مَنِ اسْتَخَفَّ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ شَرْعِ اللَّهِ كَفَرَ كَأَنْ عَلِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ ثُمَّ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ أَعْطَاهُ عَالِمٌ فَتْوًى فَقَالَ أَيْشٍ أَىْ أَىُّ شَىْءٍ هَذَا الشَّرْعُ مُرِيدًا بِهَذَا الْقَوْلِ الِاسْتِخْفَافَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا الْحَرَامَ أَلا تَعْرِفُ الْحُكْمَ فَقَالَ لا أَعْرِفُ الْحُكْمَ مُسْتَهْزِئًا بِحُكْمِ اللَّهِ كَفَرَ.
حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ
مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ كَفَرَ كَأَنْ أَنْكَرَ أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ أَوْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوِ اسْتَحَلَّ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ حَرَّمَ النِّكَاحَ عَلَى الإِطْلاقِ أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ حَثَّ عَلَى فِعْلِ شَىْءٍ كَصَلاةِ الْوِتْرِ.
حُكْمُ مَنْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ لِحِكْمَةٍ وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَنَهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْمَكْرُوهَاتِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا اللَّهُ لِأَنَّ فِعْلَ اللَّهِ لا يَخْلُو مِنْ حِكْمَةٍ سَوَاءٌ عَرَفْنَا الْحِكْمَةَ مِنْهُ أَوْ لَمْ نَعْرِفْ وَكُلُّ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ لا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ.
فَالْحَسَنُ هُوَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحُ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ. وَالْحَسَنَ هُوَ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِفِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا كَالصَّلاةِ أَوْ مُسْتَحَبًّا كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ أَىْ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَطَسَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَمَنْ فَعَلَهُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ ثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا الْقَبِيحُ فَهُوَ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْ فِعْلِهِ أَىْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِتَرْكِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَكْرُوهًا كَالأَكْلِ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَوْ مُحَرَّمًا كَالْكَذِبِ فَمَنْ تَرَكَهُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ ثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَجُوزُ تَقْبِيحُ الْحَسَنِ أَوْ تَحْسِينُ الْقَبِيحِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فَمَنْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ كَأَنْ ذَمَّ لُبْسَ الْحِجَابِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ كَأَنِ اسْتَحْسَنَ الْكَذِبَ كَفَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ
اعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ أَىِ الْعَقَائِدَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ مَنْ خَالَفَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِوُرُودِهِ فِى الشَّرْعِ لا يَصِحُّ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَاعْتِقَادِ وُجُودِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَقِدَمِهِ وَبَقَائِهِ وَقِيَامِهِ بِنَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَيَاتِهِ وَكَلامِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالْمَثِيلِ وَاعْتِقَادِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَنَزُّهِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَعَنِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ كَالْكَذِبِ وَالسَّفَاهَةِ وَالدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِى مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا الْقِسْمُ الأَوَّلُ مَا كَانَ مِنَ الأُصُولِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةٍ أَىْ يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَالإِيمَانِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فَيُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ وَالثَّانِى لَيْسَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ لا يَشْتَرِكُ فِى مَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ وَالْعَامَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعَوَامِّ وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالإِيمَانِ بِالْحَوْضِ الَّذِى يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ فَلا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ وَالشَّاكُّ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ.
حُكْمُ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ فَأَنْكَرَ حُكْمًا مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ
مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَىْ أَسْلَمَ مِنْ وَقْتٍ قَرِيبٍ وَنَحْوَهُ أَىْ شَبِيهَهُ كَمَنْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ حُكْمٍ مِنَ الأَحْكَامِ الَّتِى لا تُعْرَفُ إِلَّا بِالنَّقْلِ كَإِنْكَارِ فَرْضِيَّةِ الصَّلاةِ وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَنَّ هَذَا مِنْ دِينِ الإِسْلامِ بَلْ يُعَلَّمُ ثُمَّ إِنْ أَنْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَيُطَالَبُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى الإِسْلامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعْدِ اللَّهِ أَوْ وَعِيدِهِ
مَنْ سَخِرَ بِوَعْدِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْعَظِيمِ كَفَرَ كَالَّذِى يَقُولُ الْجَنَّةُ لُعْبَةُ الصِّبْيَانِ أَوْ إِنَّ نَعِيمَ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ سَخِرَ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِالنَّارِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ الأَلِيمِ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ غَدًا نَتَدَفَّأُ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْءَانِ أَمَّا سَبُّ جَهَنَّمَ أَىْ ذَمُّهَا كَقَوْلِ جَهَنَّمُ خَبِيثَةٌ أَوْ أَنَا أَكْرَهُ جَهَنَّمَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ مُعَظَّمَةً كَالْجَنَّةِ إِنَّمَا هِىَ شَىْءٌ شَدِيدٌ وَلَوْ كَانَتْ مُعَظَّمَةً مَا كُنَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ إِنَّمَا الْكُفْرُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا لَيْسَتْ بِشَىْءٍ أَوْ هِىَ شَىْءٌ خَفِيفٌ.
جَهَنَّمُ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَقُولُوهُ فِى الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ تَعَالَى فِى ذَمِّ جَهَنَّمَ ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ وَقَالَ ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
حُكْمُ مَنْ يَقُولُ الْجَنَّةُ بِلا نَاسٍ لا تُدَاس
اعْلَمْ أَنَّ الْجَنَّةَ دَارُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ لا يَشْكُو فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَحْشَةً وَلا مَلَلًا وَلا هَمًّا وَلا غَمًّا بَلْ يَكُونُ فَرِحًا مَسْرُورًا مُسْتَأْنِسًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْبَشَرِ أَلَيْسَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ فِى بَادِئِ الأَمْرِ وَحْدَهُ فِى الْجَنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ خُلِقَ فِيهَا وَهُوَ أَبُو الْبَشَرِ. أَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْجَنَّةُ بِلا نَاسٍ لا تُدَاسُ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ مُعَارِضٌ لِلنُّصُوصِ الْقُرْءَانِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظِيمِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَفِيهِ تَكْذِيبٌ لِلدِّينِ فَهُوَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلامِ. أَمَّا مَنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنَ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ بِوُجُودِ النَّاسِ يَكُونُ أَكْثَرَ اسْتِأْنَاسًا فَلا يَكْفُرُ لَكِنَّهُ حَرَامٌ يَجِبُ النَّهْىُ عَنْهُ.
