يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبًا عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ أَشْهَرُهَا الْقُرْءَانُ وَالإِنْجِيلُ أَىِ الأَصْلِىُّ وَالتَّوْرَاةُ أَىِ الأَصْلِيَّةُ وَالزَّبُورُ. وَهَذِهِ الْكُتُبُ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ الَّذِى لا يُشْبِهُ كَلامَ الْمَخْلُوقِينَ وَكُلُّ مَا فِيهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ فَهِىَ مُعَظَّمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُعَظِّمَهَا التَّعْظِيمَ الْوَاجِبَ وَأَنْ نُنْزِلَهَا الْمَنْزِلَةَ الَّتِى أَمَرَ بِهَا الشَّرْعُ فَمَنْ حَقَّرَهَا وَاسْتَخَفَّ بِهَا أَىِ اعْتَبَرَهَا شَيْئًا حَقِيرًا لا شَأْنَ لَهُ كَفَرَ سَوَاءٌ اسْتَخَفَّ بِهَا بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ أَوِ الِاعْتِقَادِ كَأَنْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ أَوْ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا شَىْءٌ مِنَ الْقُرْءَانِ فِى الْقَاذُورَاتِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِخْفَافَ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ الْحَنَفِىُّ،
أَوْ دَاسَ عَلَى الْقُرْءَانِ بِقَدَمِهِ أَوْ كَتَبَ الْقُرْءَانَ بِالْبَوْلِ أَوْ شَكَّ فِى حَقِّيَّةِ وَصِحَّةِ مَا فِى الْقُرْءَانِ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ كَذِبٌ أَوِ اسْتَخَفَّ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْءَانِ كأَنْ قَالَ وَقَدْ مَلَأَ وِعَاءً ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِى الْجَنَّةِ مِنَ الْكَأْسِ الْمُمْتَلِئَةِ شَرَابًا هَنِيئًا لِأَنَّ أَعْظَمَ نَعِيمٍ خَلَقَهُ اللَّهُ هُوَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ فَمَنْ جَعَلَ نَعِيمَ الْجَنَّةِ شَيْئًا لا قَدْرَ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ قَالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَا﴾ بِقَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ بِهَذِهِ الآيَةِ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
حُكْمُ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ مُجْمَعًا عَلَى نَفْيِهِ
مَنْ أَنْكَرَ حَرْفًا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْحَرْفُ الَّذِى زَادَهُ زِيَادَتُهُ لَهُ عِنَادًا لا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ كَأَنْ زَادَهُ بِنِيَّةِ أَنْ يُوهِمَ النَّاسَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْءَانِ إِجْمَاعًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِخِلافِ مَنْ زَادَهُ فِى الْقِرَاءَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ جَهْلًا أَوْ زَادَهُ مِنْ دُونِ تَعَمُّدٍ إِنَّمَا جَهْلًا مِنْهُ بِالتِّلاوَةِ الَّتِى أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ زَادَهُ عَمْدًا مِنْ أَجْلِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَكُونُ عَاصِيًا.
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِىٍّ مُجَابٍ (أَىْ مُجَابِ الدَّعْوَةِ وَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ دَعَوَاتُهُمْ مُجَابَةٌ)، وَعَدَّ مِنْهُمُ الزَّائِدَ فِى كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَلا يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَنَّنَ فِيهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ تَغْيِيرِ حَرْفٍ وَلَوْ أَتَى بِالْمَعْنَى الَّذِى يُوَافِقُ مَعْنَى الآيَةِ.
حُكْمُ مَنْ يَقُولُ نَحْنُ نَأْخُذُ بِالْقُرْءَانِ وَلا نَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ
اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ كِلاهُمَا بِوَحْىٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ عَلَىَّ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَىَّ بِالْقُرْءَانِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ وَطَاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ تَكُونُ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أَىْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ أَىِ الْقُرْءَانِ، ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أَىْ إِلَى حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْقُرْءَانِيِّينَ أَوْ جَمَاعَةَ الْقُرْءَانِ هُمْ مُكَذِّبُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ كَانُوا يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْءَانِ لَصَدَّقُوا بِحَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَثِيرٌ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا عُرِفَتْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كَيْفَ عَرَفْنَا أَنَّ صَلاةَ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ وَصَلاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، لا يُوجَدُ هَذَا فِى الْقُرْءَانِ إِنَّمَا عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَيُقَالُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ نَحْنُ نَأْخُذُ فَقَطْ بِالْقُرْءَانِ وَلا نَأْخُذُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّنَا لا نَدْرِى هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ قَالَهُ الرَّسُولُ أَمْ لا، مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُمْ أَنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ هُوَ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ، كَيْفَ وَصَلَ إِلَيْكُمْ. أَلَيْسَ الصَّحَابَةُ هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا الْقُرْءَانَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ. وَالصَّحَابَةُ كَمَا أَنَّهُمْ نَقَلُوا الْقُرْءَانَ عَنِ الرَّسُولِ نَقَلُوا أَيْضًا عَنْهُ الْحَدِيثَ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَىِ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ. وَالْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ أَىِ الَّذِى ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّوَاتُرِ حُجَّةٌ مِثْلُ الْقُرْءَانِ.
حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِرُسُلِ اللَّهِ
مَنِ اسْتَخَفَّ بِرُسُلِ اللَّهِ أَىْ أَنْبِيَائِهِ بِأَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمُ الْقَبَائِحَ وَالرَّذَائِلَ كَفَرَ كَـأَنْ قَالَ عَنْ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِنَّهُ كَافِرٌ أَو كَاذِبٌ أَوْ خائِنٌ أَوْ جَبَانٌ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ خَسِيسٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ رَذِيلٌ أَوْ زَانٍ أَو يَهُمُّ بِالزِّنَى أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِالنِّسَاءِ أَو يُشْبِهُ القُرُودَ أَوْ لا يُحْسِنُ النُّطْقَ فَمَنْ نَسَبَ إِلَى سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ كَانَ شَبِيهًا بِالْقِرْدِ أَوْ كَانَ يَمْشِى بَيْنَ النَّاسِ عُرْيَانًا أَىْ مِنْ غَيْرِ ثِيَابٍ أَوْ مَا كَانَ يَعْرِفُ الْكَلامَ أَوْ أَنَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ هَمَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةِ الْعَزِيزِ أَوْ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ أَوْ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا كَانَ شَهْوَانِيًّا مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالنِّسَاءِ أَوْ صَغَّرَ اسْمَ نَبِىٍّ بِقَصْدِ تَحْقِيرِهِ كَأَنْ قَالَ عَنْ مُوسَى مُوَيْسَى أَوْ عَنْ عِيسَى عُوَيْسَى فَهُوَ كَافِرٌ.
حُكْمُ الِاسْتِهْزَاءِ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ
يَكْفُرُ مَنْ يَسْتَهْزِئُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ كَالَّذِى يَسْتَهْزِئُ بِلُبْسِ الْعِمَامَةِ أَوِ الْقَمِيصِ الطَّوِيلِ الَّذِى يُعْرَفُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ بِالْجَلَّابِيَّةِ أَوِ الدِّشْدَاشَةِ وَكَذَا الَّذِى يَسْتَهْزِئُ بِالأَكْلِ بِالأَصَابِعِ الثَّلاثَةِ الإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَوْ يَسْتَهْزِئُ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ أَوْ إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ أَوْ نَتْفِ الإِبْطِ أَوِ الِاسْتِحْدَادِ أَىْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ مَدَحَهُ.
