مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَأَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ كَفَرَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَهُ.
حُكْمُ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ
اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الإِسْلامِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَىْ مَنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ أَىْ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ شَكَّ فِى كُفْرِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَعَلَّهُ كَافِرٌ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ أَوْ تَوَقَّفَ فِى تَكْفِيرِهِ كَأَنْ يَقُولَ أَنَا لا أَقُولُ إِنَّهُ كَافِرٌ وَلا أَقُولُ إِنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
حُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ أَىْ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ حادِثٌ لَهُ بِدَايَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ أَىْ هُوَ وَحْدَهُ الأَوَّلُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَقَوْلِهِ ﷺ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ أَىْ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلا أَزَلِىَّ سِوَاهُ. وَحُكْمُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ التَّكْفِيرُ قَطْعًا بِلا شَكٍّ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْعَدَمَ قَبْلَ الْوُجُودِ وَلا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِى الْحَوَادِثِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَهَذَا السُّؤَالُ سُؤَالُ الْمُحَالِ لِأَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَالِقٌ. أَمَّا مَنْ خَطَرَ لَهُ هَذَا السُّؤَالُ فِى بَالِهِ مِنْ دُونِ إِرَادَةٍ فَعِلاجُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنْ يَصْرِفَ فِكْرَهُ عَنْ هَذَا الْخَاطِرِ وَيَدْفَعَهُ بِالْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ وَيَشْغَلَ فِكْرَهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُفِيدُ وَلْيَقُلْ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ عَنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا، خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ ءَامَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.
حُكْمُ مَنْ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ الْخَلْقِ مُضَافَةً لِلنَّاسِ عَلَى مَعْنَى الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ
اعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ خَمْسَةُ مَعَانٍ أَحَدُهَا الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلا يُطْلَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ الْخَلْقِ مُضَافَةً لِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ اخْلُقْ لِى كَذَا كَمَا خَلَقَكَ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَحْسَنُ الْمُقَدِّرينَ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لا يُخْطِئُ وَلا يَتَغَيَّرُ أَمَّا تَقْدِيرُ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَالتَّغَيُّرُ فَيُطْلَقُ الْخَلْقُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ.
وَيَأْتِى الْخَلْقُ بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أَىْ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةَ خُفَّاشٍ ثُمَّ يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الرُّوحَ فَتَطِيرُ حَتَّى تَغِيبَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ ثُمَّ تَقَعُ مَيْتَةً وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَيُطْلَقُ الْخَلْقُ بِمَعْنَى افْتِرَاءِ الْكَذِبِ وَهَذَا لا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الْعَبْدِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ أَىْ تَفْتَرُونَ الْكَذِبَ فَنَسَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ خَلْقَ الإِفْكِ أَىِ افْتِرَاءَهُ. وَيُطْلَقُ الْخَلْقُ بِمَعْنَى سَوَّى وَمَلَّسَ فَيُقَالُ فِى اللُّغَةِ خَلَقْتُ هَذَا الْخَشَبَ كُرْسِيًّا أَىْ سَوَّيْتُهُ أَمْلَسَ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ.
حُكْمُ مَنْ يَقُولُ أَنَا رَبُّ النَّجَّارِينَ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَلا خَالِقَ سِوَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أَىْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَىْ مَالِكِ الْعَالَمِينَ بِمَعْنَى خَالِقِهِمْ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ أَنَا رَبُّ النَّجَّارِينَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا لِلْعِبَادِ فَلا مَعْنَى لَهُ إِلَّا أَنَّهُ خَالِقُهُمْ بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ أَنَا رَبُّ النِّجَارَةِ بِمَعْنَى أَنِّى خَبِيرٌ بِهَا فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بَلْ هُوَ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ يَمْلِكُ شَيْئًا كَدَابَّةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ بِمَعْنَى مَالِكِهَا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ هَذَا لِى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلا تَتَّقِى اللَّهَ فِى هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِى مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَىَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ، أَىْ تُتْعِبُهُ.
وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ الْمَمْلُوكُونَ وَالإِمَاءُ الْمَمْلُوكَاتُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ رَبُّ هَؤُلاءِ الْعَبِيدِ وَرَبُّ هَؤُلاءِ الإِمَاءِ بِمَعْنَى مَالِكِهِمْ أَمَّا قَوْلُ فُلانٌ رَبُّ الْعَائِلَةِ أَوْ رَبُّ الأُسْرَةِ فَهُوَ قَبِيحٌ لا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لا يَمْلِكُهُمْ لَكِنْ مَنْ قَالَ فُلانٌ رَبُّ الْعَائِلَةِ أَوْ رَبُّ الأُسْرَةِ وَيَظُنُّ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَكْفِى عِيَالَهُ حَاجَاتِهِمْ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا التَّعْبِيرُ غَلَطٌ فِى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الأُسْرَةَ هُمْ أَقَارِبُ الرَّجُلِ الذُّكُورُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ لا غَيْرُ وَالتَّعْبِيرُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ فُلانٌ صَاحِبُ الْعِيَالِ أَوْ مُعِيلُ الْعِيَالِ. أَمَّا الرَّبُّ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ فَهُوَ مِنَ الأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِى لِسَانِ الْعَرَبِ وَلا يُقَالُ الرَّبُّ فِى غَيْرِ اللَّهِ إِلَّا بِالإِضَافَةِ، أَىْ مَعَ قَيْدٍ كَقَوْلِ فُلانٌ رَبُّ الْبَيْتِ أَىْ مَالِكُ الْبَيْتِ.
حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الأَزَلِىُّ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَخَالَفَتِ الْفَلاسِفَةُ فِى ذَلِكَ فَقَالَ قِسْمٌ مِنْهُمْ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ بِنَوْعِهِ وَأَفْرَادِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْعَالَمُ أَزَلِىٌّ بِنَوْعِهِ حَادِثٌ بِأَفْرَادِهِ وَتَبِعَهُمْ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَةَ فَنَسَبَ ذَلِكَ زُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى دَرْءَ التَّعَارُضِ وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَإِنَّهُمْ لا يَجْعَلُونَ النَّوْعَ حَادِثًا بَلْ قَدِيمًا،
وَكَذَبَ فِى ذَلِكَ وَهَكَذَا يَفْعَلُ فِيمَا يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الآرَاءِ الشَّاذَّةِ يَنْسُبُهَا إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ الإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِىُّ فِى الْفَرِيقَيْنِ فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ وَضَلَّلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَفَّرُوهُمْ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ كُفَّارٌ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَزَلِيَّةِ الْعَالَمِ نَفْىٌ لِخَالِقِيَّةِ اللَّهِ. وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّهُ قَالَ بِأَزَلِيَّةِ نَوْعِ الْعَالَمِ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلائِىُّ وَالْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ طُولُونَ وَالْحَافِظُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ.
كَمَا أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ ذَكَرَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ الْفَاسِدَةَ فِى سَبْعَةٍ مِنْ كُتُبِهِ الْكِتَابِ الْمُسَمَّى مِنْهَاجَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمُوَافَقَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ وَكِتَابِ شَرْحِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وَكِتَابِ نَقْدِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ وَكِتَابِ الْفَتَاوَى وَفِى تَفْسِيرِ سُورَةِ الأَعْلَى. فَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَمِنْ كُتُبِهِ الَّتِى نَشَرَ فِيهَا الْكُفْرَ وَالضَّلالَ.
