مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ بَطَلَ صَوْمُهُ وَتَيَمُّمُهُ وَيَحْرُمُ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ وَلا يَرِثُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَجُوزُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ إذا مَاتَ وَلا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ وَلا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ.

حُكْمُ مَنْ يَأْتِى بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ

اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرٌ فَإِنَّهُ يَخْسَرُ حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةَ كُلَّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِ حَسَنَاتُهُ الَّتِى خَسِرَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ وَأَمَّا ذُنُوبُهُ الَّتِى عَمِلَهَا أَثْنَاءَ الرِّدَّةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ فَلا تُمْحَى عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ إِنَّمَا الَّذِى يُغْفَرُ لَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ فَقَطْ وَأَمَّا الْكَافِرُ الأَصْلِىُّ أَىِ الَّذِى وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَبَلَغَ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ ذُنُوبَهُ تُمْحَى بِإِسْلامِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ،

أَىْ يَمْحُو مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْكُفْرِ وَمَا سِوَاهُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الأَصْلِىَّ إِذَا أَسْلَمَ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ وَمَعَاصِيهِ ثُمَّ بَعْدَ إِسْلامِهِ إِذَا عَمِلَ حَسَنَاتٍ تُسَجَّلُ لَهُ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ الْجَدِيدَةُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُفْرَهُ وَمَعَاصِيَهُ تَنْقَلِبُ حَسَنَاتٍ كَمَا يَدَّعِى عَمْرُو خَالِد الدَّاعِيَةُ إِلَى الْكُفْرِ وَالإِلْحَادِ فَإِنَّهُ قَالَ فِى الْمُحَاضَرَةِ الْمُسَمَّاةِ التَّوْبَةَ إِنَّ الذَّنْبَ يُمْحَى وَيُكْتَبُ مَكَانَهُ حَسَنَةٌ حَتَّى إِنَّ الطَّائِعِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْسُدُونَ الْعُصَاةَ مِنْ كَثْرَةِ الذُّنُوبِ الَّتِى انْقَلَبَتْ حَسَنَاتٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ عَنِ الْعَاصِى الَّذِى تَابَ كُلُّ الصَّلَوَاتِ الَّتِى تَرَكَهَا انْقَلَبَتْ حَسَنَاتٍ وَالْمَالُ الْحَرَامُ الَّذِى أَكَلَهُ انْقَلَبَ حَسَنَاتٍ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ.

حُكْمُ نِكَاحِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ

مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ بَطَلَ نِكَاحُهُ وَلا تَحِلُّ لَهُ وَلَوْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَكَذَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ إِنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الإِسْلامِ فِى مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الْعَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِىِّ. وَمُدَّةُ الْعِدَّةِ ثَلاثَةُ أَطْهَارٍ لِمَنْ تَحِيضُ وَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ لِمَنْ لا تَحِيضُ وَأَمَّا الْحَامِلُ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِى بِوَضْعِ الْحَمْلِ.

فَإِنْ جَامَعَ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ الْمُرْتَدَّةَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ بِرِدَّتِهَا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَيُنْسَبُ الْوَلَدُ الْمُنْعَقِدُ مِنْ هَذَا الْجِمَاعِ إِلَيْهِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجَ وَجَامَعَ امْرَأَتَهُ الْمُسْلِمَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْرِفَ بِرِدَّتِهِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهَا وَلا يُنْسَبُ الْوَلَدُ لَهُ، أَمَّا الْكُفَّارُ الأَصْلِيُّونَ فَإِنَّ نِكَاحَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ نِكَاحٌ يَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ الْوَلَدِ فَيُقَالُ مَثَلًا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فَيُنْسَبُ إِلَى أَبِيهِ مَعْ أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْمُرْتَدُّ لا يَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلا غَيْرِهَا.

الْحُكْمُ عَلَى الشَّخْصِ بِالرِّدَّةِ لِمُجَرَّدِ شَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَيْهِ بِذَلِكَ

لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا وَلا بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ. وَالْعَدْلُ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُجْتَنِبُ لِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلا يُكْثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغِيرَةِ بِحَيْثُ تَزِيدُ عَلَى طَاعَاتِهِ الْمُجْتَنِبُ لِمَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ كَتَطْيِيرِ الْحَمَامِ أَوِ الرَّقْصِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الْمُحَرَّمِ أَوِ الإِكْثَارِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُضْحِكَةِ الَّتِى لَيْسَ فِيهَا ثَمَرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً أَوِ الأَكْلِ فِى السُّوقِ مَاشِيًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ أَوِ الْعَمَلِ فِى مِهْنَةِ الزَّبَّالِ إِنْ لَمْ تَسُقْهُ الضَّرُورَةُ.

مُعَامَلَةُ الْمُرْتَدِّ

اعْلَمْ أَنَّ عِشْرَةَ الْمُرْتَدِّ لا خَيْرَ فِيهَا فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ. فَعِشْرَةُ الْمُرْتَدِّ قَدْ تَجُرُّ إِلَى الْحَرَامِ وَقَدْ يَقَعُ مَنْ يُعَاشِرُهُ فِى مَسْأَلَةٍ يَكُونُ فِيهَا هَلاكُهُ. فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمُسْلِمُ مَعَ الْمُرْتَدِّ يُخْشَى أَنْ يَتَوَهَّمَ مِنْهُ الْمُرْتَدُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ أَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ فِيهِ ثَوَابٌ لا يَجُوزُ فَلا يُقَالُ لَهُ صَلِّ وَلا يُدْعَى إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِى الذِّكْرِ الْجَمَاعِىِّ.

وَلا يَجُوزُ إِعَانَتُهُ عَلَى فِعْلٍ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْمُرْتَدُّ أَنَّ عَمَلَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ الْمُرْتَدَّ الَّذِى يَعْمَلُ صُورَةَ الطَّاعَةِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِذَلِكَ ثَوَابٌ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ فَلا يَجُوزُ إِعَانَتُهُ عَلَى الْكُفْرِ. فَإِذَا طَلَبَ الْمُرْتَدُّ مِنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَدَاءِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِ الْوُضُوءِ لِيَتَوَضَّأْ أَوْ طَلَبَ مِنْهُ سَجَّادَةَ الصَّلاةِ أَوْ سَأَلَ عَنْ وَقْتِ دُخُولِ الصَّلاةِ أَوِ اتِّجَاهِ الْقِبْلَةِ فَلا يُجِيبُهُ.

وَإِذَا سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِى الشَّرْعِ فَلا يُجِيبُهُ إِنَّمَا يُجِيبُهُ عَنْ السُّؤَالِ الَّذِى يُؤَدِّى بِهِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ فِى الإِسْلامِ أَىْ يُجِيبُهُ لِيَدْخُلَ فِى الإِسْلامِ. فَيَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ صَدِيقًا يَنْفَعُهُ فِى دِينِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل، مَعْنَاهُ انْتَقُوا وَاخْتَارُوا مَنْ تَتَّخِذُونَهُ خَلِيلًا أَىْ صَدِيقًا، مَنْ كَانَ يَنْفَعُكُمْ لِدِينِكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِمُصَادَقَتِهِ وَمَنْ لا يَنْفَعُكُمْ فِى دِينِكُمْ بَلْ يَضُرُّكُمْ فَابْتَعِدُوا عَنْهُ أَىْ لا تُصَادِقُوهُ.

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِىٌّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مَعْنَاهُ أَنَّ الأَوْلَى فِى الصُّحْبَةِ الْمُؤْمِنُ وَأَنَّ الأَوْلَى بِالإِطْعَامِ هُوَ التَّقِىُّ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ تُصَاحِبَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ وَلا يَجُوزُ أَنْ تُطْعِمَ غَيْرَ التَّقِىِّ. قَالَ الإِمَامُ الْعَبْدَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا أَرَدْتَ الرُّقِىَّ فَصَاحِبِ الأَخْيَارَ.