حَىٌّ لا يَمُوتُ قَيُّومٌ لا يَنَامُ عَالِمٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَلا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ يَسْمَعُ كُلَّ الْمَسْمُوعَاتِ بِسَمْعٍ أَزَلِىٍّ بِلا أُذُنٍ وَلا ءالَةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ بِسَمْعٍ يَحْدُثُ فِى ذَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثَاتِ وَيَرَى كُلَّ الْمَرْئِيَّاتِ بِبَصَرِهِ الأَزَلِىِّ بِلا حَدَقَةٍ وَلا ءَالَةٍ أُخْرَى فَلا يَحْدُثُ فِى ذَاتِهِ بَصَرٌ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمَخْلُوقِ. كَلَّمَ نَبِيَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا بِلا لِسَانٍ وَلا شَفَتَيْنِ وَكَلامُهُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ وَلا مُتَجَزِّئٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَلامٌ وَاحِدٌ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ وَالإِيمَانِ بِشَرِيعَتِهِ وَبِالْعَمَلِ بِهَا وَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وُلِدَ بِمَكَّةَ وَبُعِثَ بِهَا وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا. وَهُوَ ﷺ صَادِقٌ فِى كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَالْبَعْثِ أَىْ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا وَالْحَشْرِ أَىْ جَمْعِ النَّاسِ بَعْدَ الْبَعْثِ لِلسُّؤَالِ،

وَالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعَذَابِ وَالْمِيزَانِ الَّذِى تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ الَّذِى يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ جَمِيعًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْجُو وَمِنْهُمْ مَنْ يَقَعُ فِيهَا، وَالْحَوْضِ الَّذِى أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ وَقَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ، وَالشَّفَاعَةِ وَالْجَنَّةِ وَرُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِى الآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِى مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ أَىْ لا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوقُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ وَهُوَ الدِّينُ الَّذِى رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَءَاخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَبَيْنَهُمَا جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِى الْقُرْءَانِ وَهُمْ ءَادَمُ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَلُوطٌ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَهَارُونُ وَيُونُسُ وَأَيَّوبُ وَذُو الْكِفْلِ وَإِلْيَاسُ وَالْيَسَعُ وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ وَسَلَّمَ.

وَالأَنْبِيَاءُ هُمْ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَفْضَلُهُمْ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ نَبِيًّا رَسُولًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا وَالنَّبِىُّ الرَّسُولُ هُوَ مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَمَّا النَّبِىُّ غَيْرُ الرَّسُولِ فَهُوَ مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ الرَّسُولِ الَّذِى قَبْلَهُ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وَالنَّبِىُّ لا يَكُونُ إِلَّا رَجُلًا مِنْ الْبَشَرِ فَلا نَبِىَّ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلا مِنَ الْجِنِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم﴾.

جَمَّلَهُمُ اللَّهُ بِصِفَاتٍ حَمِيدَةٍ وَأَخْلاقٍ حَسَنَةٍ وَنَزَّهَهُمْ عَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ فَهُمْ جَمِيعًا أَهْلُ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْفَطَانَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالصِّيَانَةِ حَفِظَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الَّتِى فِيهَا خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا فَلا يَكْذِبُونَ وَلا يَغُشُّونَ وَلا يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ بِشَهْوَةٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَتَصَرَّفُ بِخِلافِ الْحِكْمَةِ أَوْ يَقُولُ أَلْفَاظًا شَنِيعَةً تَسْتَقْبِحُهَا النَّفْسُ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ جَبَانٌ ضَعِيفُ الْقَلْبِ أَوْ ضَعِيفُ الْفَهْمِ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ فِى أُمُورِ الدِّينِ وَغَيْرِهَا فَلا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ لا يُرِيدُونَ قَوْلَهُ.

وَلا يَجُوزُ فِى حَقِّهِمُ الْجُنُونُ وَالْخَرَفُ وَتَأْثِيرُ السِّحْرِ فِى عُقُولِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ ولا تُصِيبُهُمُ الأَمْرَاضُ الْمُنَفِّرَةُ كَالْجَرَبِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَخُرُوجِ الدُّودِ مِنَ الْجِسْمِ ولا تَحْصُلُ فِى أَبْدَانِهِمْ وَلا فِى أَفْوَاهِهِمْ وَلا فِى ثِيَابِهِمُ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْمَلائِكَةَ مِنْ نُورٍ وَهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ لا تُجَسُّ بِالْيَدِ لَهُمْ أَرْوَاحٌ وَعُقُولٌ وَإِرَادَةٌ. لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتْعَبُونَ وَلا يَتَنَاكَحُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ مُكَلَّفُونَ بِالإِيمَانِ وَعِبَادٌ لِلَّهِ طَائِعُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا.

أَعْطَاهُمُ اللَّهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِصُوَرِ الرِّجَالِ مِنْ بَنِى ءَادَمَ مِنْ غَيْرِ ءَالَةِ الذُّكُورِيَّةِ لَكِنَّهُمْ لا يَتَشَكَّلُونَ بِأَشْكَالِ الإِنَاثِ وَلا بِأَشْكَالِ الْبَهَائِمِ الْبَشِعَةِ الْقَبِيحَةِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. وَأَفْضَلُ الْمَلائِكَةِ خَوَاصُّهُمْ وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعَزْرَائِيلُ وَرِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ وَمَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ وَأَفْضَلُ الْخَوَاصِّ وَرَئِيسُهُمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَلائِكَةِ وَأَفْضَلُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ كُتُبًا وَعَدَدُهَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ أَشْهَرُهَا الْقُرْءَانُ وَالتَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ كَمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالَ مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ (أَىْ إِدْرِيسَ) ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْءَانُ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الْكُتُبِ تَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ الإِنْسَ وَالْجِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمِقْدَارُ الْقِيَامَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ وَأَوَّلُهَا مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى اسْتِقْرَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِى الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ فِى النَّارِ. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تُدَكُّ هَذِهِ الأَرْضُ دَكًّا أَىْ تُزَلْزَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَيَنْهَدِمُ كُلُّ بِنَاءٍ عَلَيْهَا وَيَنْعَدِمُ وَالْجِبَالُ تَصِيرُ غُبَارًا نَاعِمًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالسَّمَوَاتُ تَتَشَقَّقُ وَالْبِحَارُ تَشْتَعِلُ نَارًا.

وَالْكُفَّارُ فِى حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْنَعُ اللَّهُ أَفْوَاهَهُمْ مِنَ الْكَلامِ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ وَجُلُودُهُمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾.

وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَهُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ. فَالطَّاعَةُ كُلُّهَا مَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَالْمَعَاصِى كُلُّهَا بِعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَائِهِ وَلا بِأَمْرِهِ. وَكُلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ أَىْ بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرٍ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ.