بعثُ أبانَ بنَ سعيدٍ نَجْدَا *** مِنْ بعدِ فتحِ خيبرٍ قدْ عُدَّا
التاسع والعشرون: بعث أبان بن سعيد بت العاص الأموي إلى نجد وذلك البعث وقع من بعد فتح خيبر، وقوله: "قد عُدَّا" بضم العين أي قد عد بعض أهل السير هذه السرية من جملة البعوث، ويحتمل أن المراد قد عد بعد فتح خيبر.
ثمَّ إلى تُربةٍ بَعثُ عُمَرْ *** نحوَ هَوَزانَ أتاهمُ الخبرْ
فهربوا لم يَلْقَ منهم أحدا *** وعادَ راجِعًا لنحوِ أحمدا
الثلاثون: بعثه عمر بن الخطاب في شعبان سنة سبع في ثلاثين رجلاً إلى تربة بضم المثناة وفتح الراء ثم باء موحدة بوزن فعلة موضع في بلاد بني عامر وقيل: واد بقرب مكة قريب من هوزان فأتاهم الخبر فهربوا وجاء عمر فلم يلق منهم أحدًا وعاد عمر راجعًا إلى النبي أحمد.
بعثُ أبي بكرٍ إلى كلابِ *** يعقبُهُ ومرَّ في كِتابي
بأنَّ بعثَهُ إلى فِزارةِ *** في مسلمٍ قد صحَّ معْ زيادةِ
الحادي والثلاثون: بعث أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب بكسر الكاف والتخفيف قبيلة بنجد، وكان بعثه في شعبان سنة سبع يعقب بعث عمر فقتل ناسًا من المشركين، وكان شعارهم أمت أمت. وقول الناظم: "ومر في كتابي" أي في هذه الأرجوزة المسماة بنظم الدرر السنية في سيرة خير البرية في البعث الرابع والعشرين أن بعث أبي بكر إلى بني فزارة في صحيح مسلم (15) قد صح مع زيادة في الحديث.
• فبعثُهُ بشيرًا الأنصاريْ *** لِفَدَكٍ فساقَ في انحدارِ
شاءً لهُم ونَعَمًا فأدركوا *** أصحابهُ فقتلوا وسفكوا
وأخذوا أموالهُم وسَلِمَا *** مِنْ بعْدِ ما ارْتُثَّ بشيرٌ قدما
الثاني والثلاثون: بعث بشيرًا بفتح الموحدة الأنصاري البدري والد النعمان إلى فدك بالتحريك في شعبان سنة سبع إلى بني مرة ومعه ثلاثون رجلاً، فلقي رعاء الغنم فسأل عن الناس فقالوا في بواديهم فساق النعم والشياه وانحدر بها نحو المدينة فخرج الصريخ إلى أصحابها فأدركوا بشيرًا فتراموا بالنبل ففنى أصحاب بشير فقتلوهم وسفكوا دماءهم وساقوا أموالهم وسلم بشير من بعد ما ارتثَّ بضم التاء كما تقدم.
فبعثُهُ الليثيَّ غالبًا إلى *** مَيْفَعَةٍ مِنْ أرضِ نجدٍ قَتلا
قومًا وساقَ نَعمًا وشاءَ *** لهم ولمْ يسْتأسِرَنْ مَنْ جاءَ
قيلَ بها أسماةُ بنُ زيدِ *** قتلَ مَنْ نطقَ بالتوحيدِ
قال لهُ النبيُّ هلاَّ قلبَهْ *** شَققْتَ عنهُ هلْ تُحِسُّ كَذبهْ
وفي البخاريْ بعثُهُ أسامهْ *** للحُرَقاتِ ساقَ ذا تمامهْ
وسيَجيءُ ذِكرُ هذي الواقعهْ *** مِنْ بعدِ ذكري لبُعوثٍ عشرهْ
الثالث والثلاثون: بعثه غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة بفتح أوله وفاء مفتوحة بعدها عين مهملة قرية أو موضع وراء بطن نخل من أرض نجد في رمضان سنة سبع، وكان في مائة وثلاثين رجلاً وهجموا عليهم فقتلوا قومًا وساق نعمًا وشاءً ولم يستأسرن بفتح الراء قبل نون التوكيد الخفيفة مَنْ جاء منهم، وقيل كان بهذه الغزوة أسامة بن زيد قتلَ فيها من أسلم وهو نهيك بن مرداس وكان نطق بكلمة التوحيد فقال: لا إله إلا الله فلما قدم قال له النبي: "أقتلتهُ بعد أن قالها"؟ قال:
إنما قالها خوفًا من السيف قال: "هلاَّ شققت عن قلبه هل تحس كذبه" بكسر الذال أي هل تعلم أنه صادق أو كذاب قال أسامة: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أسلم إلا يومئذ، وبوب في البخاري (16) على هذه السرية "باب بعث أسامة للحُرقات" [قال ابن الكلبي:] بضم المهملة وفتح الراء، ثم قال نسبة إلى الحرقة من جهينة واسمه جهيش بن عامر، وساق البخاري هذا الحديث بتمامه، وسيجيء ذكر هذه الواقعة بعد ذكر عشرة بعوث وهو البعث الرابع والأربعون، وقوله: "عشرة" بسكون الشين للوزن
فبعثُهُ بَشيرًا الأنصاري *** ثانيةً ليمْنَ والجَبارِ
لِغَطَفانَ هربوا وقدْ هجمْ *** أرضهمُ فلم يجدْ إلا النَّعَمْ
فساقَها ورَجُلَينِ أُسِرا *** فأسلما وأرسلا إذ حَضَرا
الرابع والثلاثون: بعثه أيضًا بشيرًا الأنصاري إلى يمن بفتح المثناة التحتية موضع بقرب مكة، هو بضم أوله، وقيل: بزيادة همزة مفتوحة أوله والميم ساكنة في الكل للوزن ثم نون ءاخره أرض لغطفان أو لبني فزارة، والجبار بفتح الجيم وباء موحدة مخففة بعدها ألف وراء اسم موضع بقرب خيبر، أو ماء بقرب وادي القرى، أو أرض لفزارة وعذرة، أو بين فزارة وكلب، وكانت في شوال سنة سبع فلما قدم عليهم هربوا وهجم على أرضهم فلم يجد إلا النعم فساقها وأسر رجلين فأسلما حين أُحضرا إلى المصطفى.
يليهِ بعثُ ابنِ أبي العَوْجاءِ *** وهْوَ بُعَيْدَ عُمرةِ القضاءِ
إلى سُليمٍ جاءهُم عَيْنٌ لهم *** فجاءهُم وقدْ أعدّوا نَبْلَهُمْ
ثمَّ تراموا ساعةً فقُتِلا *** أصحابُهُ وهوَ قدْ تحامَلا
مِن بعدِ جُرحِهِ إلى أنْ قَدِما *** على النبيّ سالمًا مُسَلَّما
الخامس والثلاثون: بعث ابن أبي العوجاء بعد بعث بشير واسمه الأخرم بخاء معجمة وراء السلمي، والعوجاء بفتح العين المهملة وسكون الواو ثم جيم، وهذا البعث هو بُعيد بالتصغير أي بعد عمرة القضاء [بأيام قليلة، وعمرة القضاء] في ذي الحجة سنة سبع، وكان بعثه إلى بني سليم مصغرًا فخرج إليهم في خمسين رجلاً وتقدمه عين أي طليعة لهم فحذرهم، فجاءهم الأخرم ومن معه وقد أعدوا للحرب بنبلهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا فيما دعوتنا إليه، ثم تراموا بالنبل ساعة وأتت الأمداد من كل ناحية فقاتلهم الأخرم قتالاً شديدًا فقتل عامة أصحابه وأصيب هو جريحًا مع القتلى فتحامل أي تكلف المشي على مشقة من بعد جرحه إلى أن قدم على النبي سالمًا من القتل.
فبعثُ غالبٍ إلى الكَديدِ *** إلى بني المُلَوَّحِ الرُّقودِ
شنَّ عليهم غارةً فاسْتاقا *** نعمهُم وأدركوا اللحاقا
بهِ فجاء الله بالسيلِ فما *** قدَّرهمْ أن يَسْترِدوا النَعَما
السادس والثلاثون: بعث غالب بن عبد الله الليثي إلى الكديد بفتح الكاف ودالين أولاهما مكسورة وبينهما مثناة تحتية موضع بين مكة والمدينة، فيه عين جارية عليها نخل كثير بين قديد وعسفان، إلى بني الملوح بكسر الواو المشددة وهم من بني ليث، وكان معه بضعة عشر رجلاً فشن عليهم الغارة في وجه السحر فاستاق نعمهم وقتل منهم جماعة كثيرة، وخرج صريخ القوم فأدركوا غالبًا وأصحابه ولحقوا به بسرعة فجاء معهم ما لا قِبَلَ لهم به فقربوا منهم وما بقي بينهما إلا الوادي، فجاء الله بسيل عظيم فحال بينهما ولم يقدروا أن يستردوا نعمهم وهم ينظرون إليها عيانًا مع كثرتهم. وقول الناظم: "الرقود" أي في بيوتهم حشو كمل به الوزن.
فبعثُهُ ثالثةً إلى فدكْ *** أجْلَ مُصابٍ مَنْ بها قبلُ هلكْ
معَ بشيرٍ فأصابوا النّعما *** وقتلوا في الله قتلى لأُؤَما
السابع والثلاثون: بعثه غالب بن عبد الله مرة ثالثة إلى فدك في صفر سنة ثمان من أجل من أصيب بها من الصحابة وهلك بالقتل مع بشير الأنصاري في البعث المار، فخرج في مائتي رجل منهم أسامة بن زيد فأغاروا عليهم وقت الصبح فاصابوا منهم نعمًا وقتلوا منهم قتلاً ذريعًا في الله تعالى ولا يخافون لومة لائم.
بعثُ شجاعٍ بعدهُ إلى بني *** عامرِ بالسئ إلى هُوزانِ
يسيرُ ليلاً يكمنُ النهارا *** فسارَ حتى صَبَّحَ الديارا
أصابَ منهم نعَمًا وشاء *** وخمَّسوا وقسموا ما جاء
الثامن والثلاثون: بعث شجاع بن وهب الاسدي إلى بني عامر بالسيء بكسر السين المهملة وبالهمز اسم موضع على خمس ليال من المدينة في ربيع الأول سنة ثمان في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوزان، فكان يسير ليلاً ويكمن نهارًا حتى صبَّحهم على غفلة فأصاب منهم نعمًا كثيرًا وشاء فقدموا بها المدينة فخمّسوها واقتسموا، فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرًا وغابوا خمس عشرة ليلة.
فبعثُ كعبِ بنِ عُميرِ بنِ غِفارْ *** لذاتِ إطلاحٍ فحَلُّوا بالديارْ
فوجدوا الجمْعَ كثيرًا قاتلوا *** مِن أعظمِ القتالِ حتى قُتِلوا
إلا الأميرَ ابنَ عُميرٍ كَعبا *** نجا جَريحًا كانَ رَزْأً صَعبا
التاسع والثلاثون: بعث كعب بن عمير الغفاري إلى ذات إطلاح وهي وراء وادي القرى وقيل: هو أرض الشام في ربيع سنة ثمان في خمسة عشر رجلاً، فساروا حتى حلوا بها فوجدوا جمعًا كثيرًا فدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا ورموهم بالنبل ثم قاتلوا قتالاً شديدًا حتى قُتلوا وما نجا منهم إلا أميرهم فإنه انفلت منهم وهو جريح، وكان رُزْأً صعبًا على المسلمين شق على المصطفى وهمَّ بالبعث إليهم فارتحلوا فتركهم.
فبعثُ عمرٍو وهُوَ ابنُ العاصي *** إلى قُضاعةٍ بمرمى قاصي
ذاتِ السُّلاسلِ وكانَ مَنْ معهْ *** عُدَّ ثلاثمائةٍ مُجتمعهْ
فبلغَ ابنَ العاصِ كَثْرُ الجمعِ *** أرسلَ يَستمدُّ قدْرَ الوُسعِ
أرسَلَ لهُ أبا عبيدةٍ وردْ *** في مائتينِ منهما شيخا الرَّشَدْ
العُمرانِ يلحقانِ عُمرا *** فلحِقوهُ ثمَّ ساروا طُرا
حتى لقوا جمْعًا مِنَ الكفارِ *** فهرب الكفارُ للأدبارِ
الأربعون: بعث عمرو بن العاص إلى قضاعة بذات السلاسل بضم السين الأولى وقيل: بفتحها وكسر الثانية ماء بأرض جذام على عشرة أيام من المدينة، وقيل: بها الماء اسمه سلسل فسميت به الغزوة ذات السلاسل، فخرج في جمادى الآخرة سنة ثمان في ثلاثمائة من وجوه المهاجرين والأنصار فسار الليل وكمن النهار حتى دنا منهم فبلغه كثرة الجمع فأرسل إلى المصطفى يستمده فأمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين منهم الشيخان أبو بكر وعمر، فلحقوا بهم ثم ساروا جميعًا فلحقوا جمعًا كثيرًا من الكفار فحمل عليهم المسلمون فهربوا وتفرقوا.
فبعثُهُ أيضًا أبا عُبيدةِ *** في عِدَّةٍ وهمْ ثلثُمائةِ
وهْوَ الذي تعريفُهُ جيشُ الخَبَطْ *** يَلقَوْنَ عِيرًا لقريشٍ فَفَرَطْ
وكانَ زادُهُمْ جِرابُ تَمْرِ *** فأكلوا الخبَطَ بعدَ التَّمْرِ
وفيهِ ألقى البحرُ حوتًا مَيْتا *** يدعنَهُ العنبرَ حتى ثَبَتا
شهرًا عليهِ الجيشُ حتى سَمِنوا *** من أكلهِ وحمَلوا وادَّهنوا
وفيهِ قيسٌ ابنُ سعدٍ نحرا *** جَزائِرًا للجيشِ حتى ائْتمرا
عُمَرُ معْ أكيرهم فمنعا *** وجاء سعدٌ فاشتكى مَنْ منعا
الحادي والأربعون: بعثه أيضًا أبا عبيدة في رجب سنة ثمان في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار ومنهم عمر إلى حي من جهينة مما يلي ساحل البحر على خمس ليال من المدينة، وهذا هو المعروف بجيش الخبط لأنهم أصابهم في الطريق جوعٌ شديد فأكلوا الخبط وذلك لأنه بعثهم يلقون عيرًا لقريش فسبقهم ولم يلقوا كيدًا، وكان زادهم جراب تمر ففرغ فأكلوا الخبط بعده، فألقى البحر لهم حوتًا عظيمًا ميتًا يسمى العنبر فأكلوا منه شهرًا حتى ثابت إليهم أبدانهم حتى سمنوا وادهنوا من ودكه.
ولما جاع الجيش في هذا البعث وكان فيهم قيس بن سعد بن عبادة فقال: من يشتري مني تمرًا بجزور يوفيني الجزور هنا وأوفيه التمر بالمدينة فجعل عمر يقول: واعجباه لغلام لا مال له يدين في مال غيره، فباعه رجل من جهينة خمس جزائر فنحر لهم ثلاثًا في ثلاثة أيام كل يوم واحدة، فلما كان في اليوم الرابع ائتمر عمر وأمير الجيش أبو عبيدة فمنعاه وقالا: عزمنا عليك أن لا تنحر، فلما قفلوا اشتكى سعد إلى أبيه ممن منعه فلامه ووفى للجهني حقه وحمله وكساه فبلغ النبي فعلُ قيس فقال: "إنه في قلبه جود".
بعثُ أبي قتادةَ الأنصاري *** بعدُ إلى خُضرةَ للمغارِ
على مُحاربٍ بنجدٍ سارا *** ليلاً بهم وكَمَنَ النَّهارا
فقَتلوا مَنْ جاءَ واستاقوا النَّعمْ *** وأخرجَ الخُمسَ الأميرُ وقَسَمْ
الثاني والأربعون: بعث أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة بضم الخاء وهي أرض محارب بنجد في شعبان سنة ثمان ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان، وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار فهجم عليهم وقتل من أشرافهم من جاء إليهم واستاقوا النعم وكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبيًا كبيرًا، وجمعوا الغنيمة فأخرج الأمير الخمس وقسم الباقي فأصاب كل واحد اثني عشر بعيرًا، وغابوا خمس عشرة ليلة.
فبعثُهُ أيضًا إلى بطنِ إضَمْ *** حينَ أرادَ غَزْوَ مكةٍ وهَمْ
وكانَ في البعثِ مُحَلِّمٌ قَتَلْ *** عامرَ أشجعَ وبئسَ ما فعلْ
حيَّاهُمُ تحيَّةَ الإسلامِ *** قتلهُ فباءَ بالآثامِ
ونزلت {ولا تقولوا} الآيا *** ثم لقوا النبيَّ عندَ السُّقيا
ولابن إسحاقَ بأنْ ذي القصهْ *** لابنِ أبي حَدْرَدِ وهْوَ عُروهْ
بعثهُ معْ رجلينِ نَحْوا *** رفاعةٍ جاءَ يريدُ غزوا
للمُسلمينَ معَ بطنٍ مِنْ جَشَمْ *** قتلهُ عروةُ واستاقَ النعمْ
الثالث والأربعون: بعثه أبا قتادة أيضًا في ثمانية رجالٍ في رمضان سنة ثمان إلى بطن إضم بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة واد دون المدينة قاله الطوسي، وقال ابن الأعرابي: جبل لأشجع وجهينة، وقيل: وادٍ لهم، وقيل: بين ذي خشبٍ وذي مروة على ثلاثة برد من المدينة، وكان في البعث محلم بن جثامة الليثي فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم فقتله وسلبه متاعه وبعيره فلما لحقوا بالنبي نزل بهم: {ولا تقولوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلامَ لستَ مُؤمِنًا} [سورة النساء/94] الآيات، فمضوا ولم يلقوا جمعًا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب، فبلغهم أن النبي توجه إلى مكة فلحقوه بالسقيا.
وهذه القصة وهي الغزوة نسبها ابن إسحاق (17) إلى ابن أبي حدرد وهو عروة الأسلمي فإنه نكح امرأة وجاء إلى النبي يستعينه على نكاحها فقال: "ما عندي ما أعينك به" فمكث أيامًا، وأقبل رجل من بني جشم يقال له رفاعة بن قيس في بطن عظيم من بني جشم حتى نزل بهم بالغابة يريد أن يجمع قيسًا على حرب المصطفى فدعاه المصطفى وأرسل معه رجلين فقال: "اخرجوا حتى تأتوا بخبر هذا الرجل" فخرجوا فكمن له عروة ليلاً حتى أمكن منه فنفحه بسهمٍ فوقع في فؤاده فلم يتكلم فاحتز رأسه وكبر في ناحية العسكر فهربوا، واستاق عروة وصاحباه النعم وهي ثلاثة عشر بعيرًا.
فبعثُهُ أسامةَ بنَ زيدِ *** للحُرقاتِ وهْوَ ذو ترديدِ
هل كانَ في السَّبْعِ كما قد مرَّا *** أو في الثَّمانِ وهْوَ أحْرى
وفيهِ قتلُهُ لمن قد ذكرا *** كلمةَ التوحيدِ حتى أنكرا
الرابع والأربعون: بعثه أسامة بن زيد إلى الحرقات وهو وقع فيه تردد هل كان في سنة سبع أو في سنة ثمان، والثاني أحرى أي أحق بالاعتماد، وفي هذا البعث قتل أسامة من نطق بكلمة الشهادة فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما مر.
فبعثُ خالدٍ لهَدمِ العُزَّى *** فحزَّها باثنين حَزًّا حزَّا
الخامس والأربعون: بعث خالد بن الوليد إلى هدم العزى أعظم أصنام قريش وبني كنانة وكانت بنخلة، فخرج لخمس بقين من رمضان سنة ثمان في ثلاثين فارسًا فهدمها ثم رجع إلى المصطفى فأخبره فقال: "هل رأيت شيئًا"؟ قال: لا، قال: "إنك لم تهدمها فارجع فاهدمها" فرجه وهو متغيظ فجرد سيفه فخرجت امرأة عريانة سوداء ناشزة الرأس فضربها خالد فحزها باثنتين أي قطعها قطعتين ورجع إلى المصطفى فأخبره فقال: "تلك العزى وقد أيست أن تعبد أبدًا".
فبعثُ عمرو ثانيًا فهَدَما *** سُواعَ والسَّادِنُ أضحى مَسْلِما
السادس والأربعون: بعث عمرو بن العاص في رمضان سنة ثمان إلى سواع صنم لهذيل لهدمه فانتهى إليه وعنده السادن فقال: لا تقدر على هدمه، فقال: حتى الآن وأنت على الباطل، ثم كسره وهدم بيت خزانته فلم ير ما يضر، فقال للسادن: كيف رأيت، قال: أسلمت لله.
فبعثُ سعدٍ وهْوَ ابنُ زيدِ *** هدمَ منَاتَهُم على قديد
السابع والأربعون: بعث سعد بن زيد الأشهلي في رمضان سنة ثمان إلى مناة وكانت بالمشلل على قديد للأوس والخزرج وغسان، فخرج في عشرين فارسًا فوصلها وعندها السادن فخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تولول وتضرب صدرها فقال السادن: مناة دونك بعض عصاتك، فقتلها سعد وكسر الصنم ثم رجع ولم يجد بأسًا.
فبعثُ خالدٍ إلى جُذيمةِ *** ثانيةً يدعو لخيرِ ملَّةِ
ليس مقاتِلاً وكانوا أسلموا *** قالوا صَبَأنا وهوَ لفظٌ منهم
أمرهُمْ خالدُ ان يُقَتّلا *** كلٌّ أسيرهُ فبعضٌ قتلا
وبعضُهم أمسكَ كابنِ عُمَرا *** وصحبِهِ لم يقتلوا من أُسِرا
قالَ النبي إذ أتاهُ الواردُ *** أبرأ ممَّا قد أتاهُ خالدُ
ودَى لهم قتلاهم النبيُّ *** ذهبْ بها إليهم عليُّ
الثامن والأربعون: بعثه خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة بناحية يلملم بأسفل مكة سنة ثمان داعيًا إلى الإسلام وبم يبعثه مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين فانتهى إليهم فقال: ما أنتم؟ قالوا: صبأنا وهو لفظ يفهم الإسلام عندهم، ثم صرحوا به فقالوا: مسلمون ءامنا بمحمد وصلينا وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنا فيها، قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم، قال: ضعوا السلاح فوضعوه قال: استأسِروا فاستأروا فأمر بعضهم فكتف بعضًا وفرقهم في أصحابه، ثم نادى في السحر من كان معه أسير فليقتله فبعضهم قتل من بيده وبضهم أمسك عن قتله كابن عمر رضي الله عنهما وأصحابه، ثم أتوا المصطفى فأخبروه فتبرأ مما فعله خالد ثم جهز لهم ديات من قُتل منهم مع علي رضي الله عنه.
فبعثُهُ طُفيلاً الدَّوسِيَّا *** لذي الكفينَ صَنَمًا فَهيَّا
نارًا لهُ ومُنْشِدًا في ذَلِكا *** يا ذا الكَفَينِ لستُ من عُبَّادِكا
ميلادُنا أقدَمُ مِنْ ميلادِكا *** إني حَشَوتُ النَّارَ في فُؤادِكا
التاسع والأربعون: بعثه الطفيل بن عمرو الدوسي في شوال سنة ثمان إلى هدم ذي الكفين صنم لعمرو بن حممة الدوسي، فخرج سريعًا فهيأ له نارًا فحرقه بها وجعل يرتجز ويقول: "يا ذا الكفين لست من عبادكا" إلخ ما في النظم ثم رجع فوافى المصطفى بالطائف في أربعمائة من قومه.
فبعثُ قيسٍ وهُوَ ابنُ سعدِ *** إلى صِداءَ أُمروا بالرَّدّ
لمَّا أتى أخو صداءَ التَزَما *** بقومِهِ أتى بجمعٍ أسْلما
الخمسون: بعثه قيس بن سعد بن عبادة إلى قبيلة صداء بالمد، فأتى واحد منهم إلى المصطفى والتزم بإسلام قومه أجمعين فأمر المصطفى برد البعث ثم وفّى بما التزم.
• فبعثُهُ ضَحَّاكًا الكِلابي *** لِقومِهِ وهُمْ بنو كِلابِ
الحادي والخمسون: بعثه الضحاك بن سفيان الكلابي ومعه جيش إلى قومه بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع فلقوهم بالسرح فدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم.
فبعثُهُ عُيَيْنةَ الفِزاري *** إلى تميمٍ أجلَ أخذِ الثَّارِ
إذ مَنَعوا مُصَدّقَ الرَّسولِ *** مِنْ أخذِِ ما أمرَ بالفُضولِ
يسيرُ ليلاً يَكمِنُ النَّهارا *** صبَّحَهُمْ فهربوا فِرارا
أسرَ منهم فوقَ خمسينَ قَدِمْ *** على النبي بهمُ كما عُلِمْ
فجاءَ عشرٌ للنبيّ منهُمُ *** من رؤساءِ قومِهِم فقدَّموا
عُطارِدًا خطبَ ثمَّ كلَّما *** ردَّ لهم أُسراهُمُ والمَغنما
ونزلت {إنَّ الذينَ} المُنزِلُ *** في الحجراتِ فيهمُ ليَعقلوا
الثاني والخمسون: بعثه عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في محرم سنة تسع في خمسين فارسًا ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري لأجل أخذ الثأر من بني تميم لكونهم امتنعوا من دفع الزكاة للمصدق وهو الساعي الذي بعثه المصطفى لأخذها، فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم فهربوا فأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيًّا فجلبهم إلى المصطفى فأمر المصطفى بحبسهم، فقدم عشرة من رؤسائهم وقدموا منهم عطارد بن حاجب فتكلم وخطب فأمر المصطفى ثابت بن قيس فأجابهم فرد عليهم المصطفى الأسرى والغنيمة ونزل فيهم قوله تعالى: {إنَّ الذينَ يُنادونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ} [سورة الحجرات/4] الآية.
فبعثُ قُطبةَ هُوَ ابنُ عامرِ *** لِخَثْعَمٍ ببيشةٍ في صفرِ
سنةَ تِسعٍ أن يَشُنّوا الغارهْ *** ففعلوا وأوقَعوهُمْ غارهْ
فكثُرَ القتلى وساقوا النَّعما *** معَ نسائهم فكانَ مغنما
الثالث والخمسون: بعث قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة، اسم جبل بناحية بيشة بكسر الموحدة التحتية وسكون المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة وادٍ من أودية تهامة من أعمال مكة، وحذف الأحوص في شعره الهاء وأتى بها على التذكير، وكان في صفر سنة تسع في عشرين رجلاً وأمره المصطفى أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها فأخذوا رجلاً فسألوه فاستعجم وجعل يصيح بالحاضرة ويحذرهم فضربوا عنقه ثم أقاموا حتى نام الحاضر فأغاروا عليهم فاقتتلوا قتالاً شديدًا حتى كثُرَ الجرحى والقتلى في الفريقين، ثم ساق قطبة النّعم الشاء والنساء إلى المدينة فكانت مغنمًا وافرًا فخمَّس وقسم.
فابنُ مُجَزّرٍ والاسمُ عَلْقمهْ *** وابنُ حُذافةَ ببعثٍ يَمَّهَهْ
للجيشِ في جزيرةٍ في البحرِ *** فهربوا وفيهِ بدءُ أمْرِ
ابنِ حُذافةٍ لمنْ كانَ معهْ *** أن يقعوا في النارِ ثمَّ منعهْ
وقال كنتُ مازحًا فأخبرا *** بذلكَ النبي قالَ مُنكرا
لا تسمعوا ولا تطيعوهمُ في *** معصيةٍ بلْ ذاكَ في المعروفِ
الخامس والخمسون (18): بعثه علقمة بن مجزز المدلجي في ثلاثمائة منهم عبد الله بن حذافة السهمي إلى ناس من الحبشة في جزيرة في البحر بناحية جدة قصدهم فخاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم وأمَّر عليهم ابن حذافة وكانت فيه دعابة فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم أن تقعوا فيها فتحجزوا حتى ظن أنهم واقعون قال: اجلسوا إنما كنت مازحًا معكم، فلما قدموا أخبروا النبي بذلك فقال منكرًا عليهم إطاعتهم لأميرهم في الوثوب في النار: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه إنما الطاعة في المعروف".
بعثُ عليٍ بعدهُ ليهدما *** الفَلْسَ بالفاءِ وكان صنما
لِطيءٍ فشنَّ غارةً على *** حُلَّةِ ءالِ حاتمٍ حتى ملا
أيديهُمْ سبيًا وشاءً ونعمْ *** وخرَّبَ الفلْسَ جميعًا وغنمْ
أدراعَهُ ثلاثةً ومِخذما *** معَ اليمانيْ ورَسُوبَ معنما
وقسم السَّبيَ وءالَ حاتمِ *** عزلهم لصاحبِ المراحِمِ
قامتْ له سَفانةٌ فاستأمَنَتْ *** محمدًا فحينَ مَنَّ أسلمتْ
سافرتِ الشامَ إلى عَدِيّ *** بشورها جاءَ إلى النبيّ
وذكرَ ابنُ سعدٍ ان المُرسلا *** في البعثِ خالدٌ كما قد نُقِلا
السادس والخمسون: بعثه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خمسين ومائة من الأنصار إلى الفلس بالفاء المفتوحة وسكون اللام وكان صنمًا لطي، فشن الغارة على حلة ءال حاتم مع الفجر فهدموا الفلس وحرقوه وملؤوا أيديهم من السبي والنعم والشاء ووجدوا في خزانة الفلس ثلاثة أدرع وثلاثة أسياف المخذم واليماني والرسوب كانوا يسمونها بذلك فصار ذلك كله مغنمًا، فلما نزلوا ركك عزل للمصطفى الخمس والمخذم والرسوب وقسم السبي على من كان معه،
وأما ءال حاتم فلم يقسمهم بل عزلهم لصاحب المراحم وهو المصطفى فقدم بهم عليه فقامت له سفانة بفتح السين والفاء أخت عدي بن حاتم فاستأمنت أي طلبت أن يؤمّنها ففعل فحين منَّ عليها بالعتق أسلمت، وخرجت إلى الشام إلى أخيها عدي بن حاتم فأشارت عليه بالقدوم على المصطفى صلى الله عليه وسلم فقدم وأسلم بشورها أي بإشارتها.
وذكر الحافظ محمد بن سعد (19) في حديث هشام بن محمد أن المرسل في البعث المذكور إنما هو خالد بن الوليد كما نقله عنه قطب الحلبي في السيرة.
فبعثُهُ عكاشةَ بنَ مِحْصَنِ *** ثانيةً إلى الجِبابِ مَوْطِنِ
لِغطفانَ أوْ بَلِيْ وعَذْرَهْ *** أوْ بينَ كلبٍ وبني فزارهْ
السابع والخمسون: بعثه عكاشة بضم أوله ابن محصن بكسر أوله مرة ثانية في ربيع الآخر سنة تسع إلى الجِباب بكسر الجيم وقيل: بل بضمها ثم موحدتين تحتيتين بينهما ألف، ويقال: الجبابة بالهاء والجباب موطن أي أرض لغطفان، أو لبلي بفتح الموحدة وكسر اللم وعذرة بفتح فسكون أو هو مكان بين ديار كلب وبني فزارة خلاف.
فبعثُهُ إلى أُكَيْدِرْ دُومةِ *** ابنَ الوليد خالدًا في فشةِ
وقالَ يا خالدُ سوفَ تَجِدُهْ *** وَهْوَ يريدُ بَقَرًا يَصَّيَّدهْ
فأُرْسِلَتْ بَقَرُ وَحْشٍ حَكّتِ *** قرونَها حائِطَهْ في ليلةِ
نَشَّطَهُ ذاكَ يصيدُ البقرا *** شدَّتْ عليه خَيْلهُ فاسْتأسَرا
أجارهُ خالدُ ثمَّ صالحهْ *** على رقيقٍ ودُروعٍ صالِحَهْ
معَ رِماحٍ وجِمالٍ ورَحَلْ *** مَعْهُ إلى النبيّ بعدما فَصَلْ
الثامن والخمسون: بعثه أي المصطفى [خالد بن الوليد] إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل بضم الدال رجل من كندة كان ملكًا عليها وكان نصرانيًا، ودومة على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثني عشر من مصر، سميت بدومان بن إسماعيل كان نزلها، فبعث إليه خالد بن الوليد في رجب سنة تسع ومعه أربعمائة وعشرون فارسًا فقال له المصطفى: "يا خالد سوف تجده يريد يصيد بقر وحش" فأتاه خالد ليلاً وقرب من حصنه فأرسل الله بقر وحش حكت بقرونها حائط قصره في ليلة مقمرة فنشطه ذلك لأن يصيده، فخرج فشدت عليه خيل خالد فاستأسر خالد أكيدر وأجاره من القتل ثم صالحه على ثمانمائة رأس من الرقيق وأربعمائة درع صالحة للقتال بها وأربعمائة رمح وألفي بعير وفتح له الحصن وقبض ذلك منه، فعزل للمصطفى صفية ثم قسم الباقي، ورحل أكيدر معه إلى النبي فقدما بعدما انفصل أمر الصلح فصالحه المصطفى على الجزية وخلى سبيله وحقن دمه ودم أخيه وكتب لهم كتابًا بالأمان.
وقول الناظم: "يصيده" بفتح المثناة التحتية أوله وصاد وياء مشددتين أي يصيدها، وقوله: "فأرسلت" مبني للمفعول ونائب الفاعل بقر، وفصل بفتح الفاء والصاد
فبعثُهُ أيضًا إلى عبدِ المَدانْ *** أو لبني الحارثِ نحوَ نَجْرانْ
أتاهم فأسلموا وأقبلوا *** معهُ إلى النبيّ حتى وصلوا
التاسع والخمسون: بعث خالد بن الوليد أيضًا في ربيع الأول سنة عشر إلى بني عبد المدان بفتح الميم والدال أو إلى بني الحارث بن كعب نحو نجران بفتح النون وسكون الجيم، مدينة بالحجاز من شق اليمن، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب أول من نزلها، قالوا: وهي من أطيب بلاد الحجاز، فأتاهم ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا وأقبلوا معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصلوا إليه فأقاموا عنده مدة ثم رجعوا إلى بلادهم.
بعثُ عليّ بعدَهُ إلى اليمنْ *** وهيْ بلادٌ مَذْحِجٍ ففَرَّقَنْ
أصحابهُ جاءُوهُ بالنساءِ *** وَوُلْدِهِمْ ونَعَمٍ وشاءِ
ثمَّ دعاهُم لم يُجيبوا فقتلْ *** منهم رجالاً نحوَ عشرينَ رجُلْ
فانهزموا فكفَّ ثمَّ إذْ دعا *** ثانيةً أجابَ بعضٌ مُسرِعا
فأسلموا وجَمَعَ الغنائِما *** خُمَّسَها لله ثمَّ قسَما
الستون: بعثه علي بن أبي طالب إلى اليمن وكان ذلك بعد بعث خالد إلى بني عبد المدان في رمضان سنة عر وعقد له لواء وعممه بيده وقال له: "امض ولا تلتفت ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك" فخرج في ثلاثمائة فارس وهي أول خيل دخلت تلك البلاد وهي بلاد مَذحج بفتح الميم وسكون الذال المهجمة وكسر الحاء المهملة ففرق أصحابه فيهم فغابوا ثم جاءوهم بنسائهم وأولادهم ونعمهم وشائهم، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوا ورموه بالنبل فحمل عليهم فقتل منهم نحو عشرين رجلاً فانهزموا فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام مرة ثانية فأجاب بعض رؤسائهم مسرعًا فتبعوه فأسلموا، فجمع الغنائم وقسمها فأخرج خُمسها لله ولرسوله ثم قسم البقية على من معه، ثم قفل المصطفى بمكة [وقد] قدمها للحج.
وقول الناظم: "ففرقن" بتخفيف نون التوكيد، وولدهم بضم فسكون، ونعم ورجل بالوقف بلغة ربيعة.
بعثُ بني عبْسٍ وكانوا وفدوا *** لهُ إلى عيرِ قريشٍ فهُدُوا
ءاخرُ مَنْ بعثَهُ أسامه *** لأهلِ أُبْنى لمْ يَرِمْ مقامه
حتى قضى النبيُّ قبلَ سفرهْ *** ردّ أسامةُ بجمعٍ عسْكرِهْ
بَعَثَهُ الصديقُ حتى أرْهقا *** قاتِلَ زيدٍ وسبا وحرَّقا
الحادي والستون: بعث بني عبس بفتح فسكون وذكر ابن سعد (20) في الوفود أنهم كانوا وفدوا له فهداهم الله إلى الإسلام فبايعوه وهم تسعة أنفس فبعثهم إلى عير قريش الي تحمل ميرتهم. وقول الناظم: "فهدوا" بالبناء للمفعول أي فهداهم الله إلى الإسلام.
وقوله: "ءاخر" بالرفع مبتدأ أي ءاخر من بعثه المصطفى على سرية أسامة بن زيد بعثه لأهل أبنى بضم الهمزة وسكون الموحدة التحتية ونون وألف مقصورة موضع بناحية البلقاء من الشام في صفر سنة إحدى عشرة، فخرج إلى الجرف وعسكر به، فبدأ بالمصطفى وجعه وثقل فجعل يقول: "أنفذوا بعث أسامة" فلم يرم بفتح فكسر أي لم يبرح من مقامه بالجرف حتى قضى النبي نحبه، فلما بويع للصديق بعثه فسار إليهم فشن عليهم الغارة وقتل من أشرف له حتى أرهق دماءهم وقتل أسامة قاتل أبيه زيد وسبا من قدر عليه منهم وحرق، ثم رحل فقدم المدينة ولم يصب من المسلمين أحد. وقول الناظم: "زيد" بالجر بدل من الهاء.
واختلفوا في عَدّها فالاكثرُ *** عنْ قدرِ ما عددتُ منها قصَّروا
ولابن نَصْرٍ عالمٍ جليلِ *** بل فوقَ سبعينَ وفي الإكليل
أنَّ البُعُوثَ عدَّها فوقَ المائهْ *** ولمْ أجِدْ ذا لسِواهُ ابتَدأهْ
اختلف أهل السير في عدد البعوث والسرايا فالأكثر منهم عن قدر ما عُدَّ في النظم منها وهو أحد وستون قصروا بالتشديد أي لم يزيدوا عليها بل نقصوا، وقال محمد بن نصر: بل هي فوق السبعين. وفي كتاب الإكليل للحاكم أن عددها فوق مائة، وذكر الناظم أنه لم يجد هذا القول لغيره بل هو ابتدأه لكن تبعه عليه بعضهم.
(15) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى.
(16) صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.
(17) انظر السيرة النبوية لابن هشام [4/626].
(18) الاضطراب في العد في الاصل.
(19) طبقات ابن سعد [2/124].
(20) طبقات ابن سعد [1/225].
