اعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ كُفْرٌ اعْتِقَادِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أَىْ لَمْ يَشُكُّوا، وَكُفْرٌ فِعْلِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾، وَكُفْرٌ لَفْظِىٌّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ وَكُلٌّ مِنَ الأَنْوَاعِ الثَّلاثَةِ مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلامِ بِمُفْرَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ نَوْعٌ ءَاخَرُ.
أَمْثِلَةٌ عَنِ اعْتِقَادَاتٍ كُفْرِيَّةٍ
كَالشَّكِّ فِى وُجُودِ اللَّهِ أَوْ وَحْدَانِيَّتِهِ أَوْ حِكْمَتِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ فِى مَكَانٍ أَوْ أَنَّ لَهُ حَجْمًا أَوْ شَكْلًا أَوْ لَوْنًا أَوْ جِهَةً أَوِ الشَّكِّ فِى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ رِسَالَتِهِ أَىْ فِى كَوْنِهِ مُرْسَلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوِ الشَّكِّ فِى الْقُرْءَانِ هَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ لا أَوِ الشَّكِّ فِى الْيَوْمِ الآخِرِ أَىْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَلْ يَكُونُ أَوْ لا أَوِ الشَّكِّ فِى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ أَىْ فِى وُجُودِهَا فِى الآخِرَةِ أَوْ تَجْوِيزِ الرَّذَائِلِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِغَيْرِ دِينِ الإِسْلامِ.
أَمْثِلَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ كُفْرِيَّةٍ
كَالدَّوْسِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ رَمْيِهِ فِى الْقَاذُورَاتِ أَوِ الْبَوْلِ عَلَيْهِ أَوْ كِتَابَةِ الْقُرْءَانِ بِالْبَوْلِ أَوْ بِدَمِ الْحَيْضِ وَلَوْ لِغَرَضِ الِاسْتِشْفَاءِ أَوْ رَمْىِ وَرَقَةٍ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ فِى نَجَاسَةٍ عَمْدًا أَوِ السُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ شَيْطَانٍ أَوْ نَارٍ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَهَا أَوْ عَلَّقَ شِعَارَ الْكُفْرِ عَلَى نَفْسِهِ لِاعْتِقَادِ وُجُودِ الْبَرَكَةِ فِيهِ أَوْ عَلَّقَهُ تَعْظِيمًا لَهُ أَوْ جَوَّزَ تَعْلِيقَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَشِعَارُ الْكُفْرِ هُوَ مَا اتَّخَذَهُ الْكُفَّارُ عَلامَةً دِينِيَّةً خَاصَّةً بِهِمْ.
أَمْثِلَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ كُفْرِيَّةٍ
كَسَبِّ اللَّهِ أَوْ سَبِّ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَوْ دِينِ الإِسْلامِ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلامِ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالأَذَانِ أَوْ تَجْوِيزِ النُّبُوَّةِ لِأَحَدٍ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ إِنْكَارِ نُبُوَّةِ وَاحِدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نُبُوَّتِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ لَوْ كَانَ فُلانٌ نَبِيًّا مَا ءَامَنْتُ بِهِ أَوْ قَوْلِ إِنَّ الْوَلِىَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِىِّ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ إِنْكَارِ صُحْبَةِ أَبِى بَكْرٍ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ إِنْكَارِ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ إِنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا أَوِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ أَوِ الدُّعَاءِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيرَهُمُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ لِأَنَّ هَذَا تَكْذِيبٌ لِمَا وَرَدَ فِى الشَّرْعِ.
أَبْوَابُ الْكُفْرِ
الْكُفْرُ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ إِمَّا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ تَكْذِيبٌ لِشَرْعِهِ أَوْ تَعْطِيلٌ أَىْ نَفْىُ وُجُودِهِ.
أَمْثِلَةٌ عَنْ كُفْرِ التَّشْبِيهِ
كَمَنْ يَصِفُ اللَّهَ بِالْحُدُوثِ أَىِ الْوُجُودِ بَعْدَ عَدَمٍ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَاتِهِ الثَّابِتَةِ لَهُ أَوْ يُجَوِّزُ الْفَنَاءَ عَلَيْهِ أَوْ يَصِفُهُ بِصِفَاتِ الْجِسْمِ كَالْحَرَكَةِ أَوِ السُّكُونِ أَوِ اللَّوْنِ أَوِ الشَّكْلِ أَوِ الْكَمِيَّةِ أَىْ مِقْدَارِ الْحَجْمِ فَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ كَأَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ مُكَذِّبٌ لِـلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنًى وَلَوْ قَالَهَا لَفْظًا لِأَنَّهُ نَسَبَ الأُلُوهِيَّةَ إِلَى هَذَا الْجِسْمِ الَّذِى تَصَوَّرَهُ وَهُوَ لَيْسَ اللَّه فَلا يَكُونُ أَقَرَّ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ وَلا عَبَدَهُ بَلْ عَبَدَ شَيْئًا تَخَيَّلَهُ وَتَوَهَّمَهُ.
أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ جَمِيلَ الشَّكْلِ إِنَّمَا مَعْنَاهُ جَمِيلُ الصِّفَاتِ أَىْ صِفَاتُهُ كَامِلَةٌ أَوْ مُحْسِنٌ أَىْ مُنْعِمٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَمَعْنَى يُحِبُّ الْجَمَالَ يُحِبُّ لِعِبَادِهِ نَظَافَةَ الْخُلُقِ وَالْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ يُحِبُّ جَمَالَ الشَّكْلِ لِأَنَّ جَمَالَ الشَّكْلِ يَتَّصِفُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
أَمْثِلَةٌ عَنْ كُفْرِ التَّكْذِيبِ
كَاعْتِقَادِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ إِحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَيِّنَةِ وَالأَحْزَابِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّهُ يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَح (أَىْ أَنَّ الْمَوْتَ يُصَوَّرُ بِهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَح) فَيُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْت وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْت رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ. وَمِنْ كُفْرِ التَّكْذِيبِ اعْتِقَادُ أَنَّ الْجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ أَوْ أَنَّ النَّارَ ءَالامٌ مَعْنَوِيَّةٌ أَىْ غَيْرُ حِسِيَّةٍ وَهُوَ كُفْرٌ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾،
أَوْ إِنْكَارُ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الصِّيَامِ فِى رَمَضَانَ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ﴾،
أَوِ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِ الطَّلاقِ عَلَى الإِطْلاقِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَوْ تَحْرِيمُ الطَّلاقِ بِغَيْرِ رِضَى الْمَرْأَةِ أَوْ تَحْلِيلُ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَةَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَشَارِبَهَا وَءَاكِلَ ثَمَنِهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَمُسْتَقِيَهَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
