التَّعْطِيلُ هُوَ نَفْىُ وُجُودِ اللَّهِ وَهُوَ أَشَدُّ الْكُفْرِ عَلَى الإِطْلاقِ. وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ كُفْرُ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالَمُ وَأَنَّ أَفْرَادَ الْعَالَمِ أَجْزَاءٌ مِنْهُ تَعَالَى وَكُفْرُ الْحُلُولِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ كَاعْتِقَادِ الشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ دَاخِلٌ فِى كُلِّ شَخْصٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.

كُفْرُ النِّفَاقِ

النِّفَاقُ فِى الدِّينِ هُوَ التَّظَاهُرُ بِالإِسْلامِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ وَالْمُنَافِقُ هُوَ الَّذِى يُظْهِرُ الإِسْلامَ وَيُخْفِى الْكُفْرَ فِى قَلْبِهِ كَأَنْ كَانَ يَكْرَهُ الإِسْلامَ بَاطِنًا أَوْ عِنْدَهُ شَكٌّ فِى صِحَّةِ الإِسْلامِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَىٍّ بنِ سَلُول رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ بَعْدَ ظُهُورِ الْكُفْرِ مِنْهُ وَيَدْخُلُ الْمَسَاجِدَ وَيُصَلِّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمَّا سُئِلَ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ أَنْكَرَ قَالَ لَمْ أَقُلْ،

وَمُرَادُهُ بِالأَعَزِّ نَفْسُهُ وَبِالأَذَلِّ الرَّسُولُ ﷺ. وَأَرْسَلَ فِى مَرَضِ وَفَاتِهِ وَلَدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوْبَهُ لِيُكَفَّنَ بِهِ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَجْرَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِكُفْرِهِ بَلْ بَقِىَ مُتَظَاهِرًا بِالإِسْلامِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الرَّسُولِ نِفَاقُهُ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِذَلِكَ صَلَّى عَلَيْهِ الرَّسُولُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ لَمَّا أَطْلَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوَحْىِ أَنَّ ابْنَ سَلُولٍ مَاتَ كَافِرًا تَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ.

أَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى النِّفَاقِ فَقَدِ افْتَرَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَهُ مُتَلاعِبًا بِالدِّينِ أَىْ جَعَلَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فِى صَلاتِهِ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ لا تَغْفِرُ لَهُ وَفِى هَذَا نِسْبَةُ الْكُفْرِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّلاةِ عَلَى الْمَيِّتِ طَلَبُ الرَّحْمَةِ لَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَافِرَ لا يُرْحَمُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا يَنْتَفِعُ بِشَىْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحَةِ أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ النَّبِىَّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً صَالِحَةً فَكَانَ ذَلِكَ حَتَّى لا يُسِىءَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهْمَ ذَلِكَ فَيَقْتَدِىَ بِالنَّبِىِّ ﷺ فَيَسْتَغْفِرَ لِوَالِدِهِ أَوْ لِوَالِدَتِهِ الَّتِى مَاتَتْ عَلَى الشِّرْكِ فَيَهْلِكُ بِذَلِكَ. وَالْكَافِرُ الْمُنَافِقُ يَكُونُ فِى الآخِرَةِ فِى الْقَعْرِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.

كُفْرُ الإِشْرَاكِ

اعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَى نَوْعَيْنِ كُفْرٌ شِرْكٌ كَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ أَوِ الشَّيْطَانِ أَوِ النَّارِ وَكُفْرٌ غَيْرُ شِرْكٍ كَسَبِّ اللَّهِ أَوْ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَوْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَىْءٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلامِ. وَالشِّرْكُ الَّذِى هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِى لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَىْ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ أَوْ وَصَلَ إِلَى حَالَةِ الْيَأْسِ مِنَ الْحَيَاةِ بِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَمَلائِكَةِ الْعَذَابِ أَوْ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ بِحَيْثُ أَيْقَنَ بِالْهَلاكِ،

إِنَّمَا الشِّرْكُ يُغْفَرُ بِالإِسْلامِ فِى الْوَقْتِ الَّذِى يَكُونُ مَقْبُولًا فِيهِ أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِى يُقْبَلُ فِيهِ فَلا يَمْحُو إِسْلامُهُ كُفْرَهُ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ يَغْفِرُ اللَّهُ مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَجَنِّبِينَ لِلْكُفْرِ بِنَوْعَيْهِ الإِشْرَاكِ بِاللَّهِ وَالْكُفْرِ الَّذِى لَيْسَ فِيهِ إِشْرَاكٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ قَالُوا وَمَا وُقُوعُ الْحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِىَ مُشْرِكَةٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَالشِّرْكُ حَدَثَ فِى الْبَشَرِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِىِّ إِدْرِيسَ أَىْ بَعْدَ وَفَاةِ ءَادَمَ بِأَلْفِ سَنَةٍ وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى الْكُفْرِ زَمَانًا إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ سَيِّدَنَا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ.

كُفْرُ الْجُحُودِ

الْجُحُودُ مَعْنَاهُ الإِنْكَارُ وَهُنَا مَعْنَاهُ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كُفْرٌ كَإِنْكَارِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ أَوِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الْحَجِّ أَوْ إِنْكَارِ حُرْمَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الْكَذِبِ أَوِ الْغِيبَةِ أَوِ الِانْتِحَارِ، أَمَّا مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ وَنَحْوَهُ فَلا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ فَرْضِيَّةِ الصَّلاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَنَّ هَذَا دِينُ الإِسْلامِ أَمَّا إِذَا أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا أَوْ صَحَّحَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإِسْلامِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولَوْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ.

فَمَنْ وَقَعَ فِى الْكُفْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْطِقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِلرُّجُوعِ إِلَى الإِسْلامِ وَلا يَرْجِعُ إِلَى الإِسْلامِ بِقَوْلِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بنُ الْمُنْذِرِ فِى كِتَابَيْهِ الإِشْرَافِ وَالإِجْمَاعِ.

الْكُفْرُ الَّذِى يَحْصُلُ بِالشَّكِّ

اعْلَمْ أَنَّ الشَّكَّ خِلافُ الْيَقِينِ وَالشَّكُّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ وَلا يَكُونُ الإِنْسَانُ مُؤْمِنًا إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِالْقَلْبِ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَىْ لَمْ يَشُكُّوا. أَمَّا مَنْ شَكَّ فِى أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ كَفَرَ كَأَنْ شَكَّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ أَىْ عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لِلْمَخْلُوقَاتِ أَوْ فِى أَىِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ شَكَّ فِى تَنَزُّهِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَعَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ كَالْكَذِبِ وَالسَّفَاهَةِ وَالرَّذَالَةِ وَالدَّنَاءَةِ أَوْ شَكَّ فِى صِحَّةِ الإِسْلامِ.

وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ شَكَّ فِى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ الَّتِى يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهَا الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ شَكَّ فِى الْقُرْءَانِ هَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ لا أَوْ شَكَّ فِى الْيَوْمِ الآخِرِ أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَلْ يَكُونُ أَوْ لا أَوْ شَكَّ فِى وُجُودِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ فِى الآخِرَةِ أَوْ شَكَّ فِى كُفْرِ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ الإِسْلامِ.