مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ وَأَرَادَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ هَذَا الْمُسْلِمُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسْلامَ كُفْرًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ،
فَقَوْلُهُ ﷺ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا أَىْ كَانَ الْوِزْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ أَىْ إِنْ كَانَ كَافِرًا حَقِيقَةً خَارِجًا مِنَ الإِسْلامِ فَالْوِزْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ كَفَّرَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ أَىْ وَإِلَّا كَانَ الْوِزْرُ عَلَى مَنْ كَفَّرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ لِأَنَّهُ كَفَّرَهُ مُتَأَوِّلًا أَىِ اعْتَمَدَ عَلَى سَبَبٍ فِى ذَلِكَ الشَّخْصِ ظَنَّهُ مُخْرِجًا مِنَ الإِسْلامِ وَهُوَ فِى الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مُخْرِجًا مِنَ الإِسْلامِ كَأَنْ كَفَّرَهُ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ ظَنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ انْتِحَارِهِ كُفْرٌ فَكَفَّرَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكْفُرَ بِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الإِسْلامَ الَّذِى عَلَيْهِ هَذَا الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ كُفْرًا. أَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ يَا كَافِرُ وَقَصَدَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَافِرَ فِى خَسَاسَةِ أَعْمَالِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.
حُكْمُ مَنْ يُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ يُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً فَهُوَ كَافِرٌ فَإِنَّ الْقُرْءَانَ وَأُمُورَ الدِّينِ الْمَنْقُولَةَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ كُلَّهَا مِنْ طَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا. اللَّهُ تَعَالَى مَدَحَ الصَّحَابَةَ فِى الْقُرْءَانِ وَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ رَضِىَ عَنِ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ كَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وَمَعَ ذَلِكَ نَجِدُ أُنَاسًا يَدَّعُونَ الإِسْلامَ وَيُكَفِّرُونَ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً إِلَّا نَحْوَ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ كَعَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ وَالْمِقْدَادِ وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ،
هَؤُلاءِ نَسَبُوا الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ كَيْفَ يَقُولُونَ عَنْهُمْ كُفَّارٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ رَضِىَ عَنْهُمْ فَهَلِ اللَّهُ يَرْضَى عَنِ الْكَافِرِينَ وَهُوَ الْقَائِلُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. بَعْضُ هَؤُلاءِ الْحَمْقَى يَقُولُونَ هُمْ فِى الأَوَّلِ كَانُوا عَلَى حَالٍ حَسَنٍ لَكِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِىِّ ﷺ فَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ وَكَفَرُوا فَيُقَالُ لَهُمْ هَلِ اللَّهُ كَانَ جَاهِلًا لَمَّا أَنْزَلَ قُرْءَانًا فِى مَدْحِهِمْ، وَكَانَ عَالِمًا فِى الأَزَلِ بِحَالِهِمْ وَكَيْفَ يَكُونُونَ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا وَمَعَ ذَلِكَ أَنْزَلَ فِى الْقُرْءَانِ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فَإِذَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُمْ سَيَرْتَدُّونَ وَيَكْفُرُونَ وَمَدَحَهُمْ فَيَكُونُ جَاهِلًا بِزَعْمِكُمْ وَهَذَا كُفْرٌ وَضَلالٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
ثُمَّ مَنْ يَدَّعِى مَحَبَّةَ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُكَفِّرُ الصَّحَابَةَ مَاذَا يَقُولُ فِى تَزْوِيجِ عَلِىٍّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا وَعَلِىٌّ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِعُمَرَ يَعْنِى أَنَّ عَلِيًّا أَعْطَى ابْنَتَهُ لِعُمَرَ لِيَزْنِىَ بِهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَهَلْ هَذَا يَلِيقُ بِسَيِّدِنَا عَلِىٍّ وَمَقَامِهِ وَبِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ أَنْجَبَتْ مِنْ عُمَرَ طِفْلًا اسْمُهُ زَيْدٌ وَهَذَا مَذْكُورٌ فِى كُتُبِهِمْ فَزَيْدٌ أَبُوهُ عُمَرُ وَجَدُّهُ عَلِىٌّ وَجَدَّتُهُ فَاطِمَةُ وَخَالُهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ،
وَلَكِنْ بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ نَعَمْ هُوَ تَزَوَّجَهَا لَكِنْ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهَا وَمَعْنَى كَلامِهِمْ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِىٍّ زَنَتْ مَعَ إِنْسَانٍ ءَاخَرَ فَوَلَدَتْ زَيْدًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَهَلْ يُحِبُّ أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ يَقُولُ هَذَا، لا وَاللَّهِ، هَذَا عَدُّوُ أَهْلِ الْبَيْتِ كَيْفَ يَتَهِّمُ السَّيِّدَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ فَاطِمَةَ بِالزِّنَا وَيَتَّهِمُ سَيِّدَنَا عَلِيًّا أَنَّهُ أَعْطَى ابْنَتَهُ لِعُمَرَ لِيَزْنِىَ بِهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا كَانَ يُصَلِّى جَمَاعَةً خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا مَا كَانَ يُصَلِّى خَلْفَهُمْ لِأَنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ خَلْفَ كَافِرٍ. فَإِذَا قَالُوا صَلَّى خَلْفَهُمْ تَقِيَّةً أَىْ أَظْهَرَ خِلافَ مَا كَانَ يُبْطِنُ فَيُقَالُ لَهُمْ إِذًا عَلَى زَعْمِكُمْ صَارَ الدِّينُ كُلُّهُ تَقِيَّةً فَإِذًا لا يَصِحُّ لَكُمْ أَنْ تَنْقُلُوا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا عَنِ الإِمَامِ عَلِىٍّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ تَقِيَّةً عَلَى زَعْمِكُمْ وَبِهَذَا يَنْهَدِمُ مَذْهَبُكُمْ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كُفَّارًا كَيْفَ يَصِحُّ عَقْدُ النَّبِىِّ عَلَى عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الَّذِى زَوَّجَهَا لِلنَّبِىِّ ﷺ وَكَيْفَ يَصِحُّ عَقْدُ النَّبِىِّ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وَعُمَرُ هُوَ الَّذِى زَوَّجَهَا لَهُ، إِذًا عَلَى زَعْمِهِمُ الرَّسُولُ ﷺ كَانَ يُعَاشِرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِالْحَرَامِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ عُثْمَانُ كَافِرًا هَلْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يِزَوِّجُهُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ ثُمَّ رُقَيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّ كُلْثُومٍ. لا يَلِيقُ بِالنَّبِىِّ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ إنَّهُ أَعْطَى بَنَاتِهِ لِكَافِرٍ لِيَزْنِىَ بِهِنَّ. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا.
حُكْمُ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يلْعَنْ دِينَكَ
مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يلْعَنْ دِينَكَ بِمَعْنَى أَلْعَنُ دِينَكَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ دِينَ الإِسْلامِ كَفَرَ الْقَائِلُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءُ إِنْ قَصَدَ لَعْنَ سِيرَتِهِ أَىْ عَادَاتِهِ وَأَخْلاقِهِ الْخَبِيثَةِ فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ لَفْظَ الدِّينِ يَأْتِى بِمَعْنَى السِّيرَةِ. أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ أَىْ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ سِيرَتَهُ وَلا قَصَدَ دِينَ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ عِنْدَ فَقْدِ الْقَرِينَةِ أَىِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرِ الأَكْثَرِ اسْتِعْمَالًا وَهُوَ الِاعْتِقَادُ.
