اعْلَمْ أَنَّ الْغَضَبَ لَيْسَ عُذْرًا. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَكْفُرُونَ عِنْدَ الْغَضَبِ يَسُبُّونَ خَالِقَهُمْ أَوْ يَسُبُّونَ دِينَ الإِسْلامِ. الإِنْسَانُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَ اللَّهَ فِى كُلِّ أَحْوَالِهِ إِنْ كَانَ فِى حَالِ الْغَضَبِ أَوْ فِى حَالِ الرِّضَى فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمِلَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِى سَأَلَهُ مَا يُنْجِينِى مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ لَهُ لا تَغْضَبْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْغَضَبَ يُؤَدِّى إِلَى سَخَطِ اللَّهِ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَلا تَغْضَبْ أَىِ اتْرُكِ الْغَضَبَ فَإِنَّ الْغَضَبَ مَهْلَكَةٌ كَبِيرَةٌ قَدْ يُوصِلُ الإِنْسَانَ إِلَى الْكُفْرِ وَقَدْ يُوصِلُهُ إِلَى قَتْلِ شَخْصٍ ظُلْمًا أَوْ إِلَى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ وَقَدْ يُوصِلُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ.

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلامِهِ (أَىْ عَبْدِهِ) فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَسْتَ مُسْلِمًا (أَىْ كَيْفَ تَضْرِبُ وَلَدَكَ أَوْ غُلامَكَ هَذَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ أَلَسْتَ مُسْلِمًا) فَقَالَ لا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ (لأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ بِإِرَادَتِهِ).

أَقْسَامُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ

قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ اللَّفْظَ إِلَى صَرِيحٍ وَظَاهِرٍ أَمَّا الصَّرِيحُ فَهُوَ الَّذِى لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ يَقْتَضِى التَّكْفِيرَ فَيُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ كَقَوْلِ إِنْسَانٍ أَنَا اللَّهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ كَلِمَةً كُفْرِيَّةً لا تَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهَا مَعْنًى ءَاخَرَ غَيْرَ كُفْرِىٍّ فَقَالَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِى ظَنَّهُ مَعْنًى لَهَا فَلا يَكْفُرُ.

وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ بَعْضُهَا كُفْرٌ وَبَعْضُهَا لَيْسَ كُفْرًا وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرَ لِلَّفْظِ الأَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِيهِ كُفْرٌ فَلا يُكَفَّرُ قَائِلُهُ أَىْ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ حَتَّى يُعْرَفَ مِنْهُ الْمَعْنَى الَّذِى أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ أَمَّا إِنْ لَمْ يُرِدِ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ فَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ فَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قِيلَ لَهُ صَلِّ فَقَالَ لا أُصَلِّى فَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِأَنِّى صَلَّيْتُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِقَوْلِكَ لا يَكْفُرُ وَكَذَا إِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى أَنَا مُتَكَاسِلٌ وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لا يُصَلِّى لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.

مِثَالٌ عَنْ لَفْظٍ ظَاهِرٍ فِى الْكُفْرِ

كَقَوْلِ الشَّخْصِ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ مَكْرُوهَةٌ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ الشَّخْصَ لا يَخْشَعُ فِى صَلاتِهِ عَلَيْهَا فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلِمَةَ النَّبِىِّ تَأْتِى فِى اللُّغَةِ بِمَعْنَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ وَتَأْتِى بِمَعْنَى مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ.

حُكْمُ مَنْ يَقُولُ إِذَا كَانَ فِى الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٌ وَاحِدٌ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ يُأْخَذُ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ

مَا يَقُولُهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ يُؤْخَذُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلا يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى مِالِكٍ وَلا إِلَى أَبِى حَنِيفَةَ كَمَا نَسَبَ سَيِّدُ سَابِق فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ شِبْهَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ وَهُوَ شَائِعٌ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ.

فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْكَلامِ فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ أَوْ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفَّرُ قَائِلُهُ وَلَوْ خَالَفَ فِى ذَلِكَ أَلْفُ إِنْسَانٍ وَلا يُنْظَرُ إِلَى كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ.

حُكْمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ

كُلُّ عَقْدٍ أَىِ اعْتِقَادٍ يَحْصُلُ فِى الْقَلْبِ أَوْ فِعْلٍ يَحْصُلُ بِالْجَوَارِحِ كَيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ قَوْلٍ يَتَلَفَّظُ بِهِ بِلِسَانِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللَّهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ شَعَائِرِهِ أَىْ مَعَالِمِ دِينِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ أَىْ لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ الْكُفْرِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ،

أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ.

حُكْمُ الِاسْتِخْفَافِ بِاللَّهِ تَعَالَى

مَنِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ نَسَبَ لِلَّهِ نَقْصًا كَفَرَ كَأَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ أَوْ لَهُ شَكْلٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ قَالَ اللَّهُ يَسْكُنُ السَّمَاءَ أَوْ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ كَأَنْ قَالَ اللَّهُ يَظْلِمُكَ أَوْ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ أَوْ قَالَ أَنَا عَايِفِ اللَّه أَىْ كَرِهْتُ اللَّهَ أَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ اللَّهِ أَوْ قَالَ بِالْعَامِيَّةِ أَنَا قَدْ

اللَّه يَقْصِدُ الْمُمَاثَلَةَ فِى الْحَجْمِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ أَوْ سَمَّى اللَّهَ مَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُسْتَهْزِئًا أَوْ قَالَ هَرَبَ اللَّهُ أَوْ قَالَ فُلان زَاح رَبِّى أَوْ جَنَّن رَبِّى أَوْ هَلَك رَبِّى وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ وَقَوْلُ فُلان زَاح رَبِّى فِيهِ نِسْبَةُ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَالْمَكَانِ لِلَّهِ أَوْ قَالَ بِالْعَامِيَّةِ فُلانٌ خَوَتْ رَبِّى أَىْ جَنَّنَهُ أَوْ قَالَ يلْعَنْ سَمَاءَ رَبِّكَ فَإِنَّ هَذَا اسْتِخْفَافٌ بِاللَّهِ لِأَنَّ مَنْ يَتَلَفَّظُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ يُرِيدُ بِهَا لَعْنَ الْخَالِقِ وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ قَصَدَ سَبَّ السَّمَاءِ الَّتِى هِىَ مَسْكَنُ الْمَلائِكَةِ لِأَنَّ اللَّهَ عَظَّمَ شَأْنَها وَجَعَلَهَا قِبْلَةَ الدُّعَاءِ وَمَهْبِطَ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ.

وَكَذَا يَكْفُرُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الِاسْمَ الَّذِى يَسْتَخِفُّ بِهِ هُوَ اسْمٌ لِلَّهِ أَوِ اسْتَخَفَّ بِأَمْرِ اللَّهِ كَأَنْ قَالَ مُسْتَخِفًّا بِأَمْرِ اللَّهِ لَوْ أَمَرَنِى اللَّهُ بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.