اعْلَمْ أَنَّ الإِعَانَةَ مَعْنَاهَا التَّمْكِينُ وَالإِقْدَارُ وَلَيْسَ الرِّضَا كَمَا يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِى يُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى إِيمَانِهِ وَالْكَافِرَ عَلَى كُفْرِهِ وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِى كِتَابِهِ الإِرْشَادِ وَالإِمَامُ مُحَمَّدُ الأَمِيرُ الْمَالِكِىُّ فِى حَاشِيَةِ الأَمِيرِ وَوَافَقَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِلِّيش الْمَالِكِىُّ مُفْتِى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِى مُنَحِ الْجَلِيلِ شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْبَاقِرُ النَّقْشَبَنْدِىُّ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى دِينِهِ اللَّهُ يُعِينُهُ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ أَىِ الطَّلَبِ بِأَنْ يُعِينَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ عَلَى الْكُفْرِ كَفَرَ لِأَنَّ كَلامَهُ يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِكُفْرِ الْغَيْرِ وَمَنْ رَضِىَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ كَفَرَ وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ الإِخْبَارَ أَنَّ اللَّهَ يُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى الإِيمَانِ وَفِعْلِ الصَّالِحَاتِ أَىْ يُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَيُعِينُ الْكَافِرَ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِى يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ

اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ قَوْلُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَإِنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى كَقَوْلِ جَمَاعَةِ سَحَر حَلَبِى مَا الْكَوْنُ إِلَّا الْقَيُّومُ الْحَىّ وَقَوْلِ سَيِّد قُطُب فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِنَّهَا أَحَدِيَّةُ الْوُجُودِ فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ يَعْنِى أَنَّ الْعَالَمَ مَعْدُومٌ أَوْ أَنَّ اللَّهَ وَالْعَالَمَ شَىْءٌ وَاحِدٌ وَكَقَوْلِ الشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ اللَّهُ هُوَ عَيْنُ الأَشْيَاءِ وَقَوْلِ مَلاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ لا مَوْجَودَ إِلَّا اللَّهُ وَفِى هَذَا تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الَّذِى فِيهِ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَإِثْبَاتُ وُجُودِ الْعَالَمِ حَقِيقَةً قَالَ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِىُّ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ كُنْتُ حَاكِمًا لَقَطَعْتُ رَأْسَ مَنْ يَقُولُ لا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ.

وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعَوَامِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا فِى غَيْركَ يَا اللَّه لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْقُرْءَانِ أَمَّا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَاهُ لا مُعِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِى غَيْرُكَ يَا اللَّهُ أَوْ لا إِلَهَ غَيْرُكَ يَا اللَّهُ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.

الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ فِى أُصُولِ الدِّينِ لا يُعْذَرُ

لا يُعْفَى الْجَاهِلُ فِى أُصُولِ الدِّينِ وَلا يُعْذَرُ فِيمَا يَقَعُ مِنْهُ مِنَ الْكُفْرِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِ بِالدِّينِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَدْرًا مِنْ عِلْمِ الدِّينِ يُصَحِّحُ بِهِ عَقِيدَتَهُ وَيَحْفَظُ بِهِ إِسْلامَهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَيُبْطِلُهُ فَلَوْ كَانَ الْجَهْلُ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ أَىِ الْعُقُوبَةَ فِى الآخِرَةِ لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا لِلنَّاسِ مِنَ الْعِلْمِ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْجَهْلِ.

قَالَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا تَسْتَوْحِشْ طُرُقَ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهَا وَلا يَغُرَّنَّكَ كَثْرَةُ الْهَالِكِينَ، أَىْ لا تَنْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ يَتَخَبَّطُ بِالْمَعَاصِى وَالْجَهْلِ وَلا تَتْرُكْ طَرِيقَ السَّلامَةِ وَلَوْ قَلَّ سَالِكُوهَا.

حُكْمُ مَنِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا كُفْرِيًّا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا كُفْرِيًّا أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كُفْرِيَّةٍ فَتَشَهَّدَ مَعَ شَكِّهِ فِى كَوْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرًا

مَنْ حَصَلَ مِنْهُ كُفْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اعْتِقَادِىٌّ أَوْ فِعْلِىٌّ أَوْ قَوْلِىٌّ لا يَنْفَعُهُ تَشَهُّدُهُ مَعَ الشَّكِّ فِى كَوْنِ مَا اعْتَقَدَهُ أَوْ فَعَلَهُ أَوْ نَطَقَ بِهِ كُفْرًا لِأَنَّهُ عِنْدَئِذٍ لا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ وَيَتَخَلَّى عَنْهُ وَيَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَمَّا إِنْ تَشَهَّدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ فَلا يَنْفَعُهُ تَشَهُّدُهُ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ يَتَلَفَّظُونَ بِأَلْفَاظٍ كُفْرِيَّةٍ صَرِيحَةٍ فِى الْكُفْرِ أَوْ غَيْرِ صَرِيحَةٍ لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَا الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّهَا كُفْرٌ فَيَتَبَرَّؤُوا مِنْهَا فِى قُلُوبِهِمْ فَتَشَهُّدُهُمْ هَذَا لا يَنْفَعُهُمْ.

تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ كُفْرِهِ

يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ أَىْ كُفْرٌ الْعَوْدُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلا يَكْفِى أَنْ يُجْرِىَ اللَّفْظَ بِقَلْبِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْدَمَ لِأَجْلِ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ وَيَعْزِمَ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ لا يَعُودَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ. وَلا يَرْجِعُ إِلَى الإِسْلامِ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِى كِتَابَيْهِ الإِشْرَافِ وَالإِجْمَاعِ بَلْ يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِثْمًا وَكُفْرًا لِأَنَّهُ يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يَغْفِرُ كُفْرَ الْكَافِرِ وَذُنُوبَهُ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.

تَشَهُّدُ الِاحْتِيَاطِ

تَشَهُّدُ الِاحْتِيَاطِ هُوَ أَنْ يَتَشَهَّدَ الشَّخْصُ أَىْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ إِذَا صَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ وَلَوْ ضَعِيْفًا بِحُصُولِ الْكُفْرِ مِنْهُ. وَيَنْفَعُ فِى حَالَتَيْنِ الأُولَى إِذَا نَطَقَ الشَّخْصُ بِكَلِمَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا كُفْرٌ وَالآخَرُ لَيْسَ كُفْرًا ثُمَّ شَكَّ هَلْ قَصَدَ عِنْدَ نُطْقِهِ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ أَوْ غَيْرَهُ أَىْ صَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ أَنْ يَتَشَهَّدَ احْتِيَاطًا عَلَى الْفَوْرِ لِأَجْلِ أَنْ يَخْلُصَ مِنَ الْكُفْرِ إِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ فَإِنْ تَشَهَّدَ نَفَعَهُ وَلا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ مِنْ جَدِيدٍ إِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ فَإِنْ لَمْ يُبَادِرْ فَوْرًا إِلَى التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَضِىَ لِنَفْسِهِ بِالْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ فِى حَالِ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا عَلِمَ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ أَنَّهَا كُفْرٌ وَلَمْ يَسْمَعْ بِحُكْمِهَا مِنْ قَبْلُ فَصَارَ عِنْدَهُ احْتِمَالٌ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ احْتِيَاطًا عَلَى الْفَوْرِ.