قَالَ الْقَاضِى عِيَاضٌ الْيَحْصَبِىُّ فِى كِتَابِ الشِّفَا لا خِلافَ أَنَّ سَابَّ اللَّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ، أَىْ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَنْ يَقُولُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ ابْنَ اللَّهِ وَيَقَعُ الْكُفْرُ هُنَا وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ لِلَّهِ ابْنًا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ابْنَ اللَّهِ الْمَحْبُوبَ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا لا يُنْجِيهِ مِنَ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِى الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ أَنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ شَتْمٌ لِلَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَمَنِى ابْنُ ءَادَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أَىْ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاىَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.

حُكْمُ مَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا

مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ الْوَاجِبَةِ لَهُ إِجْمَاعًا كَكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ قَادِرًا أَوْ سَمِيعًا أَوْ بَصِيرًا كَفَرَ وَلا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهْلِ فِى ذَلِكَ مَهْمَا بَلَغَ الْجَهْلُ بِصَاحِبِهِ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَيْهَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ مَنْ نَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ أَىْ بِلا خِلافٍ. فَمَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا كَذِبًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ فَقَالَ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا أَقُولُ بِقَصْدِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا قُلْتُ كَفَرَ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَيْسَ صَادِقًا.

وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ لا يَتَحَمَّلُ فُلانًا لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةَ الْعَجْزِ إِلَى اللَّهِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَنْزَعِجُ مِنْهُ أَمَّا إِذَا كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُ وَأَنَّهُ يَكْرَهُهُ لِفِسْقِهِ فَلا يَكْفُرُ لَكِنْ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْهَا.

حُكْمُ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ

مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ كَفَرَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ فِى عَقِيدَتِهِ وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ (أَىْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ) فَقَدْ كَفَرَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ أَىْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَقَالَ الإِمَامُ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِىُّ التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ أَىْ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ خَلْقِهِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَشْبِيهُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ وَاللَّذَةَ وَالسَّهَرَ كَمَا فَعَلَ عَمْرُو خَالِد فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ اللَّهُ يَسْهَرُ اللَّيْلَ يَنْتَظِرُ عَبْدَهُ حَتَّى يَتُوبَ وَيَقُولُ اللَّهُ قَاعِدٌ يَنْتَظِرُكَ حَتَّى تَتُوبَ وَالْقُعُودُ لا يُوصَفُ بِهِ إِلَّا الْمَخْلُوقُ وَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَتَلَذَّذُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ وَاللَّذَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ انْفِعَالٍ يَتَّصِفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ فَكَيْفَ يَصِفُ الْخَالِقَ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.

وَيَقُولُ أَيْضًا فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى أَخْلاقَ الْمُؤْمِنِ وَاعْرِضْ ظُرُوفَكَ جَمِيعَهَا دُونَ كَذِبٍ وَلا تَسْتَحِ وَاللَّهُ سَيَقِفُ بِجَانِبِكَ وَهَذَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ لا يَجُوزُ نِسْبَةُ الْوُقُوفِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ لِلَّهِ بِمَخْلُوقَاتِهِ. كَمَا أَنَّ عَمْرَو خَالِد يَقُولُ إِنَّ الرَّسُولَ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ لِيُقَابِلَ اللَّهَ وَهَذَا لا يَجُوزُ فِى حَقِّ اللَّهِ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ لا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ جِسْمٍ وَجِسْمٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الأَجْسَامَ وَلا يُشْبِهُهَا لَيْسَ جِسْمًا وَلا يُوصَفُ بِصِفَاتِ الأَجْسَامِ فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الرَّسُولَ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ لِيُقَابِلَ اللَّهَ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَجَعَلَهُ مِثْلَ الْمَلِكِ الْقَاعِدِ فِى مَكَانٍ وَيَأْتِى النَّاسُ لِمُقَابَلَتِهِ فَلا يَكُونُ مُسْلِمًا.

حُكْمُ مَنْ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ

اعْلَمْ أَنَّ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ شَرْعًا وَعَقْلًا لِأَنَّ الظُّلْمَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ فَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِى مِلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ، لا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِينَ بِمَا شَاءَ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِىِّ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ أُبَىَّ بنَ كَعْبٍ (صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) فَقُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ حَدَثَ فِى نَفْسِى شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ (أَىْ خَطَرَ لِى خَاطِرٌ خَبِيثٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ) فَحَدِّثْنِى لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُنِى (أَىْ بِكَلامِكَ) قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَوَاتِهِ (أَىْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ عِبَادِهِ مِن إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلائِكَةٍ) لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يَظْلِمُكَ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ وَكَذَّبَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ يَظْلِمُكَ كَمَا ظَلَمْتَنِى إِلَّا إِذَا كَانَ يَفْهَمُ أَىْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَعْنَى يَظْلِمُكَ فِى هَذَا السِّيَاقِ يَنْتَقِمُ مِنْكَ فَلا نُكَفِّرُهُ بَلْ نَنْهَاهُ وُجُوبًا. وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ فِى حَالِ مَرَضِهِ لَوْ ءَاخَذَنِى اللَّهُ بِتَرْكِ الصَّلاةِ أَىْ لَوْ عَاقَبَنِى عَلَى تَرْكِهَا مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمَرَضِ ظَلَمَنِى لِأَنَّهُ نَسَبَ الظُّلْمَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

حُكْمُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ عَلَى اللَّهِ مَعْنَاهُ نِسْبَةُ الظُّلْمِ أَوِ السَّفَهِ أَىْ عَدَمِ الْحِكْمَةِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ. أَمَّا الظُّلْمُ فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ شَرْعًا وَعَقْلًا لِأَنَّ الظُّلْمَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ لِأَنَّهُ حَكِيمٌ فِى فِعْلِهِ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ بِحِكْمَةٍ فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

فَالسَّلامَةُ فِى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ أَىِ الرِّضَى بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِانْقِيَادِ لِلشَّرْعِ أَىْ قَبُولِ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالأَحْكَامِ فَلا يَصِحُّ الثَّبَاتُ عَلَى الإِسْلامِ إِلَّا لِمَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَصِفْهُ بِمَا لا يَلِيقُ بِهِ. بَعْضُ النَّاسِ لَمَّا يَعْلَمُونَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ يَعْتَرِضُونَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَهُ فِى الْقُرْءَانِ وَيَقُولُونَ هَذَا ظُلْمٌ، هَؤُلاءِ كَفَرُوا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا.

وَكَذَا يَكْفُرُ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ قَوْلًا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ كَأَنْ عَلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ وَعُمْرُهَا سِتُّ سَنَوَاتٍ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِىَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ثُمَّ سَمِعَ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ لِرَجُلٍ كَبِيرِ السِّنِّ فَقَالَ عَنْهُ مَجْنُونٌ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ مَعِيبًا، لَوْ كَانَ عَيْبًا لَعَابَهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعِيبُوهُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِى الْعَرَبِ وَمَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ. وَكَذَا يَكْفُرُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا شَىْءٌ حَسَنٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَبَّحَهُ أَوِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ فَعَلَ ذَلِكَ.