قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ وَالْفَاسِقُ هُنَا هُوَ الْكَافِرُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة﴾ وَقَالَ عَنِ الْكَافِرِينَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة﴾ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ مُحَمَّد مُتَوَلِّى الشَّعْرَاوِىّ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى الْمُنْتَخَبَ فِى تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ الْكَرِيم النَّاسُ كُلُّهُمْ فِى نَظَرِ اللَّهِ سَوَاء، وَكَلامُهُ هَذَا فِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ بَاطِلٌ.

أَمَا قَرَأَ الشَّعْرَاوِىُّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ. أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْكَافِرَ أَحْسَنُ مِنَ الْمُسْلِمِ أَوْ لا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ

اعْلَمْ أَنَّ الْكَافِرَ لا بَرَكَةَ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْكَافِرِينَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وَالدَّوَابُّ هِىَ كُلُّ مَا يَمْشِى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ أَىْ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ (أَىْ بِمَشِيئَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ) إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ (أَىْ يُدَحْرِجُهُ) الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَالْجُعَلُ حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ يُدَحْرِجُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَيَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ. فَمَنْ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ فِيهِ بَرَكَةٌ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ لِأَنَّ كَلامَهُ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ أَمَّا إِذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ أُنَاسٍ مُسْلِمِينَ فَقَالَ كُلُّ النَّاسِ خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ هَؤُلاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ خَيْرٌ وَنَفْعٌ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.

وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يُبَارِكُ بِالْكُفَّارِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْجَمْعِ أَىْ أَطلَقَ وَشَمَلَ كُلَّ الكُفَّارِ وَهَذَا يُفِيدُ التَّعْظِيمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ الْكُفَّارُ لَهُمْ شَأْنٌ عِنْدَ اللَّهِ. أَمَّا إِذَا قَالَ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُفَّارِ اللَّهُ يُبَارِكُ فِيكَ أَوْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ عَلَى مَعْنَى اللَّهُ يُوَسِّعُ عَلَيْكَ الرِّزْقَ وَيُعْطِيكَ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ. لَكِنِ الْكَافِرُ لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ أَىْ لَيْسَ مُبَارَكًا يَعْنِى لَيْسَ لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُقَالُ لِلْكَافِرِ فِيكَ الْبَرَكَةُ بِخِلافِ الْمُسْلِمِ التَّقِىِّ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ أَىْ لَهُ مَنْزِلَهٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ

اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَهُ حُرْمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَكُونُ الْكَلْبُ أَحْسَنَ مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلامَهُ يَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ. أَمَّا إِذَا خَصَّصَ كَلامَهُ لَفْظًا أَىْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِ الْكَلْبُ أَحْسَنُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ الْكُفَّارِ فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَظَّمَ شَأْنَ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ وَرَوَى الْحَافِظُ التِّرْمِذِىُّ فِى جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَجُلانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ حَتَّى الْحِيتَانَ فِى الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْر.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ مُرِيدًا الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ أَىْ أَرَادَ تَعْمِيمَ اللَّعْنِ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَفَرَ وَلا يُنْظَرُ إِلَى قَصْدِهِ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى كَلامِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَعْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ أَنَا قَصَدْتُ عُلَمَاءَ زَمَانِى فَالْقَصْدُ وَحْدَهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ أَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الِاسْتِغْرَاقَ الشَّامِلَ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بَلْ أَرَادَ لَعْنَ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ أَوْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِ لِأَنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِمْ خَيْرًا وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا يَظُنُّ بِهِمْ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ أَىْ كَانَ فِى كَلامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا أَرَادَ لَعْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَأَنْ ذَكَرَ عُلَمَاءَ فَاسِدِينَ فَقَالَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَيُحْمَلُ كَلامُهُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ كَلامُهُ لا يَخْلُو مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَرَبُ جَرَبٌ

اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءُ وَفِيهِمْ أَوْلِيَاءُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْعَرَبُ جَرَبٌ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَشْمَلُ ذَمَّ جَمِيعِ الْعَرَبِ الأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَنْبِيَاءُ مِنَ الْعَرَبِ. وَحُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْعَرَبُ جَرَبٌ أَىْ أَنَّ كُلَّ الْعَرَبِ لا خَيْرَ فِيهِمُ التَّكْفِيرُ قَطْعًا إِلَّا إِذَا خَصَّصَ كَلامَهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ الْيَوْمَ الْعَرَبُ فَسَدُوا ثُمَّ قَالَ الْعَرَبُ جَرَبٌ مُرِيدًا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُهُمْ فَاسِدِينَ فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْعَرَبِ الْيَوْمَ فَاسِدِينَ.