سَبْقُ اللِّسَانِ هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الإِنْسَانُ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ بَلْ جَرَى الْكَلامُ عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَقُولَهُ بِالْمَرَّةِ كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَبْقِ اللِّسَانِ بِرَجُلٍ فَقَدَ دَابَّتَهُ فِى الصَّحْرَاءِ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ

غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ أَىْ عَدَمُ صَحْوِ الْعَقْلِ فَمَنْ غَابَ عَقْلُهُ فَنَطَقَ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ لِارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ النَّائِمَ وَالْمَجْنُونَ وَنَحْوَهُمَا كَالْوَلِىِّ الْمُسْتَغْرِقِ فِى حُبِّ اللَّهِ إِذَا غَابَ عَقْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

حَالَةُ الإِكْرَاهِ

أَىْ أَنْ يَنْطِقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ أَىْ مِمَّا يُؤَدِّى إِلَى الْمَوْتِ فَمَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَلا يَكْفُرُ. وَالْمُكْرَهُ هُوَ الَّذِى هَدَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْكُفْرِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ تَهْدِيدِهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ وَلا يَجِدُ طَرِيقَةً لِلْخَلاصِ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِمَا طَلَبَ مِنْهُ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكْرَهِ فَلا يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُنْشَرِحِ الصَّدْرِ أَىْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَصَدَ أَنْ يَكْفُرَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ سَيِّدُ سَابِق الْمِصْرِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ بِقَوْلِهِ هَذَا كُلَّ الْعِبَادِ فِى حُكْمِ الْمُكْرَهِ وَاللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُكْرَهَ فِى كِتَابِهِ بِحُكْمٍ خَاصٍّ قَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ أَىْ أَنَّ الْمُكْرَهَ إِذَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ تَحْتَ الإِكْرَاهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ وَلَمْ يَعْصِ ﴿وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾.

حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ

حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ هِىَ أَنْ يَنْقُلَ الشَّخْصُ عَنْ غَيْرِهِ كُفْرِيَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ وَلا مُسْتَحْسِنًا لَهُ مَعَ اسْتِعْمَالِ أَدَاةِ الْحِكَايَةِ كَأَنْ يَقُولَ قَالَ فُلانٌ وَيَذْكُرُ كُفْرَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.

حُكْمُ مَنْ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ فِى فَهْمِ الشَّرْعِ

مَنْ تَأَوَّلَ ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا فَأَخْطَأَ لا يَكْفُرُ إِلَّا إِذَا كَانَ تَأَوُّلُهُ فِى الْقَطْعِيَّاتِ أَىْ إِلَّا إِذَا كَانَ تَفْسِيرُهُ لِلآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ يُبْطِلُ الإِيمَانَ بِاللَّهِ أَوِ الإِيمَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَالْقَطْعِىُّ مِنْهُ ما يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِالْعِلْمِ بِهِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ أَىْ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَمَنْ ردَّ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَزَلِيَّتَهُ كَفَرَ وَمِنْهُ مَا لا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ وَالسَّمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ أَوِ الأَخْبَارِ كَالْعِلْمِ بِفَرْضِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالإِيمَانِ بِالْحَوْضِ الَّذِى يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ فَمَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَفَرَ.

مِثَالٌ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ فِى غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ فَأَخْطَأَ

كَالَّذِينَ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ فِى عَهْدِ أَبِى بَكْرٍ لِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا فِى تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿خُذْ﴾ أَىْ يَا مُحَمَّدُ ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أَىْ زَكَاةً وَأَنَّ هَذَا لا يَحْصُلُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُهَا لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فِى حَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالُوا الَّذِى كَانَ يُصَلِّى عَلَيْنَا مَاتَ فَلِمَ يَأْخُذُ أَبُو بَكْرٍ أَمْوَالَنَا فَامْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِهَا فَهَؤُلاءِ لا يُكَفَّرُونَ.

وَكَذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ بِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْنَ تَرْكِ شُرْبِهَا وَلَيْسَ تَحْرِيمًا لِلْخَمْرِ فَشَرِبُوهَا لِأَنَّ هَؤُلاءِ ظَنُّوا أَنَّ الآيَةَ لا تَعْنِى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا لِذَلِكَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَفَّرَهُمْ إِنَّمَا قَالَ اجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ثُمَّ إِنْ عَادُوا (أَىْ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شُرْبَهَا جَائِزٌ) فَاقْتُلُوهُمْ (أَىْ لِكُفْرِهِمْ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ. أَمَّا فِى زَمَانِنَا هَذَا فَلا عُذْرَ لِمَنْ يُنْكِرُ حُرْمَةَ الْخَمْرِ مِمَّنْ كَانَ يَعِيشُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُتَأَوِّلًا الآيَةَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا.

الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَامِدًا فَهُوَ كَافِرٌ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيـمَانِكُمْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ، أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ أَىْ مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا قَالَهُ كُفْرٌ لِأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَكَمَ عَلَى قَائِلِ الْكَلِمَةِ الْكُفْرِيَّةِ بِالْعَذَابِ فِى قَعْرِ النَّارِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ لا يَظُنُّ فِيهَا ضَرَرًا كَمَا جَاءَ فِى الْحَدِيثِ وَلا يُشْتَرَطُ فِى الْوُقُوعِ فِى الْكُفْرِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَاصِدًا الْكُفْرَ وَلا يُشْتَرَطُ اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ فَمَنْ تَلَفَّظَ بِالْكُفْرِ بِإِرَادَتِهِ أَىْ بِغَيْرِ سَبْقِ لِسَانٍ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْنَى كَفَرَ وَلَوْ كَانَ لا يَعْتَقِدُ مَعْنَى الْكَلامِ الَّذِى قَالَهُ وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ سَيِّد سَابِق الْمِصْرِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ. فَكَلامَهُ هَذَا ضِدُّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ وَضِدُّ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ضَلالٌ مُبِينٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ فَاحْذَرُوهُ.