بكسر الحاء، وعمر بضم العين وفتح الميم جمع عمرة.

قدْ حجَّ بعدَ هجرةٍ لِطيبه *** سنةَ عشْر قطْ بغيرِ مِرْيَه

واعتمرَ النبيُّ بعدَ الهجرةِ *** أربعةً والكُلُّ في ذي القَعْدةِ

إلا التي في حجَّةِ الوداعِ *** قَرَنها لمْ يَخْلُ بالنزاعِ

قد حج المصطفى بعد الهجرة من مكة إلى المدينة سنة عشر من الهجرة [ولم يحج بعد الهجرة] غيرها "قط بلا مرية" أي شك، وفي البخاري (1): حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر واحدة وتسمى حجة الوداع.

واعتمر بعد الهجرة عمرًا كلها في ذي القعدة إلا العمرة التي اعتمر بها في حجة الوداع فإنه قرنها أي قرن فيها بين الحج والعمرة معًا على خلاف فيه فقيل: حج قارنًا، وقيل: متمتعًا وهو الأصح، وقيل: بل مفردًا.

أوَّلُها سنةَ سِتّ صُدَا *** فيها عن البيتِ فحَلَّ قَصْدا

كانتْ بها بَيْعَتُهُ المَرْضِيَّهْ *** ثمَّ تليها عُمرةُ القَضِيَّهْ

سنةَ سبعٍ بعدها الجِعْرانهْ *** عامَ ثمانٍ واعدُدَنْ قِرانَهْ

ولم يَعُدَّ مالكٌ ذي الرابعهْ *** وقالَ حجَّ مُفردًا وتابعَهْ

بعضُهمُ وحجَّ قبلَ الهجرةِ *** ثنتينِ أو أكثرَ أو فمرَّةِ

ولم يصحَّ عَدَدُ الحَجَّاتِ *** مِن قبلِ هجرةٍ ولا العُمراتِ

أول عمرة اعتمرها المصطفى عمرة الحديبية وكانت يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة لما أن صُدَّ أي صده المشركون فيها عن الوصول إلى البيت فتحلل عن الهجرة بذبح هديه وحسبت له عمرة، ولم تذكرها عائشة رضي الله عنها في عمره، وكانت بها بيعة الرضوان.

ثم تليها العمرة الثانية وهي التي تسمى عمرة القضية وعمرة القضاء وعمرة القصاص حيث صالحوه من العام المقبل وكانت في ذي القعدة سنة سبع من الهجرة.

وبعدها العمرة الثالثة حين قسم غنائم حنين وكانت من الجعرانة وكانت عام ثمان من الهجرة، وقول الناظم: "واعددن قرانه" أي واعدد أنت.

العمرة الرابعة عمرة قرانه بين العمرة والحج على الصحيح، ولم يعد مالك بن أنس في الموطإ (2) هذه الرابعة وهي عمرته مع حجة الوداع مفردًا بالحج دون العمرة، وتابعه على مقالته هذه بعضهم كالشافعي في أحد قوليه.

وأما عدد ما حجه المصطفى قبل الهجرة فقد قيل: إنه حج ثنتين لما رواه الرمذي (3) عن جابر: "حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج ثنتين قبل أن يهاجر"، وقيل: أكثر من ثنتين، وفي الإكليل عن جابر: "حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر حججًا"، وقيل: مرة واحدة فقط، والراجح أنه لم يصح عدد الحجات التي حجها قبل الهجرة ولا عدد المرات التي اعتمرها قبلها.

باب ذكر مغازيه

جمع مغزاة، والمغزاة الغزاة المرة الواحدة من الغزو، والفاعل غازٍ يقال: غزوت العدو غزوًا، ويتعدى بالهمزة فيقال: أغزيته إذا بعثته يغزو، وإنما يكون غزو العدة في بلاده كذا في المصباح وغيره (1).

سبعًا وعشرين اعدُدَنَّ الغَزْوا *** أوَّلُها ودَّانُ وهْيَ الأبْوا

ذكر ابن سعد في طبقاته (2) أنّ غزوات المصطفى التي خرج فيها بنفسه سبع وعشرون، وما في سيرة عبد الغني (3) عن ابن اسحاق وغيره أنها خمس وعشرون اعترضوه، وفي جامع عبد الرزاق (4) عن ابن المسيب بسند صحيح "أنها أربعٌ وعشرون"، وفي مسند أبي يعلى (5) عن جابر بسند صحيح أنها إحدى وعشرون، ووراء ذلك أقوال أخر، والأول أولى.

فأولها غزوة وَدان (6): بفتح الواو وشدة الدال المهملة على وزن فعلان قرية جامعة من أمهات القرى وهي الأبواء بفتح الهمزة وسكون الموحدة التحتية والمدّ جبلٌ بين مكة والمدينة بقرب الجُحفة، بينها وبين ودَّان ستة أميال وبينها وبين الجُحفة من جهة المدينة ثلاثةٌ وعشرون ميلاً، سميت به لما كان فيها من الوباء، وهي على القلب وإلا لقيل: الأوباء، فخرج من المدينة في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمهِ المدينة يتعرض لعير قريش ويريد بني ضمرة بن عبد مناف وبني بكر فوادعته بنو ضمرة وسيدهم مَخشى بن عمرو وكتب بينه وبينهم كتابًا أن لا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جمعًا ولا يعينوا عليه عدوًّا، ثم رجع للمدينة بغير قتال وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.

ثمَّ بُواطُ بعْدُ فالعُشَيرا *** فبدرٌ الأولى فبدرُ الكُبرى

الثانية غزوة بُواط (7): بضم الموحدة التحتية وقد تفتح وبفتح الواو المخففة وءاخره طاء مهملة على وزن فعال جبل من جبال جهينة من ناحية رَضوى بفتح الراء وسكون المعجمة مقصورًا وهو جبل من جبال تهامة من ينبع على يوم ومن المدينة على سبع مراحل ومن البحر على مرحلتين، غزاها في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من هجرته، خرج في ثمانين من أصحابه بعترض عير قريش، فيها أمية بن خلف ومائة رجل وألفان وخمسمائة بعير، وكان لواؤه أبيض حمله سعد بن أبي وقاص واستخلف على المدينة سعد بن معاذ أو غيره فلما بلغ بواط رجع ولم يلق أحدًا

الثالثة غزوة ذات العُشَيرة (8): بضم العين المهملة وشين معجمة وقيل مهملة مفتوحة بعدها مثناة تحتية وراء مهملة على لفظ التصغير، ويقال بزيادة هاء في ءاخره وبعدمه نسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه وهو موضع لبني مدلج [بناحية الينبع] وبين ينبع والمدينة [تسعة برد]، خرج إليها في جمادى الأولى وقيل الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا من مهاجرته، وحمل لواءه وكا أبيض حمزة بن عبد المطلب، خرج من المدينة في خمسين ومائة وقيل من مائتين من المهاجرين وثلاثين بعيرًا يعتقبونها، ولم يُكرِه أحدًا على الخروج فسلك صلى الله عليه وسلم على نقب بني ذبيان فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر فصلى عندها فثم مسجده وصُنع له طعام فأكل هو وصحبه،

فوضع الأثافي أي حلقة في البرمة معلوم هناك، ثم ارتحل فهبط بليل فنزل بمجتمعه واستقى له من بئر الضبوعة ثم سلك الفرش حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام ثم اعتدل حتى نزل ذات العشيرة يعترض لعير قريش لما نزلت من الشام فوجدها مضت بأيام، فوادع بني مدلج ورجع ولم يلق حربًا، وأقام فيها أيامًا من جمادى الآخرة، وكنى فيها عليًّا رضي الله عنه بأبي تراب جين وجده نائمًا وعمار بن ياسر وقد علق به تراب فأيقظه برجله وقال: "ما لك أبا تراب" (9) لما رأى عليه من التراب، ثم قال: "ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه" ووضع يده على قرنه حتى تبتل منها هذه وأحذ بلحيته (10).

وقول الناظم: "ثم بواط" أي بعد غزوة الأبواء غزوة بواط، وقوله: "بعد" بضم الدال أي وبعد بواط العشير.

الرابعة غزوة بدر الأولى (11): عُرفت ببدر بن الحارث، وقيل سميت به لرؤية البدر فيها، قال ابن إسحاق: لم يقم بالمدينة حين قدم من العشيرة إلا ليالي قلائل نحو الأسبوع حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج في طلبه حتى بلغ واديًا يقال له سَفَوان بفتح السين والفاء من ناحية بدر فلم يدرك كرزًا، وحمل لواءه فيها علي المرتضى، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، قال ابن سعد: كانت على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة.

الخامسة غزوة بدر الكبرى (12): ويقال لها: العظمى وهي التي أعز الله بها الإسلام وغفر لأهلها، وكانت في سابع عشر رمضان يوم الجمعة وقيل: الاثنين وهو شاذ، وذلك أن رسول الله سمع بأبي سفيان مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة وفيها ثلاثون أو أربعون أو سبعون رجلاً من قريش وألف بعير فبعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير وندب المسلمين وقال: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا لعل الله أن ينفلكموها" (13) فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعض لأنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا، وكان أبو سفيان يتجسس بمهملات الأخبار أي يتتبعها بنفسه وبالجيم أي يتفحص بغيره عن الأخبار حتى بلغه من بعض الركبان أن محمدًا سينفر لك ولعيرك فحذر واستأجر ضمضم بن عمرو فبعثه إلى مكة ليستنفر قريشًا إلى أموالهم وخبّرهم بتعرض محمد لها في أصحابه،

وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم بثلاث قالت لأخيها العباس: "رأيت رؤيا أفزعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شرف فاكتم عني ما أحدثك، رأيت راكبًا أقبل على بعير حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا ءال غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثم مثل به على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم اقتلع صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلها منه فلقة"، فقال العباس:

اكتميها، ثم خرج فلقي الوليد بن عتبة وكان صديقه فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه ففشا الحديث، ثم غدا العباس ليطوف وأبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رءاه قال: يا أبا الفضل [إذا] فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغ جلس معهم فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية، قال: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، ما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، زعمت عاتكة أنه قال: [انفروا] في ثلاث فسنتربص بكم الثلاث فإن يكن حقًّا كما تقول فسيكون وإلا نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب العرب، قال العباس:

فما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت أن تكون رأت، وقيل: بل قال له العباس: هل أنت منته فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، ولقي العباس من أخته أذى شديدًا حين أفشى سرها ولم تبقى امرأة من بني المطلب إلا أتته فقالت: أقررتهم بهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم يتناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت، قال: فقلت: وأيم الله لأتعرض له فإن عاد لأكفيكنه، فغدوت في اليوم الثالث من الرؤيا وأنا مغضب أرى أني قد فاتني منهم أمر أحب أن أدركه فدخلت المسجد أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأوقع به وكان رجلاً خفيفًا حديد اللسان حديد النظر إذا خرج نحو باب المسجد يشتد فقلت:

ما له لعنه الله، أكلُّ هذا فرق مني أن أشاتمه فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم تعرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث، فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، وتجهزوا سراعًا وقالوا يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً، وأرعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أبا لهب وخلف وبعث مكانه العاص بن هشام وكان قد لاط له بأربعة ءالاف درهم فأفلس بها فاستأجره بها، وأجمع أمية بن خلف القعود لأن سعد بن معاذ كان قال له:

سمعت محمدًا يقول: إنه قاتلك يا أمية، قال أمية: بمكة، قال: لا أدري، ففزع لذلك فلما رجع لأهله أخبر بذلك أم صفوان فقالت: ما يكذب محمد، فلما جاء الصريخ قال امرأته: هذا ما قال لك أخوك اليثربي قال: لا أخرج، فألزمه أبو جهل بالخروج وأتاه عتبة بن أبي معيط وهو بالمسجد بمجمرة وقال: استجمر فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله، ثم تجهزوا وخرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس، ثم خافوا كنانة لما بينهم فظهر لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد من أرسلهما بعشر ليال وضرب عسكره ببئر أبي عتبة فعرض أصحابه وردّ من استصغر وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسين نفر المهاجرون منهم أربعة وستون رجلاً وسائرهم من الأنصار يعتقبون سبعين بعيرًا،

وخلف ثلاثة من المهاجرين عثمان بن عفان لمرض زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد أرسلهما يتجسسان خبر العير قبله بعشرة أيام، ومن الأنصار أبا لبابة خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي على أهل العالية، والحارث بن حاطب رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم للجميع بسهامهم وأجورهم. وكان اللواء أبيض مع مصعد بن عمير، ورايتان سوداوان أمامه إحداهما مع علي والأخرى مع رجل من الأنصار، فلما كان بعرق الظبية لقوا رجلاً فسألوه فلم يجدوا عنه خبرًا، فلما كان بوادي الذفيران بفتح المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس فقام أبو بكر ثم عمر فقالا وأحسنا،

ثم قام المقداد بن عمرو فقال: "امض لما أمرك الله به فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد –بفتح الموحدة وسكون الراء- والغماد بكسر الغين المعجمة، وراءَ مكة بخمسة أيام وقيل المراد أقصى معمور الارض –لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، فقال له رسول الله خيرًا ودعا له ثم قال: "أشيروا علي"، فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا؟، قال:

"أجل"، قال: "قد ءامنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة فامض لما أردت فنحن معك، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل، وما نكره أن تلقى بنا عدونا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لهل الله يُريكَ منا ما تقرُّ به عينك فَسِر على بركة الله، فسرَّ بذلك وقال: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم"، ثم نزل بقرب بدر وركب هو وأبو بكر حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه فقال:

لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أخبرتنا أخبرناك"، قال: ذاك بذلك، قال: "نعم"، قال: بلغني أن محمدًا وصحبه خرجوا يوم كذا فإن صدق المخبر فهم اليوم بمكان كذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مثل ذلك عن قريش، ثم قال: ممن أنتما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن من ماء" ثم انصرف والشيخ يقول: من ماء أمن ماء العراق، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض غلام بني العاص فأتوا بهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقالا:

نحن سقاة قريش بعثونا نسقى من الماء، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان حتى قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما فلما سلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا إنما هما لقريش أخبراني عنهم" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل، قال: "كم القوم"؟ قالا: كثير، قال: "كم عدتهم"؟ قالا: لا ندري، قال: "كم ينحرون كل يوم"؟ قال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال القوم: "ما بين تسعمائة وألف"، ثم قال:

"فمن فيهم من أشراف قريش"؟ قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها".

ثم إن أبا سفيان صرف وجه العير عن بدر بساحل ورأى أنه قد أحرز عيره وأرسل إلى قريش: "إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم قد نجاها الله فارجعوا"، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم عليها ثلاثًَا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونشرب الخمر وتسمع العرب بمسيرنا وجمعنا فلا يزالوا يهابوننا أبدًا، وكان جهيم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رأى لما نزلوا الجحفة وأنه بين النائم واليقظان رجلاً من قريش أقبل عليه حتى وقف ومعه بعيره ثم قال: قُتل عتبة بن ربيعة، [وشيبة بن ربيعة]، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان فعد رجالاً ممن قتل يوم بدر من الأشراف، ثم ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبيتهم إلا أصابه نضح من دمه،

فقال أبو جهل: وهذا نبي ءاخر من بني المطلب سيعلم اليوم من المقتول إن نحن التقينا، ورجع الأخنس بن شريق ببني زهرة وكان حليفًا لهم وقد قال لهم: "قد نجَّا الله لكم أموالكم وخلَّص صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا خبيها فيَّ وارجعوا" فأطاعوه ورجع طالب بن أبي طالب لمحاورة كانت بينه وبين بعض قريش لما قالوا: "قد علمنا أن هواكم لَمَع محمد" ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي وبعث الله السماء فأمطرت مطرًا لبَّد الأرض لرسوله ومنع قريشًا من الارتحال فبادرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الماء حتى جاء أدنى ماءٍ من بدر فنزل بها فقال الخباب بن المنذر:

يا رسول الله هذا المنزل منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والمكيده؟ فقال: "بل الرأي والمكيدة"، قال: ارحلوا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القليب ثم نبني عليه حوضًا فنملأه فنشرب ولا يشربون، فقال: "أشرت بالرأي" ففعل ما قال، ثم قال سعد بن معاذ: با نبي الله نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أظهرنا الله كان ما أحببنا وإن كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ا تخلفوا، فدعا له ثم بنى له العريش فكان فيه، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم تصوب قال:

"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحِنْهم" بفتح الهمزة وكسر المهملة وسكون النون أمر من الحين أي أهلكهم الغداة، وكانت قريش قالت لخفاف بن ايماء بن رحضة حين بعث إليهم بالجزائر وسألهم أن يمدهم بالسلاح: "لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لأحد بالله من طاقة"، ثم أقبل نفر من قريش فيهم حكيم بن حزام حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دعوهم"، فلم يشرب منه رجل منهم إلا قتل غير حكيم، ثم قالوا لعمير بن وهب:

احزر لنا أصحاب محمد فجال بفرسه حول العسكر ثم قال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون، ثم قال: حتى أنظر للقوم كمينًا أو مددًا، فنضرب في بطن الوادي فلم ير شيئًا فرجع فقال: لم أر لكن رأيت البلايا تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد فَرَوْا رأيكم، فمشى حكيم بن حزام في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فكلمه في الرجوع بالناس وقال: "يا أبا الوليد أنت كبير قريش وسيدها المطاع هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى ءاخر الأبدـ ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي قال:

قد فعلت إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية يعني أبا جهل فإني لا أخشى أن يسخر من الناس غيره، وقال رسول الله حين رأى عتبة على جمل أحمر: "إن يكن في القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر أن يطيعوه يرشدوا" (14) فقام عتبة خطيبًا فقال: يا معشر قريش إنكم ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وصحبه شيئًا لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه وابن خاله ورجلاً من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب فإن أصابوه فذاك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرَّضوا ما ليس تريدون، فانطلق حكيم حتى جاء أبا جهل فوجده انتتل درعًا له من جرابها فقلت:

يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا فقال: انتفخ سَحره بفتح السين وسكون الحاء المهملتين أي رئته حين رأى محمدًا وصحبه كلا لا نرجع حتى يحكم الله بيننا، لكنه قد رأى محمدًا وصحبه أكلة جزور وفيهم ابنه أبو حذيفة فقد تخوفكم عليه، ثم بعث إلى عامر الحضرمي فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد مقتل أخيك فقام فاكتشف ثم صرخ واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس فلما بلغ عتبة قول أبي جهل قال: سيعلم مُصَفَّر إسته من انتفخ سَحره، وقال بعض المنافقين:

غرَّ هؤلاء دينهم لما رأوا من قتلهم فنزل: {إذْ يقولُ المُنافقونَ والذينَ في قلوبهم مرضٌ} [سورة الأنفال/ 49] الآية، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو لأموتن دونه فخرج إليه حمزة فضربه فأطن قدمه بنصف ساقه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا فحبا إلى الحوض فاقتحمه يزعم أنه يبر بيمينه فضربه حمزة في الحوض فقتله فيه، ثم خرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا للمبارزة فخرج فتية من الأنصار فقالوا: من أنتم؟

قالوا: من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال: "قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة ويا علي"، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم فعرفوهم فقالوا: اكفاءٌ كرامٌ، فبارز عبيدةُ وكان أسن القوم عتبة،، وحمزة شيبةَ، وعلي الوليدَ، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا صاحبيهما أن قتلاهما واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكرَّ علي وحمزة بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه ثم تزاحف الناس وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال:

"إن اكتنفكم القوم فانضحوا عنكم بالنبل" وهو في العريش معه أبو بكر وكان حين سوَّى الصفوف بقدح في يده رأى سواد ابن غزية مستنسلاً من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: "استو يا سواد" فقال: أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف عن بطنه وقال: "استقد" (15) فاعتنقه وقبل بطنه فقال: "ما حملك على هذا"؟ قال: حضر ما ترى فأردت أن يكون ءاخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له ثم رجع إلى العريش يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد" وأبو بكر رضي الله عنه يقول:

سل كل بعض مناشدتك ربك إن الله منجز لك ما وعدك، فكان المصطفى في مقام الخوف وهو هنا أعلى، والصديق في مقام الرجاء وهو هنا دونه، وخفق رسول الله خفقة ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله" قال: "هذا جبريل ءاخذٌ بعنان فرسه يقوده"، وكان قد هبت ثلاث رياح في الأولى جبريل في ألف من الملائكة مع المصطفى، والثانية ميكائيل في ألف عن ميمنته، والثالثة إسرافيل في ألف عن ميسرته، وقاتلت الملائكة يومئذ ولم تقاتل في غيره، وكانت مددًا وعددًا فقد كان رجل يشتد خلف رجل كافر إذ سمع ضربة سوط وصوت الفارس يقول اقدم حيزوم فنظر إلى الكافر خرَّ أمامه فإذا هو حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، والاخبار في ذلك كثيرة، وكان شعار الملائكة يومئذ "أحد أحد" وعليهم عمائم بيض وعلى جبريل عمامة صفراء أرسلها من خلفه. وعن ابن عباس عن رجل من غفار أنه صعد في جبل هو وابن عمه يشرف على بدر إذ دنت سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلاً: "اقدم حيزوم" وهو اسم فرس جبريل، فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فتماسكت.

ثم كان أول من قتل من المسلمين مهجع مولى عمر، ثم حارثة بن سراقة أصابه سهم وهو يشرب فقتله، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال: "لا يقاتلهم رجل فيقتل إلا دخل الجنة" فقال عمير بن الحُمام وبيده تمرات يأكلهن: بخٍ بخٍ فما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذفها من يده وقاتل حتى قتل، وكان أبو جهل حين دنا الناس قال: اللهم أقطعنا الرحم وأتانا بما لا نعرف اللهم فأحنه الغداة فكان هو المستفتح. وعن عبد الرحمن بن عوف: "إني لواقف يوم بدر في الصف وإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني فقال أحدهما:

هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم فما حاجتك، قال: بلغني أنه يسب رسول الله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت أبا جهل يجول في الناس فقلت: هذا صاحبكما فابتدراه بسيفهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبراه وقال كل منهما: أنا قتلته، قال: "هل مسحتما سيفكما" قالا: لا، فنظر فيهما فقال: "كلاكما قتله"، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهما معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء رواه مسلم (16).

وذكر أبو الربيع أن أول من لقيه معاذ بن عمرو وقال: سمعت القوم يقولون أبو الحكم لا يُخلَصُ إليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني ضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة وأجْهَدَني القتال عنه فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما ءاذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، وعاش بعد ذلك إلى خلافة عثمان رضي الله عنه

ومر ابن مسعود عليه حين أمر المصطفى بالتماسه في القتلى وهو عقير بآخر رمق فوضع رجله على عنقه وكان قد ءاذاه مرة بمكة ثم قال: هل أخزاك الله يا عدو الله، قال: وبم أخزاني لمن يكون الدين؟ قلت: لله ورسوله، ويقال إنه قال: قد ارتقيت مرتقىً صعبًا يا رُوَيعي الغنم، قال: إني قاتلك قال: ما أنت بأول عبد قتل سيده أما إن أشد شيء لقيته اليوم قتلك إياي، وفي رواية البخاري (17): "فلو غيرك قتلني"، فاحتز رأسه ثم جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم والله الذي لا إله غيره، قال ثم ألقيته بين يديه فحمد الله.

وذكر ابن عقبة أن المصطفى وقف على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده فاغتم حتى عُرف ذلك في وجهه فقال: "اللهم لا يعجزك فرعون هذه الأمة" فسعى له الرجال حتى وجده ابن مسعود مصروعًا بينه وبين المعركة غير كثير متقنعًا بالحديد واضعًا سيفه على فخذه ليس به جرح لا يستطيع أن يحرك منه عضوًا وهو مكبٌّ ينظر إلى الأرض، فلما رءاه طاف حوله ليقتله وهو خائف أن يتغالبه فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحًا، فأراد أن يضربه بسيفه فخاف أن لا ينفد، فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه فضربه فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح فأتى ابن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بقتله.

وروى البيهقي أنه استحلفه ثلاثًا فخرَّ المصطفى ساجدًا، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشًا ثم قال: "شاهت الوجوه" ثم نفخهم بها وقال لأصحابه: "شدوا" فكانت الهزيمة، وقتل الله منهم سبعين من صناديد قريش وأسر سبعين ولم يبق منهم رجل إلا دخل في عينه التراب، وسعد بن معاذ قائم على رأس العريش متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون المصطفى، وشاور أبا بكر وعمر في الأسارى فقال أبو بكر: "هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان أرى أن نأخذ منهم الفدية لتكون قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله"، وقال عمر:

"ما أرى ذلك أرى أن تمكنني من فلان –قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وحمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين" فهوى المصطفى ما قال أبو بكر رضي الله عنه وأخذ الفداء فلما كان من الغد رأى عمر رسول الله وأبا بكر يبكيان وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة فيما أخذتم من الفداء" فأنزل الله: {لولا كتابٌ منَ اللهِ سَبَقَ} [سورة الأنفال/68] الآية، وشبه أبو بكر بإبراهيم وعيسى وعمر بنوح وموسى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"إن رجالاً من بني هاشم أُخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتال فمن لقى أبا البختري بن هشام فلا يقتله"، لأنه كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه ما يكره وكان ممن قام في نقض الصحيفة، ومن لقي العباس لا يقتله فقال أبو حذيفة: أيُقتل ءاباؤنا وإخواننا ونترك العباس لئن لقيته لألجمنه السيف، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر رضي الله عنه: "أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف" فقال عمر: دعني أضرب عنقه فقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة ولا أزال خائفًا منها إلا أن يكفر عني بالشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. فلقي المجذر أبا البختري فأخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يستأسر إلا أن يترك زميله وقاتل فقتل.

وكان عبد الرحمن بن عوف مارًّا ومعه أدراع استلبها فلقيه أمية بن خلف ومعه ابنه علي فقال: "هل لك فيَّ فأنا خيرٌ لك من هذه الادراع" فطرح الأدراع وأخذهما، فقال: "من الرجل منكم المعلم بريش نعامة في صدره"؟ قال: قال: "ذاك حمزة"، قال: "ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل"، قال: فوالله إني لأقودهما إذا رءاه بلال معي وكان هو الذي يعذبه بمكة فقال: "رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوتُ إن نجا" ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله فقلت: اسمع يا ابن السوداء، فقال: لا نجوت إن نجا، ثم صرخ كالأول فأحاطوا بنا حتى جعلونا كالسمكة فاخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط فقلت: انج بنفسك ولا نجاة فما أغني عنك، فهبروهما بالسيوف فيرحم الله بلالاً ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري.

وقاتل عكاشة بن محصن حتى انقطع سيفه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جذلاً من حطب فهزه فعاد في يده سيفًا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب فطرحوا فيه إلا أمية بن خلف انتفخ في أدراعه فذهبوا ليحركوه فتزايل فلموه في مكانه وكانت عدتهم بضعة وعشرين رجلاً، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وءاواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا"، فقال له صحبه: أتكلم قومًا موتى، قال: "لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقًا" وفي حديث أنهم قالوا: أتنادي قومًا قد جيفوا فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا".

ثم ارتحل عن بدر وجمع الغنيمة وبعث عبد الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية، وزيد بن حارثة إلى أهل السافلة ثم أقبل إلى المدينة ومعه الأسارى فلما خرج من مضيق الصفراء قسَّم النَّفل الذي أفاء الله على المسلمين على السواء، وكان في ذلك صلاح ذات البين فإنهم اختلفوا في ذلك وساءت أخلاقهم، ثم لقيه المسلمون بالروحاء يهنئونه.

وقتل النضر بن الحارث بالصفراء قتله علي، وقتل عقبة بن أبي معيط بعرق الظبية فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: "النار" قيل قتله عاصم بن أبي الأفلح، وقيل علي.

ودخل المدينة قبل الأسرى بيوم ثم لم يلبث أهل مكة أن جاءهم الحلسمان الخزاعي فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري، فلما جعل يُعَدّد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد بالحجر: والله إن يعقل هذا سلوه عني، قالوا: ما فعل صفوان؟ قال: ها هو وقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا. ثم قدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال أبو لهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر فجلس إليه والناس قيام عليه فقال:

ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا يقتلونا ويأسرونا كيف شاءوا وأيم الله ما لمت الناس رأيت رجالاً بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء، قال أبو رافع مولى رسول الله وكان للعباس وهو جالس مع أم الفضل: "تلك الملائكة"، فضرب أبو لهب وجهي ثم احتملني وضرب بي الأرض وكنت ضعيفًا، وقامت أم الفضل إلى عمود فضربته به فشجته شجة منكرة وقالت: استضعفته إن غاب سيده، فقام موليًّا ذليلاً فما عاش إلا سبع ليال حتى أتاه الله بالعدسة فقتله وبقي بعد يومه ثلاثًا لا تُقرب جنازته ولا يحاول دفنه فلما خافوا السبة حفروا له ثم دفعوه في حفرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه.

ثم أرسلت قريش في فداء الأسرى ومنهم سهيل بن عمرو وكان قام خطيبًا في جمع قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه: دعني أدلع لسانه فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، فقال: "عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه" فقام في تثبيت أهل مكة في موت المصطفى مقامًا يأتي ذكره، وأبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت المصطفى وكان يثني عليه في صهره خيرًا وهو ابن أخت خديجة وكانت قريش بذلت له الرغائب أن يفارق زينب فأبى وكان من المعدودين مالاً وتجارة وأمانًا فبعثت في فداء زوجها بمال وبقلادة، وكانت خديجة أدخلتها بها عليه فلما رءاها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها وقال:

"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها" ففعلوا وشرط عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلي سبيل ابنته ففعل، وأرسل زيد بن حارثة إلى بطن ناجح وخرج بها من مكة كنانة بن الربيع أخو زوجها نهارًا فخرج في طلبها رجال من قريش فأدركوها بذي طوى وكان أولهم هبار بن الأسود فروّعها بالرمح فاجهضت فنثر حموها كنانته وقال: لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا فانهزموا، وأتى أبو سفيان في جملة من قريش وكلمه في العود بها وإخراجها ليلاً لئلا يظن بهم الضعف والوهن ففعل وأسلمها زيدًا فأحضرها وقالت هند بنت عتبة للذين خرجوا إلى زينب:

أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة *** وفي الحرب أشباه النساء العوارك

وأمر المصطفى بتحريق هبار ورفيقه ثم رأى أنه لا يعذب بالنار إلا الله فقال: "فإن وجدتموهما فاقتلوهما".

ثم خرج أبو العاص في تجارة فلقيه المسلمون فغنموا ما معه وفر إلى المدينة فدخل إلى زينب فأجارته فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح صرخت زينب: أيها المسلمون إني أجرت أبا العاص فلما سلّم المصطفى قال: "هل سمعتم ما سمعت"؟ قالوا: نعم، قال: "أما والله ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم أنه يجير على المسلمين أدناهم" ثم قال لها: "أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له" وبعث إلى السرية الذين أصابوا ماله: "هذا رجل منا حيث علمتم وقد أصبتم ماله فإن تحسنوا وتردوا عليه فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء أفاءه الله عليكم فأنتم أحق به" فردوه بأسره فاحتمله إلى مكة فأدّى كل ذي مال ماله ثم قال:

"يا معشر قريش هل يبقى لأحد منكم عدي شيء" قالوا: لا، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ما منعني من الإسلام عنده إلا أن تظنوا إني أردت أكل أموالكم، ثم قدم المدينة فرد عليه زوجته قيل: بالنكاح الأول، وقيل: بجديد، ومنّ المصطفى على نفر من قريش فأطلقهم بغير فداء منهم أبو عزة ثم كان من شأنه ما يأتي في حمراء الاسد.

واستشهد من المسلمين ببدر أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.

• السادسة:غزوة بني قينقاع (18): بتثليث النون بطن من يهود المدينة وكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت هذه الغزوة يوم السبت نصف شوالٍ على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سوق بني قينقاع وقال: "يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم عرفتم أني نبي مرسلٌ تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم" قالوا: يا محمد لو حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس فنزل فيهم: {قُلْ للذينَ كفروا ستُغلبونَ وتُحشرونَ} [سورة ءال عمران] الآيات، وقال ابن سعدٍ (19):

كانوا قومًا من يهود حلفاء عبد الله بن أبيّ، وكانوا أشجع يهود، فوادعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد وتركوا العهد والذمة، وذلك أن امرأةً من العرب جلست إلى صائغٍ منهم بسوق بني قينقاع فرادوها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فقامت فانكشفت سوءتها فضحكوا فوب مسلم على الصائغ فقتله فقتلته اليهود، فغضب المسلمون، فسار المصطفى إليهم وحمل لواءه حمزة وكان أبيض ولم تكن الرايات يومئذ، وخلف على المدينة أبا لبابة الأنصاري، وحاصرهم خمس عشرة ليلة فنزلوا على حكمه فحكم بأن له أموالهم ولهم النساء والذرية، فنزلوا فكتفوا واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي فكلم ابن أبيّ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح وقال:

موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع منعونا من الأسود والاحمر تحصدهم في غداةٍ واحدة إني والله أخشى الدوائر فقال: "خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم" وأمر أن يجلوا من المدينة فلحقوا بأذرعات، ولما رأى ذلك عبادة بن الصامت وكان له من حلفهم كالذي لابن أبيّ فتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم فأنزل الله في ذلك: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارى أولياء} الآيات من المائدة، وولّى قبض أموالهم محمد بن مسلمة وإخراجهم عبادة بن الصامت، ووجدوا بحصنهم سلاحًا كثيرًا فأخذ المصطفى الخمس ثم قضى بالقية على صحبه.

السابعة غزوة السَّويق: بفتح السين المهملة، وسببها أنه لما رجع الكفار من بدر إلى مكة نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة ولا يقرب النساء ولا الدهن حتى يغزو محمدًا، فخرج في مائتي راكبٍ ليبرَّ في قَسَمِهِ، فسلك النجدية حتى نزل على نحو بريد من المدينة، ثم خرج ليلاً حتى أتى بني النضير فضرب على حيي بن أخطب بابه فأبى أن يفتح له فانصرف إلى سلام بن مِشكم وكان سيدهم فأذن له وقراه وسقاه، فاستخبره خبر المصطفى ثم رجع من ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالاً فأتوا ناحية العريض بضم العين المهملة وضاد معجمة –واد على ثلاثة أميال من المدينة- فحرقوا من النخيل وقتلوا رجلين من الأنصار ورأى أن يمينه قد انحلت، فبلغ المصطفى فخرج في طلبه في مائتين من المهاجرين والانصار لخمسٍ خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرًا من هجرته ففاته أبو سفيان وجعل يتخفف للهرب، فألقى جرب السويق وهي عامة زادهم فأخذها المسلمون فسميت به، ولم يلحقهم وغاب خمسة أيام ثم عاد إلى المدينة.

الثامنة غزوة غطفان: بفتح المعجمة –قبيلة بناحية نجدٍ- وقول الناظم: "وهي فذو أمر" أي وهي غزوة ذي أمرّ بفتح الهمزة والميم وشدة الراء أفعل من المرارة –موضع بنجد عند واسط الذي بالبادية بناحية النخيل- فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول على رأس خمسةٍ وعشرين شهرًا من هجرته واستعمل عليها عثمان، وذلك أنه بلغه أن جمعًا من ثعلبة ومحارب قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا اطراف المدينة جمعهم دعثور بن الحارث المحاربي، فندب المسلمين وخرج في أربعمائةٍ وخمسين رجلاً وهبط عليهم فهربوا إلى رءوس الجبال فلم يلحق منهم أحدًا لكنه ينظر إليهم في رءوس الجبال، وأصابه مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا واضطجع تحتهما،

فأبصره دعثور فأقبل عليه حتى قام على رأسه ومعه سيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله" فسقط السيف من يده فأخذه المصطفى وقال: "من يمنعك مني" قال: لا أحد، وأسلم فنزلت {يا أيُّها الذينَ ءامنوا اذكُروا نِعمتَ اللهِ عليكُم إذْ هَمَّ قومٌ} [سورة المائدة/11] الآية وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة أو أكثر.

التاسعة غزوة بحران (20): أي غزوة بني سليم بناحية بحران بضم الموحدة وفتحها وسكون الحاء المهملة، من ناحية الفرع بفتحتين، خرج على رأس سبعةٍ وعشرين شهرًا من الهجرة لست خلون من جمادى الأولى في ثلاثمائة رجل لجمع من بني سليم، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم فوجدهم تفرقوا فرجع ولم يلق كيدًا، وغاب عشر ليالٍ، وجعلها ابن عبد البر (21) بعد قينقاع.

العاشرة غزوة أحد (22): بضم الهمزة والحاء المهملة، جبل مشهور بقرب المدينة به قبر هارون، فإن موسى وهارون مرَّا به حاجَّين أو معتمرين فمات به، وكان من حديث أحد أنه لما قتل الله كفار قريش ببدر ورجع أبو سفيان بالعير مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في قوم ممن أصيب ءاباؤهم وأبناؤهم وأهلهم وكلموا أبا سفيان وقالوا: إن محمدًا وترَكَم وقتل خياركم فأعينونا بالمال على حربه لعلنا ندرك ثأرًا، وقال ابن سعد: كانت العير موقوفة بدار الندوة فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان فقالوا:

جهزوا بهذه العير –وكانت ألف بعير- جيشًا إلى محمد، فأجاب، واجتمعت قريش ومن أطاعها من القبائل ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة، وكتب العباس إلى المصطفى بخبرهم، فخرج أبو سفيان قائد الناس بهند بنت عتبة، وقال جبير بن مطعم لغلامه وحشي الحبشي: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة فأنت عتيق، فكانت هند إذا رأته يقول: ويها أبا دسمه اشف واشتف، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين تثنية عين جبل ببطن السبخة مقابل المدينة، فلما سمع بهم المصطفى قال: "إني رأيت والله خيرًا رأيت بقرًا تُذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون،

وأما الثلم فرجل من أهل بيتي يقتل، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بها وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها" وكان المصطفى يكره الخروج وابن أبيّ يرى رأيه فقال رجال من المسلمين: اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبناء وقال ابن أبيّ: لا تخرج فما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها عليه إلا أصبنا منه، فلم يزل برسول الله من أحب لقاء العدو حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وقد ندم الناس، فقالوا:

استكرهناك ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد فقال: "ما ينبغي للنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" فخرج في ألف حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد تحرك عبد الله بن أبيّ ينكث الناس وقال: أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا، فرجع بمن تبعه من أهل النفاق ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيفٍ فاستله فقال المصطفى وكان يحب الفأل ولا يعتاف أي لا يتطير: "يا صاحب السيف شِم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم"، ثم قال:

"من رجل يخرج بنا على القوم من كثب" أي قرب "لا يمر بنا عليهم" فقال أبو خثيمة: أنا فنفذ به في حرة بني حارثة حتى نزل الشعب من أحدٍ فجعل ظهره وعنقه إليه وقال: "لا يقاتل أحد حتى ءامره بالقتال"، وتعبأ للقتال وهو في سبعمائة وأمر على الرماة عبد الله بن جبير وهو معلم بثياب بيض وهم خمسون فقالوا: "انضح الخيل عنا لا يأتوننا من خلف إن كان لنا وعلينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك"، فظاهر المصطفى بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ولم يكن مع المسلمين فرس إلا فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس أبي بردة، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر أو سعد بن عبادة، وخرج السعدان أمامه يعدوان دارعين، وتعبأت قريش وهم ثلاثة ءالاف معهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وميسرتها عكرمة بن أبي جهل وعلى القلب صفوان بن أمية أو عمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن ربيعة،

وقال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم: إنكم قد وليتم يوم بدر فأصابنا ما رأيتم وإما يؤتى الناس من قبل راياتهم، فاقتتلوا حتى حمي الحرب وقال المصطفى لسيف عنده: "من يأخذه بحقه" فقام إليه رجال منهم الزبير فأمسكه حتى قام أبو دجانة فقال: ما حقه؟ قال: "أن يضرب به حتى ينحني" قال: أنا، فأعطاه إياه، قال الزبير: وجدت في نفسي حين منعني وأعطاه إياه وأنا ابن عمته ومن قريش، فقلت: لأنظرن ما يصنع فتبعته فأخرج عصابة حمراء فعصب رأسه فقال الأنصار: أخرج عصابة الأنصار فخرج يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي *** ونحن بالسفح لذي النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول *** أضرب بسيف الله والرسول

فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله وكان من المشركين رجل لا يدع جريحًا إلا ذفف عليه، فجعل كل منهما يدنو لصاحبه فالتقيا فاختلفا ضربتين فضربه أبو دجانة فقتله، ثم حمل السيف على مفرق هند بنت عتبة ثم عدل عنها، وقاتل حمزة حتى قتل أحد الذين يحملون اللواء قال وحشي: رأيت حمزة في عرض الناس كالجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدًّا ما يقوم له شيء، فإني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجر أو حجر ليدنو مني إذ تقدم إليه سباع بن عبد العزى فلما رءاه حمزة قال: هلم إلي يا ابن مقطّعة البظور وكانت أمه ختانة، فضربه فكأنما أخطأت رأسه قال:

فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فقلب فتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، ثم كان من أمره أن خرج بعد الفتح إلى الطائف ثم وفد على المصطفى بعد أن أعيته المذاهب فلم يشعر به إلا على رأسه يتشهد شهادة الحق، فسأله كيف قتل حمزة ثم قال: "هل تغيب وجهك عني" فكان يتنكبه إذا رءاه، فلما كان وقعة مسيلمة الكذاب رماه بالحربة التي ضرب بها حمزة وضربه رجل من الأنصار بالسيف فربك أعلم أيهما قتله، وكان لا يزال يحد في الخمر حتى خلع من الديون، فقال عمر: قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة وقاتل مصعب بن عمير حتى قتله ابن قمئة وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت محمدًا.

وأعطى المصطفى اللواء عليًّا وجلس لما اشتد القتال تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي أن قدم الراية فتقدم فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة: هل لك يا أبا القصم في البراز قال: نعم، فبرزا به في الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه لكونه استقبله بسوأته قال: فعطفتني عليه الرحمة فعلمت أن الله قتله، ويقال إنه طلب البراز مرارًا فلم يخرج له أحد فقال: زعمتم يا أصحاب محمد أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار كذبتم واللات، لو تعلمون ذلك حقًّا لخرج إلي بعضكم، فخرج له علي فقتله، وقيل:

قتله سعد بن أبي وقاص، وقيل: عاصم بن أبي الأقلح، فتأتي أمه فتضع رأسه في حجرها فتقول: يا بني من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلاً حين رماني يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح فنذرت إن أمكنها الله من رأسه أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم عاهد الله أن لا يمس مشركًا ولا يمسه فتمم له ذلك حيًّا وميتًا كما يأتي، واستعلى حنظلة الغسيل يومئذ أبا سفيان فضبه شداد بن أوس فقتله، وكان خرج جنبًا حين سمع الهائعة فرأى المصطفى الملائكة تغسله.

ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوهم بالسيف حتى كشفوهم، وكانت خيل المشركين قد حملت ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلولة، وكانت الهزيمة لا شك فيها، فلما أبصر الرماة ذلك قالوا: ما نجلس هنا لشيء وقد أهلك الله العدو فتركوا منازلهم التي عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول، قال الزبير: لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها منكشفات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إلى أن مالت الرماة على العسكر وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من خلفنا وصرخ صارخ:

ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء فاكشف المسلمون وكان يوم بلاءٍ وتمحيص أكرم الله من أكرم فيه بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله فقذف بالحجارة حتى وقع لشقه فأثيبت رباعيته وكملت شفته وشج في وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: {ليسَ لكَ مِنَ الأمرِ شيءٌ} [سورة ءال عمران/128] والذي كسر رباعيته وشج وجهه عتبة بن أبي وقاص وشجه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته وجرح ابن قمئة وجنته فدخلت حلقتان من المغفر فيها، ووقع في حفر القوم التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بيده ورفعه طلحة حتى استوى قائمًا،

ومص مالك والد أبي سعيد الخدري الدم من وجهه ثم ازدرده فقال المصطفى: "من مس دمه دمي لم تصبه النار، ومن أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي فلينظر إلى طلحة" ونزع أبو عبيدة إحدى الحلقتين من وجهه فسقطت ثنيته ثم نزع الأخرى فسقطت الأخرى، وكان سعد بن أبي وقاص يقول: ما حرصت على قتل رجل كحرصي على قتل عتبة أخي، وقال المصطفى: "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله"، وقال حين غشيه القوم: "من رجل يشتري لنا نفسه" فقام زياد أو عمارة بن السكن في خمسة من الأنصار فقاتلوا دونه حتى قُتلوا رجلاً رجلاً ءاخرهم زياد أو عمارة فقاتل حتى أثبتته الجراح، فجاءت فئة من المسلمين فأزالوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أدنوه مني" فادنوه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلت أم عمارة يومئذ عنه هي ومصعب بن عمير حتى بلغت منها الجراح، وتترس دون رسول الله أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحنٍ عليه، ورمى سعد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله النبل وهو يقول: "ارم فداك أبي وأمي"، وأصيبت عين قتادة بن النعمان فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه، ورمى [أبو] رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق عليه فبرأ، وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقالوا:

ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، فوجدوا به بضعًا وثمانين جراحة وكان غاب عن بدر فقال: إن أشهدني الله قتالاً ليرين الله كيف أصنع، فلما انكشف المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء [يعني] المسلمين، فلقيه سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة واهًا لريحها، وكان أول من عرف رسلو الله بعد الهزيمة، والحديث عن قتله كعب بن مالك قال:

عرفت عينيه تزهوان تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه أن انصت، فلما عرفه المسلمون نهضوا به ونهض بهم نحو الشعب معه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين، فلما اشتد في الشعب أدركه أبيُّ بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا، فقال القوم: أيعطف عليه رجل منا، فقال: "دعوه" فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث وانتقض بها انتفاضة تطايرنا من حوله تطاير الشعر من ظهر البعير إذا انتقض، ثم طعنه في عنقه طعنة تدلى منها عن فرسه مرارًا، فرجع وقد احتقن الدم وقال:

قتلني محمد، قالوا: ذهب والله فؤادك إنه ليس بك بأس، قال: قد كان قال لي بمكة: "أنا أقتلك" فلو بصق علي لقتلني، وذلك أنه كان إذا لقي النبي بمكة يقول: عندي فرس أعلفه أقتلك عليه فيقول: "أنا أقتلك إن شاء الله" فمات بسرف وهم قافلون، وقال المصطفى: "اشتد غضب الله على رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي فسحقًا لأصحاب السعير" ثم ملأ عليّ درقته من المهراس فجاء بها إلى المصطفى ليشرب منه فوجد له ريحًا فعافه فلم يشرب وغسل عن وجهه الدم وهو يقول: "اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله".

فبينا رسول الله بالشعب في أولئك النفر علت عالية من قريش الجبل فقال: "اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا" فقاتل عمر ورهط معه حتى أهبطوهم من الجبل ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة فلم يستطع أن يعلوها وكان قد بَدن بفتح الموحدة والمهملة وشدها أي أسن وظاهر بين درعين فجلس تحته طلحة حتى نهض به واستوى عليها فقال: "أوجب طلحة" وصلى الظهر قاعدًا من الجراح والمسلمون خلفه قعودًا.

وكان من خبر مخيريق يومئذ وكان من أحبار يهود أنه قال لهم: علمتم أن نصر محمد عليكم لحق فتعللوا عليه بأنه يوم السبت فقال لهم: لا سبت لكم وأخذ سيفه وعدته فلحق به وقاتل حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يصنع فيها ما شاء، وفيها قال المصطفى: "مخيريق خير يهود"، وغدر الحارث بن سويد وكان منافقًا لما التقى المسلمون والكفار بالمجذر لأنه قتل أباه في الجاهلية وبقيس بن زيد وفر إلى الكفار ثم رجع إلى قومه بالمدينة، فنزل جبريل على المصطفى فأخبره بقدومه وأمره أن ينهض إليه ويقتص منه لمن قتله، فنهض المصطفى إلى قباء فخرج إليه أهلها في جماعتهم وفيهم الحارث وعليه ثوب مورس وأمر عويم بن ساعدة بضرب عنقه ففعل، وعاد ولم ينزل عندهم. ومثلت هند بالقتلى فاتخذت من أنوفهم وءاذانهم قلائد.

ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف صعد صخرة ثم صرخ بأعلى صوته انعمت فقال: إن الحرب سجال يوم بيوم بدر بأحد، أعلى هبل فقال المصطفى: "قل له يا عمر: الله أعلى وأجل لا سواء فقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". وفي الصحيح (23) أن أبا سفيان قال: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي: "قولوا الله مولانا ولا مولى لكم"، فقال: أفي القوم محمد، فقال: "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة، أفي القوم ابن الخطاب فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال:

كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك، قال: هلم يا عمر فقال المصطفى: "ائته فانظر ما شأنه" فجاءه فقال: أنشدك الله أقتلنا محمدًا قال: اللهم لا والله إنه ليسمع كلامك قال: أنت أصدق من ابن قمئة، ثم نادى أبو سفيان أنه كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت وما سخطت وما أمرت وما نهيت وموعدكم بدر العام القابل، فقال المصطفى لرجل: "قل: نعم"، ثم بعث عليًّا فقال: "اخرج في ءاثارهم فانظر ما يصنعون فإن كانوا جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، ولئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنّهم" فرءاهم جنبوا الخيل ووجهوا إلى مكة، وفزع الناس لقتلاهم فلم يجدوا قتيلاً إلا ومثَّلوا به غير حنظلة فإن أباه كان مع الكفار فقال المصطفى:

"من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء أم في الاموات"، فقال رجل أنصاري: انظر، فوجده جريحًا في القتلى به رمق، فقال: أبلغ رسول الله مني السلام وقل له: يقول لك سعد جزاك الله عنا خيرًا، وأبلغ قومك السلام وقل لهم يقول لك سعد لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ثم مات، وخرج المصطفى يلتمس حمزة رضي الله عنه فوجده بقر بطنه عن كبده وكانت هند أكلتها فلم تسغها، ومثّل به فجدع أنفه وأذناه فقال عليه الصلاة والسلام: "لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي تركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش لأمثلن بسبعين منهم" فلما رأى المسلمون حزنه وغيظه على ما فعل بعمه [قالوا:] لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما مثل بها أحد فأنزل الله:

{وإنْ عاقَبْتُم فعاقِبوا بمثلِ ما عُوقِبتُم بهِ} [سورة النحل/ 126] الآية فعفى وصبر وكفّر عن يمينه ونهى عن المثلة وقال حين وقف عليه: "لن أصاب بمثلك أبدًا ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليّ من هذا رحمة الله عليك قد كنت علمتك فعولا للخير وصولا للرحم" ثم أمر فسجي ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبعًا، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى على اثنتين وسبعين صلاة ودفن، ويقال إنه دفن معه في قبره عبد الله بن جحش وكان قد مثّل به، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من يومه ءاخر النهار.

وذكر مالك في الموطإ (24) أن السيل حفر قبر عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام وكان المصطفى دفنهما بقبرٍ واحد لمصافاة بينهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالامس، وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن كذلك فأميطت عنه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان ذلك بعد الوقعة بست وأربعين سنة.

وحين سمع المصطفى البكاء على القتلى بكى وقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فأمر سعد بن معاذ وأسيد بن حضير نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين عليه فلما سمع بكاءهن عليه قال: "رحم الله الانصار فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة مروهن فلينصرفن"، ومر بامرأة أصيب زوجها وأخوها وابنها معه بأحد فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله، قالوا خيرًا هو كما تحبين قال كل مصيبة بعده جللٌ، ونادى مناد بين السماء والأرض لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، وهو سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة أن تغسل ذلك الدم وقال: لقد صدقني اليوم وقال لعلي: "لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا". وكان يوم أحد يوم بلاء أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة، ونزل من القرءان في شأن أحد ستون ءاية من ءال عمران.


(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب حجة الوداع.

(2) الموطأ [ص/285].

(3) سنن الترمذي: كتاب الحج: باب ما جاء كم حج النبي صلى الله عليه وسلم.

(1) المصباح المنير [ص/170].

(2) طبقات ابن سعد [2/3].

(3) سيرة النبي صلى الله عليه وسلم [ص/32].

(4) مصنف عبد الرزاق [5/294].

(5) مسند أبي يعلى [4/167]، وقال الحافظ في الفتح [7/280]: "وإسناده صحيح".

(6) راجع تفصيل الغزوة: طبقات ابن سعد [2/5]، السيرة النبوية لابن هشام [1/591]، تاريخ ابن جرير [2/14]، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر [ص/103]، عيون الأثر لابن سيد الناس [1/258]، الكامل لابن الأثير [2/111 و113]، فتح الباري [7/259].

(7) راجع تفصيل الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/5]، السيرة النبوية [1/598]، تاريخ ابن جرير [2/14]، الدرر [ص/105]، عيون الأثر [1/262]، الكامل [2/112]، فتح الباري [7/280].

(8) راجع تفصيل الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/6]، السيرة النبوية [1/598]، تاريخ ابن جرير [2/14]، الدرر [ص/105]، عيون الأثر [1/262]، الكامل [2/112]، فتح الباري [7/280].

(9) قصة تكنية النبي لعليّ بأبي تراب أخرجها البخاري في صحيحه: كتاب مناقب الأنصار: باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، ومسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(10) أخرجه أحمد في مسنده [4/273]، والحاكم في المستدرك [3/141].

(11) راجع تفصيل الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/8]، السيرة النبوية [1/601]، الدرر [ص/106]، عيون الأثر [1/263].

(12) راجع تفصيل الغزوة في" طبقات ابن سعد [2/8]، السيرة النبوية [1/606]، تاريخ ابن جرير [2/20]، الدرر [ص/110]، عيون الأثر [1/281]، الكامل [2/116]، فتح الباري [7/284].

(13) أسنده الحافظ ابن جرير الطبري في تاريخه عن ابن عباس [2/23].

(14) أخرجه أحمد في مسنده [1/117]، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة". [6/75-76].

(15) ليس هذا على وجه القصاص على الحقيقة إنما هو على وجه المباسطة.

(16) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب استحقاق القاتل سلب القتيل.

(17) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب رقم [12].

(18) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/21]، السيرة النبوية لابن هشام [2/47]، تاريخ الطبري [2/48]، الدرر [ص/149]، عيون الأثر [1/343]، الكامل [2/137].

(19) طبقات ابن سعد [2/21].

(20) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/27]، عيون الأثر [1/356]، الدرر [ص/149].

(21) الدرر [ص/149].

(22) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/28]، السيرة النبوية [2/60]، تاريخ ابن جرير [2/58]، الدرر [ص/153]، عيون الأثر [2/5]، الكامل [2/148]، فتح الباري [7/345].

(23) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المغازي: باب غزوة أحد.

(24) موطأ الإمام مالك: كتاب الجهاد: باب الدفن في قبر واحد من ضرورة.