اعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أَىْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الْكَافِرِينَ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَىْ فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ أَىْ فَهُمْ كُفَّارٌ وَلا يُحِبُّ اللَّهُ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ أَحَبَّهُمْ أَىْ لَوْ أَرَادَ لَهُمُ الْخَيْرَ فِى الآخِرَةِ لَرَزَقَهُمُ الإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُعْطِى الْمَالَ لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِى الإِيمَانَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُحِبُّهُ لِكُفْرِهِ مَهْمَا حَسُنَ خُلُقُهُ وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ وَمَنِ ادَّعَى غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِلْكَافِرِ اللَّهُ يُكْرِمُكَ بِقَصْدِ أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ كَفَرَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ أَمَّا مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ اللَّهُ يُكْرِمُكَ وَلا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ بَلْ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُ بِالتَّوْسِعَةِ فِى الرِّزْقِ فَلا يَكْفُرُ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ مَعْنَى أَكْرَمَهُ اللَّهُ فِى اللُّغَةِ وَسَّعَ عَلَيْهِ الرِّزْقَ.
حُكْمُ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ
اعْلَمْ أَنَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَفَرَ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ قَالُوا وَمَا وُقُوعُ الْحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِىَ مُشْرِكَةٌ،
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ. وَكَذَا يَكْفُرُ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْكَافِرِ الْحَىِّ وَقَصَدَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إِلَى الْمَوْتِ. أَمَّا مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ حَىٍّ اللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ وَقَصَدَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ بِدُخُولِهِ فِى الإِسْلامِ فَلا يَكْفُرُ. أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ أَنَّ سَيِّدَنَا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ فَمَعْنَاهُ اطْلُبُوا مَغْفِرَةَ اللَّهِ بِالدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّهِ أَبِى طَالِبٍ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، مَعْنَاهُ لَأَطْلُبَنَّ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ بِدُخُولِكَ فِى الإِسْلامِ إِلَّا إِذَا مِتَّ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ الرَّسُولَ مَنْهِىٌّ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الإِسْلامِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِكَافِرٍ حَىٍّ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ عَلَى مَعْنَى اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ فِى الإِسْلامِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَنَا فَيَجُوزُ مَعَ الْقَيْدِ أَىْ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ بِالإِسْلامِ.
الدَّلِيلُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ (أَىْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ (أَىْ سَنَامَ الإِبِلِ أَىْ أَعْلَى ظَهْرِهَا وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ الْعَرَبِ) وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ (أَىْ تَقْتُلُهُمْ فِى الْجِهَادِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ (لَهُ أَنْ يَقُولَ مِنَ الْكَلامِ فِى الرَّدِّ عَلَيْهِ)
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ مَا أَقُولُ (أَىْ عَلِّمْنِى شَيْئًا أَقُولُهُ) قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى (أَىِ احْفَظْنِى مِنْ شَرِّ نَفْسِى) وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى (أَىْ دُلَّنِى عَلَى مَا فِيهِ خَيْرِى وَصَلاحِى) فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ثُمَّ (عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَ)قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّى أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ عَلِّمْنِى فَقُلْتَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ، فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ مَا دَامَ كَافِرًا لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ مَا عَلَّمَهُ الِاسْتِغْفَارَ اللَّفْظِىَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ.
حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ
اعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ صِفَةٌ لِلَّهِ وَمَعْنَى الْقَدَرِ تَدْبِيرُ الأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ مُطَابِقٍ لِعِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ فَيُوجِدُهَا فِى الْوَقْتِ الَّذِى عَلِمَ أَنَّهَا تَكُونُ فِيهِ أَىْ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْقَدَرُ هُوَ جَعْلُ كُلِّ شَىْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ مَعْنَى التَّدْبِيرِ التَّفْكِيرَ لِأَنَّ التَّفْكِيرَ صِفَةٌ حَادِثَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ فَلا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ التَّفْكِيرُ إِنَّمَا الَّذِى يُوصَفُ بِهِ هُوَ التَّدْبِيرُ أَىِ التَّقْدِيرُ. فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. أَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَالْقَدَرِيَّةِ أَىِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ حُصُولَ الْمَعَاصِى وَالشُّرُورِ وَمُحَمَّد رَاتِب النَّابُلُسِى الْقَائِلِ بِأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَكَلامُهُ هَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بقَدَرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالطَّاعَةُ كُلُّهَا مَا كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَبِرِضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَالْمَعَاصِى كُلُّهَا بِعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَائِهِ وَلا بِأَمْرِهِ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ قَوْلُ اللَّهُ لا يُقَدِّرُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ كَمَا أَنَّهُ لا يُقَالُ لا قَدَّرَ اللَّهُ. وَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ شَاءَ الْقَدَرُ أَوْ شَاءَتِ الأَقْدَارُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَدَرَ لا يُوصَفُ بِالْمَشِيئَةِ إِنَّمَا الَّذِى يُوصَفُ بِالْمَشِيئَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ نَحْنُ نَصْنَعُ قَدَرَنَا بِأَيْدِينَا كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ أَبِى الْقَاسِمِ الشَّابِّىّ إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الْحَيَاةَ *** فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرُ فَإِنَّهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ الْعِبَادِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلاثِمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ هِجْرِيَّةً غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا لا مَشِيئَةَ لِلْعِبَادِ إِلَّا مَا شَاءَ لَهُمْ.
