اعْلَمْ أَنَّ أَشَدَّ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ هُوَ نَفْىُ وُجُودِ اللَّهِ وَقَوْلُ أَهْلِ الْوَحْدَةِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَإِنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى كَقَوْلِ جَمَاعَةِ سَحَر حَلَبِى فِى كِتَابِهِنَّ الْمُسَمَّى مَزَامِيرَ دَاوُدَ مَا الْكَوْنُ إِلَّا الْقَيُّومُ الْحَىّ وَقَوْلِ سَيِّد قُطُب فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِى ظِلالِ الْقُرْءَانِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِنَّهَا أَحَدِيَّةُ الْوُجُودِ فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ وُجُودٌ حَقِيقِىٌّ إِلَّا وُجُودَهُ وَكَلامُهُ هَذَا صَرِيحٌ بِالْحُلُولِ وَالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ يَعْنِى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَلَّ بِالأَشْيَاءِ وَاتَّحَدَ مَعَهَا فَصَارَ هُوَ عَيْنَ الأَشْيَاءِ.

وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ إِلَّا حَقِيقَتَهُ يَعْنِى أَنَّ الْعَالَمَ وَهْمٌ أَوْ مَعْدُومٌ أَوْ يَعْنِى أَنَّ الْعَالَمَ وَاللَّهَ شَىْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ فِى الْحَالَيْنِ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الَّذِى فِيهِ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَإِثْبَاتُ وُجُودِ الْعَالَمِ حَقِيقَةً. وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ قَوْلُ أَهْلِ الْحُلُولِ إِنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ كَالشَّعْرَاوِىِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْفَتَاوَى اللَّهُ مَوْجُودٌ فِينَا بِالْفِطْرَةِ وَنَشْعُرُ بِوُجُودِهِ وَكَالشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يَدْخُلُ فِى كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِى الدِّينِ بنُ عَرَبِى مَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ فَدِينُهُ مَعْلُولٌ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِىِّ النَّابُلُسِىُّ فِى الْفَيْضِ الرَّبَّانِىِّ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ انْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ أَو حَلَّ فِى شَىْءٍ فَقَدْ كَفَرَ. وَنَقَلَ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ فِى كِتَابِهِ الْحَاوِى لِلْفَتَاوَى إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِالْحُلُولِ أَوِ الِاتِّحَادِ وَقَالَ الْقَاضِى عِيَاضٌ فِى كِتَابِهِ الشِّفَا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِ أَصْحَابِ الْحُلُولِ وَمَنِ ادَّعَى حُلُولَ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ فِى أَحَدِ الأَشْخَاصِ.

بَعْضُ الْقَوَاعِدِ الَّتِى يُعْرَفُ بِهَا الْكُفْرُ

مَنْ رَضِىَ بِكُفْرِ غَيْرِهِ كَأَنْ ضَحِكَ لِقَوْلِ شَخْصٍ كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى وَجْهِ الْمُوَافَقَةِ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ كَفَرَ وَكَذَا مَنِ اسْتَحْسَنَ الْكُفْرَ أَىِ أَعْتَقَدَهُ شَيْئًا حَسَنًا كَأَنْ قَالَ لا بَأْسَ بِهِ أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ كَأَنْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكْفُرَ بِاللَّهِ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْكُفْرِ كَأَنْ قَالَ لَهُ اكْفُرْ بِاللَّهِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ أَوْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ كَأَنْ أَعْطَى زَوْجَتَهُ الْكَافِرَةَ

مَا تَسْتَعِينُ بِهِ لِفِعْلِ الْكُفْرِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَوْ فَرِحَ بِهِ كَأَنْ سَمِعَ كُفْرًا مِنْ غَيْرِهِ فَفَرِحَ بِهِ أَوْ تَمَنَّاهُ كَأَنْ قَالَ لَيْتَنِى كُنْتُ كَافِرًا أَوْ سَمَّى الْكُفْرَ إِيمَانًا كَأَنْ قَالَ عَنْ رَجُلٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ أَوْ أَشَارَ عَلَى كَافِرٍ أَنْ يَبْقَى عَلَى الْكُفْرِ مُدَّةً كَأَنْ عَلِمَ أَنَّ كَافِرًا يُرِيدُ أَنْ يُسْلِمَ فَقَالَ لَهُ فَكِّرْ فِى الأَمْرِ أَوَّلًا ثُمَّ ارْجِعْ إِلَىَّ لِأُعَلِّمَكَ كَيْفِيَّةَ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَوْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ فِى الْمُسْتَقْبَلِ كَأَنْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الإِسْلامِ فِى الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ عَلَّقَ كُفْرَهُ بِحُصُولِ أَمْرٍ كَأَنْ قَالَ إِنْ حَصَلَ كَذَا أَكْفُرُ أَوْ تَرَدَّدَ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لا كَفَرَ فِى الْحَالِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ كَأَنْ مَنَعَ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنَ الدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ أَوْ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا كَأَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ وَأَرَادَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ هَذَا الْمُسْلِمُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا كَفَرَ لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا أَوِ اسْتَحْسَنَ الْمَعْصِيَةَ كَأَنْ قَالَ عَنْ مَعْصِيَةٍ

لا بَأْسَ بِهَا أَوِ اسْتَحَلَّهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَأَنِ اسْتَحَلَّ السَّرِقَةَ أَوْ قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ كَأَنِ اعْتَبَرَ تَغْطِيَةَ الْمَرْأَةِ لِوَجْهِهَا أَمْرًا قَبِيحًا أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ كَأَنِ اسْتَحْسَنَ الْكَذِبَ أَوْ حَرَّمَ حَلالًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَلالٌ كَأَنْ حَرَّمَ الْبَيْعَ أَوِ النِّكَاحَ أَوْ أَنْكَرَ فَرْضًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ فَرْضٌ كَأَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَأَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ الْحِجَابِ أَىْ أَنْكَرَ وُجُوبَ تَغْطِيَةِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَىْ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ لِرَأْسِهَا أَمَامَ الأَجَانِبِ أَوْ أَوْجَبَ مَا لَيْسَ وَاجِبًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ كَمَنْ أَوْجَبَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَىْ قَالَ عَنْ صَلاةِ السُّنَّةِ إِنَّهَا فَرْضٌ.

وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ سَمَّى الْكُتُبَ الْمُحَرَّفَةَ كَالتَّوْرَاةِ الْمُحَرَّفَةِ كُتُبًا مُقَدَّسَةً أَوْ سَمَّى الْمَعَابِدَ الدِّينِيَّةَ لِلْكُفَّارِ بُيُوتَ اللَّهِ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ دِينٌ صَحِيحٌ أَوْ قَالَ أَنَا أَحْتَرِمُ كُلَّ الأَدْيَانِ الإِسْلامَ وَغَيْرَهُ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ عِيسَى أَوْ مُوسَى أَوْ إِبْرَاهِيمَ مَا كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ أَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ قَالَ إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ شَكَّ فِى كُفْرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ أَوْ تَوَقَّفَ فِيهِ كَأَنْ قَالَ أَنَا لا أَقُولُ إِنَّهُ كَافِرٌ وَلا أَقُولُ إِنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

الْحَالاتُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنَ الْكُفْرِ اللَّفْظِىِّ

يُسْتَثْنَى مِنَ الْكُفْرِ اللَّفْظِىِّ حَالاتٌ لا يَكْفُرُ فِيهَا قَائِلُهُ حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ وَهُوَ أَنْ يَنْطِقَ بِشَىْءٍ مِنَ الْكُفْرِ بِلا إِرَادَةٍ وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ أَىْ عَدَمِ صَحْوِهِ وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ بِأَنْ يُكْرَهَ بِالْقَتْلِ وَحَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ وَحَالَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ فِى فَهْمِ الشَّرْعِ أَىْ تَأَوَّلَ ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا عَلَى خِلافِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَكَانَ تَأَوُّلُهُ فِى غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ.