اعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَهْزَءَ بِالسُّنَّةِ كَأَنْ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِفِعْلِ سُنَّةٍ لا أَفْعَلُ كَذَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ بِسُنَّةِ النَّبِىِّ كَفَرَ أَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِهْزَاءَ بِالسُّنَّةِ فَلا يَكْفُرُ. وَالسُّنَّةُ هِىَ مَا فِى فِعْلِهَا ثَوَابٌ وَلَيْسَ فِى تَرْكِهَا عِقَابٌ. وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ نَفَى مَشْرُوعِيَّةَ أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَىْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ مَشْرُوعًا فِى الدِّينِ أَىْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى فِعْلِهِ وَاشْتَهَرَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَصَلاةِ الْوِتْرِ وَرَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ أَىِ السُّنَنِ.
حُكْمُ مَنْ ذَمَّ اسْمًا مَدَحَهُ اللَّهُ أَوِ اسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مَدَحَهُ اللَّهُ أَوِ اسْتَحْسَنَهُ رَسُولُهُ ﷺ وَرَضِىَ بِهِ لا يَجُوزُ ذَمُّهُ وَالتَّشَاؤُمُ بِهِ كَاسْمِ مَرْيَمَ أَوْ خَدِيجَةَ أَوْ عَائِشَةَ أَوْ فَاطِمَةَ أَوْ زَيْنَبَ أَوْ رُقَيَّةَ أَوْ عَلِىٍّ أَوْ حَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ أَوْ أَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ كَآدَمَ وَعِيسَى وَمُوسَى وَلُوطٍ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ حَفِظَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاؤُهُمْ خَبِيثَةً أَوْ مُشْتَقَّةً مِنْ خَبِيثٍ أَوْ يُشْتَقُّ مِنْهَا خَبِيثٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمٰنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ كُلُّ اسْمٍ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. فَمَنْ ذَمَّ اسْمًا أَوْ تَشَاءَمَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الرَّسُولَ اسْتَحْسَنَهُ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِالْمَلائِكَةِ
مَنِ استخَفَّ بِمَلائِكَةِ اللَّهِ كَفَرَ كَأَنْ قَالَ لَوْ شَهِدَ عِنْدِى الْمَلائِكَةُ بِكَذَا مَا قَبِلْتُهُمْ أَىْ مَا صَدَّقْتُهُمْ لِأَنَّهُ يَكُونُ استَخَفَّ بِهِمْ وَطَعَنَ فِى صِدْقِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ أَوْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَىْ لا أُعَظِّمُ الْمْلَائِكَةَ الَّذِينَ كَرَّمَهُمُ اللَّهُ وَعَظَّمَهُمْ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ الْمَلائِكَةِ شَرِبَ الْخَمْرَ وَزَنَى وَقَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَسَبَ الْخِيَانَةَ
إِلَى الْمَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ تَاهَ الأَمِينُ وَمُرَادُهُ أَنْ جِبرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِالنُّزُولِ بِالْوَحْىِ عَلَى عَلِىٍّ لَكِنَّهُ أَخْطَأَ فَـنَـزَلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ سَبَّ سَيِّدَنَا عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَىْ ذَمَّهُ وَحَقَّـرَهُ فَلَمْ يُعَظِّمْهُ التَّعْظِيمَ الْوَاجِبَ اللَّائِقَ بِهِ بَلْ نَقَّصَهُ وَعَابَهُ كَأَنْ قَالَ لِشَخْصٍ أَكْرَهُكَ كَمَا أَكْرَهُ عَزْرَائِيلَ كَفَرَ لِأَنَّ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكٌ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ وَلا يَجُوزُ الِاسْتِخْفَافُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَالِكِىُّ فِى تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ وَيَكْفُرُ مَنْ يَشْتِمُ عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ
شَعَائِرُ اللَّهِ أَىْ مَعَالِمُ دِينِهِ أَىْ مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالأَذَانِ وَالْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَعِيدِ الأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ وَالطَّوَافِ وَرَمْىِ الْجِمَارِ. وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِشَعَائِرِ اللَّهِ كَفَرَ كَالَّذِى يَقُولُ لَيْسَ الشَّأْنُ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ أَوْ يَقُولُ الصِّيَامُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى. وَمِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالسُّنَّةِ أَوْ ذَمُّ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ كَقَوْلِ سَيِّد قُطُب زَعِيمِ حِزْبِ الإِخْوَانِ إِنَّ تَعَلُّمَ الْفِقْهِ مَضْيَعَةٌ لِلْعُمْرِ وَالأَجْرِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ وَهُوَ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ وَيُعَدُّ تَصْغِيرًا لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ إِنَّ التَّعَمُّقَ فِى الدِّينِ يُعَقِّدُ الإِنْسَانَ أَوْ يُجَنِّنُهُ.
وَمِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ حِجَابُ الْمَرْأَةِ فَمَنِ اسْتَخَفَّ بِسَتْرِ الْمَرْأَةِ لِرَأْسِهَا كَفَرَ أَوِ اسْتَخَفَّ بِسَتْرِ الْمَرْأَةِ لِوَجْهِهَا وَكَانَ عَالِمًا بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فِى الشَّرْعِ كَأَنْ جَعَلَ هَذَا تَخَلُّفًا كَفَرَ لِأَنَّهُ ذَمَّ مَا هُوَ مَمْدُوحٌ فِعْلُهُ فِى الشَّرْعِ.
حُكْمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالصَّلاةِ أَوْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا
اعْلَمْ أَنَّ الصَّلاةَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ فَهِىَ نُورٌ وَبَرَكَةٌ وَرَحْمَةٌ وَخَيْرٌ، مَنِ اسْتَخَفَّ بِهَا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ لَيْسَ الشَّأْنُ بِالصَّلاةِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ أَوْ قَالَ مَا أَصَبْتُ خَيْرًا مُنْذُ صَلَّيْتُ لِأَنَّ التَّشَاؤُمَ بِالصَّلاةِ يُعَدُّ اسْتِخْفَافًا بِهَا فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَشَاءَمُونَ بِالصَّلاةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْعَظِيمَةَ مَصْدَرٌ لِلشُّؤْمِ وَالْخُسْرَانِ فَيَعْتَبِرُونَهَا ضَارَّةً لَهُمْ.
وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ أَكُونُ قَوَّادًا إِنْ صَلَّيْتُ لِأَنَّهُ اسْتَهْزَأَ بِالصَّلاةِ وَاسْتَخَفَّ بِهَا وَالْقَوَّادُ هُوَ الَّذِى يَجْلِبُ الزَّبَائِنَ لِلزَّانِيَاتِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ شَخْصٌ بِالصَّلاةِ فَقَالَ لا أُصَلِّى مُسْتَخِفًّا بِالصَّلاةِ أَوِ قَالَ الصَّلاةُ لا تَصْلُحُ لِى بِقَصْدِ الِاسْتِهْزَاءِ بِالصَّلاةِ كَفَرَ بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَتْ ذَلِكَ امْرَأَةٌ حَائِضٌ بِقَصْدِ أَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ مِنْهَا وَهِىَ حَائِضٌ فَلا تَكْفُرُ.
وَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ بِتَمَامِهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَهَذَا بِخِلافِ مَنْ يَعْتَقِدُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لا يُصَلِّى فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ لا يَكْفُرُ إِذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الطَّحَاوِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ.
