واستشهد يومئذ خمسة وستون رجلاً أربعة من المهاجرين وباقيهم من الأنصار، وقتل من الكفار اثنان وعشرون رجلاً، وقال ابن كثير: أكثر، فإن حمزة لم يُقتل حتى قتل أحدًا وثلاثين، و[قاتل] أبو دجانة وعلي وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة، ورمى طلحة وسعد بين يديه فما سقط لهما سهم إلا أصاب كافرًا، وأنس بن النضر وسعد بن الربيع لم يُقتلا حتى قتلا خلقًا، فربك أعلم بعددهم. انتهى.
الحادية عشرة غزوة حمراء الأسد (25): تأنيث أحمر مضافة إلى الأسد موضع على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت الحليفة، سار النبي ثاني يوم أحد ونادى مناديه بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، و[أذن] لجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فخرج وكان تخلف عن أحد لوصية أبيه له، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وسار حتى وصل بحمراء الأسد ودفع لواءه وهو معقود لم يحل إلى عليه أو إلى أبي بكر إظهارًا للقوة وإرهابًا للعدو ولئلا يظنوا بالمسلمين الوهن، فأقام بها ثلاثًا وكان يوقد كل ليلة خمسمائة نار حتى تُرى من البعد، وذهب صوب معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، وغاب خمسًا ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة ومر به هناك معبد بن أبي معبد الخزاعي،
وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أي معبد مشرك يومئذ قال: يا محمد قد عز علينا ما أصابك في أصحابك وردنا أن الله عافاك فيهم، وتوجه فلقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد اجمعوا الرجعة إلى المسلمين فقالوا: ما وراءك قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقًا اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا وبهم من الحنق عليكم ما لم أر مثله، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم [قال:] فإني أنهاك فلا أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل، فثنى ذلك أبا سفيان عن الرجعة ورجع.
الثانية عشرة غزوة بني النضير (26): بوزن أمير حي من يهود خيبر، وكانت في ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرًا من هجرته خرج فصلى بقباء ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، ثم أتاهم ليعينوه في دية العامريين اللذَيْن قتلهما عمرو بن أمية الضمري في رجوعه من بئر معونة فأجابوه، وكان بينهم وبين المصطفى وبين بني عامر عهد فخلا بعضهم ببعض وهموا بالغدر فقالوا: اجلس يا محمد حتى تطعم وترجع بحاجتك فجلس وأصحابه إلى ظل جدار من بيوتهم ينتظرون أن يصلحوا أمرهم، فابتدر عمرو بن حجاش ليلقي عليهم صخرة من أعلى الدار فنهاه ابن مشكم وقال:
إنه لنقض للعهد، فأُخبر بذلك من السماء فقام راجعًا إلى المدينة فلما استبطأه أصحابه قاموا في طلبه حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر وأرسل إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره، وبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويعدونهم النصر وبعثوا إلى المصطفى أنهم لا يخرجون ولئن قاتلهم ليقاتلونه، فأمر بالتأهب لحربهم خمسة عشر يومًا مكتوم على المدينة وسافر وعلي يحمل رايته فحاصرهم خمسة عشر يومًا وتحصنوا بالحصون فقطع نخيلهم وحرقها وخرب بيوتهم، وكان بعض المنافقين أرسلوا يعدونهم بالقتال معهم فكف الله أيديهم وأيدي المنافقين وقذف في قلوبهم الرعب، فسألوا الجلاء والكف عن الدماء على أن لهم ما حملت الإبل من مالهم إلا الحلقة أي السلاح،
فأجابهم فحملوا حتى كان الرجل يهدم بيته بيده فيأخذ بابه فيضعه على ظهر بعيره، فخرجوا إلى خيبر منهم [ابن أبي] الحقيق وحيي بن أخطب، ومنهم من ذهب إلى الشام وتركوا مالهم لرسول الله خاصة ولم يسلم منهم سوى يامين بن عمير وأبي سعد بن وهب فأحرزوا مالهما، وفي بني النضير نزلت سورة الحشر، وقبض ما فيها من السلاح خمسين درعًا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وخرجوا على ستمائة بعير وقسمها بين المهاجرين بعد أن ذكر أن ذلك للأنصار، وخيَّرهم بين قسمتها بينهم جميعًا أو تخصيص المهاجرين ويردوا عليهم أموالهم فرضوا به، ورد المهاجرون على الأنصار ما كانوا شارطوهم عليه من أموالهم، وأعطى رجلين منهما سهل بن حنيف وأبا دجانة لأنهما ذكرا فقرًا، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق وكان سيفًا له ذكر.
وقدم حيي بن أخطب مكة يستنفرهم على رسول الله، وهنا نذكر قصة عمرو بن سعدى القرظي وذلك أنه مر على ديار بني النضير وهي بباب خراب ليس بها داع ولا مجيب، فرجع إلى بني قريظة فوجدهم بالكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال له الزبير بن باطا: أين كنت وكان يعهده لا يفارق الكنيسة قال رأيت اليوم عِبَرًا اعتبرت بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع تركوا أموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل، والتوراة ما سلط الله هذا على قوم قط لله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف وببني قينقاع فأجلاهم وكانوا أهل عدة وسلاح، يا قوم [قد رأيتم ما] رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبعه فإنكم تعلمون أنه نبي وبشرنا به نبينا، وأسكتوا فلم يتكلم منهم متكلم، ثم أعاد الكلام وخوّفهم بالحرب والجلاء فقال كعب بن أسد: ما تطيب نفسي أن أصير تابعًا، فأسلم هو.
الثالثة عشرة غزوة ذات الرقاع (27): بكسر الراء جبل سميت به لأن فيه بقعًا حمرًا وسوادًا أو لترقيعهم راياتهم أو لكونهم لفوا أرجلهم بالخرق أو لأن صلاة الخوف كانت بها فسميت به لترقيع الصلاة فيها على ستة عشر نوعًا، وسببها أنه بلغه أن ثعلبة وأنمارًا جمعوا الجموع، فخرج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة واستخلف عثمان وأبا ذر في عشرٍ خلون من المحرم سنة أربع، فوصلها فلم يجد إلا نسوة فأخذنهن وهرب الرجال في رءوس الجبال، وحضرته الصلاة فخاف المسلمون إغارة الكفار عليهم فصلى بهم صلاة الخوف، وغاب خمسة عشر ليلة وعاد للمدينة، وقد اختلف في ترتيب هذه الغزوة وما قبلها فابن إسحاق وابن عبد البر على ما ذكره الناظم، وقدّم بعضهم بدر الموعد عليها.
الرابعة عشرة غزوة بدر الموعد (28): وهي غزوة بدر الصغرى، وسببها قول أبي سفيان لما تفرقوا من أحد: الموعد ببدر رأس الحول فخرج المصطفى في ألف وخمسمائة ومعه عشرة أفراس وحمل لواءه علي المرتضى واستعمل على المدينة ابن رواحة، وخرجوا ببضائع وتجارات فسار حتى نزل بدرًا في هلال ذي القعدة وكان بها سوق يقام من استهلاله إلى ثامنه، فأقام بها ثمان ليال ينتظر أبا سفيان وباعوا تجارتهم وربحوا للدرهم درهمًا، وخرج أبو سفيان من مكة في ألفين حتى نزل بمر الظهران ويقال: عسفان ومعه خمسون فرسًا ثم بدا له فرجع زاعمًا أنه عام جدب ولا يصلحهم إلا الخصب، وسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما [خرجتم] تشربون السويق، وأنزل الله في حق المؤمنين: {فانقلبوا بنعمةٍ منَ اللهِ وفَضْلٍ لمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [سورة ءال عمران/174]، قال الدمياطي: الفضل ما ربحوا في تجارتهم.
الخامسة عشرة غزوة دومة الجندل (29): بضم الدال وتفتح، وهي ما بين الحجاز والشام وغزوتها أول غزوات الشام وهي على عشر مراحل من المدينة وعشر من الكوفة وثمان من دمشق واثنتي عشرة من مصر، سميت بدومى بن إسماعيل كان نزلها، خرج إليها لخمس ليال من ربيع الأول على تسعة وأربعين شهرًا من هجرته، وذلك أنه بلغه أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مر بهم ويريدون المدينة فندب الناس واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وخرج في ألف يسير الليل ويكمن النهار، فنزل بساحتهم فوجدوهم تفرقوا وهربوا ووجد النعم فأصاب منها وبث السرايا فلم يصب أحدًا غير رجل واحد وأسلم وأقام أيامًا ثم رجع، ودخل المدينة في العشرين من ربيع الأول وفيها وادع عيينة بن حصن.
السادسة عشرة غزوة الخندق (30): وتسمى غزوة الأحزاب وكانت في شوال أو في ذي القعدة، وذلك أنه لما أجلا بني النضير خرج نفر من وجوههم إلى مكة منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فأتوا قريشًا ودعوهم إلى حرب المصطفى وعاهدوهم على قتاله وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، ونشَّطوا قريشًا بزعمهم أن دينهم خير من دين محمد لما أقسم عليهم أبو سفيان أي الدينين خير فاجتمعوا، ثم جاءوا غطفان فكلموهم ووعدوهم بنصف تمر خيبر كل عام فخرجت قريش في أربعة ءالاف وعقدت اللواء بدار الندوة وحمله عثمان بن طلحة ومعهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين،
وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد، وغطفان في فزارة فأوعبت وهم ألف يقودهم عيينة بن حصين وأشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وبنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم فكانوا عشرة ءالاف وهم ثلاثة عساكر وعناج الأمر أي ملاكه إلى أبي سفيان، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين وشاورهم فاشار سلمان بالخندق ولم يكن من شأن العرب بل من مكائد الفرس، فعسكر بهم رسول الله إلى سفح سلع وكانوا ثلاثة ءالاف واستخلف ابن أم مكتوم ثم خندق على المدينة وعمل فيه بيده بضع عشرة ليلة وقيل أربعًا وعشرين.
وكان فيه من أعلام النبوة قصة الكدية التي شكوها إليه فتفل في ماءٍ ونضحه عليها فعادت كالكثيب لا ترد فيها فأسًا ولا مسحاةً، وفيها قصة الحفنة التي جاءت بها بنت بشير بن سعد لأبيها وخالها ابن رواحة فقال لها: هاتيه فصبته في كفه ما ملأه ثم أمر بثوبٍ فبسط ثم صرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء فصدروا عنه وأنه ليسقط من أطراف الثوب. وفيها قصة شويهة جابر حين دعا إليها المصطفى وحده فأمر صارخًا فصرخ أن انصرفوا إلى بيت جابر، فسمى الله ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم أكل ءاخرون حتى صدر أهل الخندق عنها، وفيها قصة سلمان حين غلظت عليه ناحية من الخندق فأخذ المصطفى المعول فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم أخرى فلمعت أخرى ثم الثالثة برقة ثم أخرى فلمعت أخرى فسأله سلمان فقال: أما الأولى ففتح علي بها اليمن، وأما الثانية فالشام والمغرب، وأما الثالثة فالمشرق.
فلما فرغ من الخندق أقبلت قريش فنزلت بمجتمع الأسيال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري في الآطام وجعل ظهر عسكره إلى سلع والخندق بينه وبين عدوه، ولواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة والأنصار بيد سعد بن عبادة، فلا زالوا يتناوشون القتال، ثم مشى حيي بن أخطب إلى قريظة ولا زال بكعب بن أسد يفتل في الذروة والغارب وهو يقول له إنك امرؤ مشؤومٌ جئت والله بذل الدهر وجهام قد أهريق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاء، فلا زال به حتى أعطاه عهدًا أن يدخله في حصنه إذا رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا حتى يصيبه ما أصابه، فنقض كعب العهد وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وابن رواحة وخوات بن جبير وقال:
"انظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقًا فالحنوا إلي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس" فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، وشاتمه أحد السعدين فقال له الآخر: دع هذا فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، فاتوا المصطفى فقالوا: عضل والقارة أي غدر وكفر فقال المصطفى: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين" فعند ذلك عظم البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ونجم النفاق حتى قال قائل: كان محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، وأقام الكفار بضعًا وعشرين ليلة لا حرب بينهم إلا الرمي بالنبل والحصار، وأراد نوفل بن عبد الله بن المغيرة أن يوثب فرسه الخندق فوقع وقتله الله،
فكبر المصطفى وقال: "إنه خبيث الدية لعنه الله ولعن ديته"، ولبست فوراس من قريش للقتال منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة وضرار بن الخطاب فاقتحموا مضيقًا من الخندق فجالت خيلهم بين الخندق وبين سلع وخرج علي في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فقال عمرو: من يبارز؟ فقال علي: أنا، فأعطاه المصطفى سيفه وعممه وقال: "اللهم أعنه عليه" ويقال: دعاه إلى الإسلام أو البراز فقال: لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك، فقال علي: لكني أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل على علي فتناولا وتجاولا فقتله علي.
وفي غير هذه الرواية أنه طلب البراز وهو مقنع في الحديد فقال علي: أنا له يا رسول الله فقال: "اجلس إنه عمرو" ثم كرر عمرو النداء وجعل يوبخهم ويقول: أين جنتكم التي زعمتم، قال علي: أنا له يا رسول الله، قال: "اجلس إنه عمرو" ثم نادى الثالثة فقال علي: أنا له يا رسول الله وإن كان عمرًا، فأذن به فمشى إليه فقال عمرو: من أنت؟ قال: علي، قال: ابن عبد مناف، قال: ابن أبي طالب، قال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن اهريق دمك، قال: لكني ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبًا ثم التقيا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو [فقدَّها] وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي رضي الله عنه على جبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع المصطفى التكبير فعرف أن عليًّا قتله، وكان شعار الصحابة "حم لا ينصرون"، وكانت عائشة في حصن بني حارثة ومعها أم سعد بن معاذ فمر سعد وعليه درع مقلصة وفي يده حربة يرفل بها ويقول:
لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل *** لا بأس بالموت إذا حان الاجل
فقالت له أمه: الحق يا بني، فقالت عائشة: يا أم سعد لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، فرمي بسهم فقطع منه الأحكل رماه به ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، قال: عرق الله وجهك في النار، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم إن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، وشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصرين والعشاءين فأقام لكل صلاة إقامة وقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم نارًا"، ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعًا.
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي فمرني بما شئت قال: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذ عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" فأتى بني قريظة وكان لهم نديمًا فقال: قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا: صدقت، قال: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم وبه مالكم ونساؤكم وأبناؤكم لا تقدرون أن تتحولوا منه، وقريش وغطفان بلدهم ونساؤهم بغيره فإن رأوا نهزة أصابوها وإلا لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم قالوا:
أشرت بالرأي، ثم أى قريشًا فقال لأبي سفيان [ومن معه]: عرفتم ودي لكم وقد بلغني أمر رأيت أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا، تعلمون أن معشر يهود ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه إنا ندمنا أفيرضيك أن نأخذ لك من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم [فنعطيكهم] فنضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم، فلا تدفعوا لليهود رجلاً واحدًا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي ولا أراكم تتهموني، ثم ذكر مثل ما قال لقريش وحذرهم، فأرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة:
إنا لسنا بدار مُقام هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال للناجز محمدًا قالوا: اليوم السبت ولا نعمل فيه ومع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا رهنًا من رجالكم فإنا نخشى إن أضرمتم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ببلادنا ولا طاقة لنا به، فقالوا: صَدَقنا نعيم فردوا إليهم: لا نعطيكم من رجالنا أبدًا فاخرجوا معنا وإلا فلا عهد بيننا وبينكم، فقال بنو قريظة: صدقَ نعيم، وخذل الله بينهم وبعث الله ريحًا عاصفًا فجعلت تقلب ءانيتهم وتكفئ قدورهم ليلاً، فلما وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلافهم بعث حذيفة بن اليمان ليلاً ليأتيه بخبرهم فشق عليه ذلك حتى قال المصطفى:
"قم يحفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا"، فأتاهم واستتر في غمارهم وسمع أبا سفيان يقول: ليتعرف كل منكم جليسه قال حذيفة: فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ قال: فلان، قم قال أبو سفيان: يا معشر قريش ما أصبحتم بدار مُقام وقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ما نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون لا يثبت لنا قِدْرٌ ولا تقوم لنا نار فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله فما حلَّ عقاله إلا وهو قائم، قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا حدث شيئًا لقتلته بسهم، ثم أتيته فوجدته قائمًا يصلي فأدخلني إلى رحله وطرح علي المرط فأخبرته لما سلم فحمد الله، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين. وأقام المصطفى بالخندق أربعة أو خمسة عشر يومًا ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة وقال: "لن يغزوكم قريش بعد عامهم هذا ولكنكم تغزونهم" فكان كذلك.
السابعة عشرة غزوة بني القريظة (31): بضم القاف وفتح الراء وبعد التحتية الساكنة ظاء معجمة، وكان من خبرهم أن المصطفى لما انصرف من الخندق إلى بيته وأصحابه وقد غمهم الحصار فوضعوا السلام فأتاه جبريل فقال: غفر الله لك إن الملائكة لم تضع السلاح بعد، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، فأذّن بلال في الناس: "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة"، وسار إليهم في ثلاثة ءالاف يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، وقدم عليًّا برايته إليهم فابتدرها الناس [فسار] حتى دنا من الحصون فقال:
يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته، قالوا: يا أبا القاسم فما كنت جهولاً، وتلاحق الناس وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى عاهد عليه كعب بن أسد، فلما أيقنوا بأن المصطفى مناجزهم أشار عليهم باتباعه لأنه النبي الذي يجدونه في كتابهم فيأمنون على دمائهم وأموالهم فأبوا وقالوا: لا نفارق حكم التوراة، فقال: [فإذا أبيتم على هذه فهلم] نقتل أبناءنا ونساءنا ونخرج إليهم ليلاً يكون وراءنا ما نخاف عليه فأبوا وقالوا: لا خير في العيش بعدهم، فقال: الليلة ليلة السبت وهم ءامنون نخرج إليهم لنصيب منهم غرّة فأبوا وقالوا:
لا نحدث في سبتنا ما لم يحدث فيه من قبلنا، ثم طلبوا من المصطفى أبا لبابة ليستشيروه فأرسله فلما رأوه قام إليه الرجال وجمعوا إليه النساء والاطفال يبكون في وجهه فرقَّ لهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمد قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، فقال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله، ثم انطلق حتى ربط نفسه بسارية في المسجد وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي، وأقام كذلك تأتيه امرأته فتحله للصلاة ثم تربطه وأقام ست ليال لا يأكل ولا يشرب حتى نزلت توبته، ولما بلغ المصطفى قال:
"لو جاءني استغفرت له لكن حيث فعل يصبر حتى يتوب الله عليه" فلما نزلت توبته ببيت أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر يضحك قلت: مم تضحك، قال: "تاب الله على بي لبابة" فقامت على باب حجرتها فقالت: أبشر يا أبا لبابة فقد تاب الله عليك فثار الناس يبشرونه وأرادوا إطلاقه فأبى إلا أن يحله المصطفى فحله لما خرج للصبح.
ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوائب الأوس فقالوا: [يا رسول الله إنهم] موالينا دون الخزرج وقد فعلت قريش في موالي إخواننا بالأمس ما علمت يعنون بني قينقاع حيث وهبهم لعبد الله بن أبيّ لما سأله فيهم فقال المصطفى: "ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم سعد بن معاذ" وكان جعله في خيمة بالمسجد ليعوده من قرب فأتاه قومه فحملوه على حمار ووطئوا له بوسادة من أدم وكان جسيمًا ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: أحسن في مواليك فإن رسول الله إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا قال:
لقد ءان لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض ومن معه إلى بني عبد الأشهل يبتغي رجال قريظة قبل أن يصل إليه سعد لما سمع ذلك، فلما انتهى سعد إليهم قال المصطفى: "قوموا إلى سيدكم" فقاموا إليه وقالوا: قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعلى من هنا في الناحية التي فيها المصطفى وهو معرض عنه إجلالاً له فقال المصطفى: "نعم"، قال: فإني أحكم فيكم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والأطفال، وفي بعض الطرق أنه حكم بالديار للمهاجرين، فقال الأنصار: إخواننا كنا معهم، قال: أردت أن يكتفوا عنكم فقال المصطفى: "حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعةٍ".
وقيل: إن عليًّا لما حمل على الحصن والزبير وقال: والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن الحصن، فقالوا: ننزل على حكم سعد فخندق لهم موضعًا هو سوق المدينة اليوم وخرج بهم أرسالاً فضربت أعناقهم في تلك الخنادق، وأتي بحيي بن أخطب فضربت عنقه، وكانت ستمائة أو ثمانمائة، ووجدوا فيها ألفين وخمسمائة [سيف و] ثلاثمائة درع وألفي رمح وخمسمائة ترس، ثم خمست الغنائم [ثم قسمت] للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم وهو أول فيءٍ وقعت فيه السهمان وخمس، وعلى سنته مضت قسمة الغنائم، وأسلم تلك الليلة ثعلبة بن سعية بالتحتية وقيل:
بالنون، وأسيد بفتح الهمزة بن سعية وأسيد بن عبيد وهم من هدل لا من قريظة [ولا من النضير فأحرزوا دماءهم وأموالهم، وضربت رقبة امرأة من قريظة] وهي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، فلما انقضى شأنهم انفجر لسعد بن معاذ جرحه فمات واهتز العرش فرحًا بصعود روحه، وفيه قيل:
وما اهتز عرش الرحمن من موت هالك *** سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
ونزلت سورة الأحزاب في شأن الخندق وبني قريظة، وكان الزبير بفتح الزاي بن باطا قد منَّ على ثابت بن قيس في الجاهلية فجاءه ثابت فقال: أتعرفني، قال: وهل يجهل مثلي مثلك، قال: أردت أن أجازيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، ثم ذكر ذلك ثابت للمصطفى فوهبه له فأتاه فأخره فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة، فاستوهب ثابت من المصطفى امرأته فوهبه فأخبره فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم، فوهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت ماله فأخبره فقال:
ما فعل الذي كان وجهه مرءاة مضيئة تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب، قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموال قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قال: قتلوا، قال: فإني أسألك بيدي عنك إلا ألحقتني بالقوم فما في العيش بعدهم من خير فقدمه فضرب عنقه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصاري بسبايا من بني قريظة إلى نجد فابتاع بهم خيلاً وسلاحًا، واصطفى المصطفى لنفسه من نسائهم ريحانه بنت زيد وكانت في ملكه حتى مات عنها اختارت بقاءها في ملكه على العتق والنكاح وقالت: هو أخف علي وعليك وقد توقفت في الإسلام، فوجد في نفسه من ذلك وعزلها فبينا هو مع صحبه إذ سمع صوت نعلين خلفه فقال: "إن هذا لثعلبة يبشرني بإسلام ريحانة" فكان كذلك، فلما أسلمت سُرَّ بذلك.
الثامنة عشرة غزوة بني لحيان (32): بكسر اللام وفتحها، أرخها ابن سعد في ربيع الأول سنة ست، وابن أسحاق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، وذلك أن المصطفى وجد على أهل الرجيع خبيب بن عدي وعاصم بن ثابت وأصحابهما المقتولين بالرجيع وجدًا شديدًا، فأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة وخرج في مائتي راكب حتى انتهى إلى منازلهم بقرب عسفان فوجدهم حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد، فلما أخطأه من غرتهم ما أراد قال: "لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة" فجاء حتى نزل عسفان، ثم بعث أبا بكر في عشرة فوارس حتى بلغوا كراع الغميم قم كروا فلم يلقوا أحدًا، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة بعد غيبته أربع عشرة ليلة فسمعه جابر وهو يقول: "ءايبون تائبون لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال".
التاسعة عشرة غزوة ذي قَرَد (33): بفتح القاف والراء وحكى السهيلي ضمهما، على بريد من المدينة في طريق الشام، وذلك أن المصطفى لما قدم من بني لحيان لم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن في أربعين فارسًا من غطفان على لقاح المصطفى بالغابة وكانت عشرين وفيها أبو ذر ورجل من غفار وامرأته فقتلوا الرجل وأخذوا المرأة واللقاح، وكان أول من نذر بكسر المعجمة أي علم بهم سلمة بن الأكوع غدا يريد الغابة متوشحًا قوسه وسيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى خيولهم فصرخ:
واصباحاه وهي كلمة يقولها المستغيث، ثم خرج يشتد في ءاثار القوم وكان كالسبع حتى لحقهم فجعل يرميهم بالنبل ويقول إذا رمى: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع أي يوم هلاك الرضع وهم اللئام، فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربًا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى وقال: خذها وأنا ابن الأكوع إلخ فيقول قائلهم أو يكعنا هو أول النهار، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ بالمدينة: "الفزع يا خيل الله اركبي" وخرج مقنعًا بالحديد فترامت الخيل إليه فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن الأسود ثم عباد بن بشر ثم سعد بن زيد الأشهليان وفرسان، فلما اجتمعوا أمّر عليهم سعد بن زيد هذا هو الأصح وقيل:
المقداد وقال: اخرج في طلبهم حتى أًلحقك بالناس، وقال لأبي عياش الزرقي: لو أعطيت هذا الفرس أفرس منك يلحق، فقال: أنا أفرس الناس فضرب فما جرى سوى خمسين ذراعًا حتى طرحه، فعجب فأعطاه غيره، وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة ويقال له: قمير فقتل ولم يقتل من المسلمين غيره، وقيل: قتل معه وقاص المدلجي، ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه ببردته، وقال الدمياطي: إنما قتله المقداد، وقتل أبو قتادة مسعدة الفزاري رئيس المسلمين، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين لما رأوا القتيل مغشى بالبردة استرجع الناس وقالوا:
قتل أبو قتادة، فقال المصطفى: "ليس به لكنه قتيل له وضع عليه بردته لتعلموا أنه صاحبه"، وادرك عكاشة بن محصن أوبارًا وسماه ابن سعد أوثارًا بمثلثة وابن عائذ [إيارًا] بكسر الهمزة وابنه عمرو بن أوبار على بعير فانتظمهما بالرمح فقتلهما واستنقذوا بعض اللقاح، وفي صحيح مسلم (34) جميعها، وفيه عن سلمة بن الأكوع أنه طردهم وقال: ما زلت أرميهم فأعقرهم فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست فيها ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل رميتهم بالحجارة فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة يستخفون فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد فأخذت بعنان الأخرم فقلت:
احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحقك الناس، فقال: إن كنت تؤمن بالله وتعلم أن الجنة والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة بن حصن فنفر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتجول على فرسه فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فطعنه، وسار المصطفى حتى نزل بالجبل من ذي قرد، قال سلمة: فجئته وهو على الماء وإذا بلال قد نحر ناقة ويشوي للمصطفى من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله خلني انتخب من القوم مائة فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبرٌ إلا قتلته، فضحك حتى بدت نواجذه في ضوء النهار وقال:
"أتراك كنت فاعلاً" قلت: نعم والذي أكرمك [بالنبوة] قال: "إنهم الآن يقرون بأرض غطفان" وأقام يومًا وليلة يتجسس الخبر وصلى بهم صلاة الخوف وقسم في كل مائة من صحبه جزورًا ينحرونها وكانوا خمسمائة وقيل: سبعمائة، واستعمل على المدينة ابن أم متوم وخلَّف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحمال التمر وعشر جزائر فوافته بذي قرد وقال المصطفى: "خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة"، ورجع قافلاً وأردف سلمة خلفه على العضباء، وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل المصطفى فأخبرته الخبر وأنها نذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها فتبسم وقال:
"بئسما جزيتيها"، وأخبرها بأنه لا نذر في نعصية ولا فيما لا تملك، وأخذ ناقته وقال: "ارجعي إلى أهلك". وذكر الزبير هنا معجزة وهو أن المصطفى نزل في هذه الغزوة على ماء فسأل عن اسمه فقيل: بيسان وهو مالح، فقال: "بل هو نعمان وهو طيب" فغير رسول الله الاسم وغير الله الماء فاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به، وقال المصطفى: "ما أنت يا طلحة إلا فياض" فسمي طلحة الفياض.
العشرون غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق (35): والمريسيع ماء لخزاعة من قولهم رسعت عين الرجل إذا دمعت من الفساد، والمصطلق مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت، بينها وبين الفرع نحو يوم وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وهم بنو جذيمة بن سعد بطنٌ من خزاعة.
وسببها أن رئيسهم الحارث بن أبي ضرار سار في قومه ومن أمكنه من العرب فدعاهم إلى حرب المصطفى فأجابوه وتهيأوا للمسير معه، فبعث المصطفى بريدة بن الحصيب يعلم علم ذلك فلقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى المصطفى فأخبره، فأسرع الخروج إليهم وخرج معهم نفر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قبلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة وكان معه فرسان لزاز والظرب، وبلغ الحارث ومن معه سيره فخافوا وتفرق من معهم، وانتهى المصطفى إلى المريسيع وهو الماء فضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة، فتأهبوا للقتال، وصف الرسول أصحابه ودفع راية المهاجرين لأبي بكر والأنصار لسعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان،
وقتل عشرة منهم وأسر بقيتهم وسبي الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد فاحتبسوا على طلب الماء فنزلت ءاية التيمم، وغاب المصطفى ثمانية وعشرين يومًا، وكان شعار المسلمين يومئذ يا منصور أمت أمت، وأصاب يومئذ رجل من الأنصار مسلمًا من بني كلب فقتله ظانًّا أنه من العدو، وازدحم في الواردة جهجاه الغفاري أجير لعمر وسنان بن وبر حليف الخزرج فاقتتلا فصرخ أحدهما: يا معشر الأنصار، والآخر يا معشر المهاجرين، فغضب ابن أبيّ رأس المنافقين وقال:
أوَ قد فعلوها نافرونا وكاثرونا في بلادنا ما أحدنا وجلابيب قريش هؤلاء إلا كما قال الأول "سمن كلبك يأكلك" لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره من قومه وفيهم زيد بن الأرقم ذو الأذن الواعية غلام حدثٌ فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم،
أما لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، فمشى زيد إلى المصطفى فأخبره فقال عمر: مر به عباد بن بشر فليقتله قال: "كيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"، لكن أذّن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن ليرتحل فيها، ومشى بن أبيّ إلى المصطفى فحلف ما قلت وكان في قومه شريفًا عظيمًا فقال من حضر من الأنصار: عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه حدبًا على ابن أبيّ ودفعا عنه: وجاء أسيد بن حضير فحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية النبوة وقال: يا نبي الله رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها قال:
"أما سمعت ما قال صاحبكم زعم أنه إذا رجع إلى المدينة أخرج الأعز الأذل" قال: أنت تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال: ارفق به صلى الله عليك فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أن قد استلبته ملكًا، ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسار بهم يومهم وليلتهم فأصبحوا سائرين حتى ئاذتهم الشمس فهبت ريح شديدة وخافوها، فأخبر المصطفى أنها لموت عظيم من الكفار [فلما قدموا المدينة وجدوا] رفاعة بن زيد من عظماء يهود بني قينقاع وكان كهفًا للمنافقين [قد مات]، ونزلت سورة المنافقين التي فيها ابن أبيّ ومن على مثل أمره، فأخذ المصطفى بأذن زيد بن أرقم فقال:
"هذا الذي أوفى الله بأذنه" وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ فأتى وقال: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي فما بلغك عنه فإن كنت فاعلاً فمرني أحمل إليك رأسه فلقد علمت الخزرج ما بها أبر بوالده مني إني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتله يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال: "بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا" فلما أراد دخول المدينة وقف عبد الله لأبيه وقال: لا تدخلها حتى تقرّ أنك الذليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ويأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدخول، فأذن فدخل فجعل بعد ذلك إذا أحدث أمرًا كان قومه الذين يعاتبونه ويعنفونه، فقال المصطفى حين بلغه ذلك من شأنهم لعمر: "أما والله لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له أنف" فقال عمر: قد علمت ولأمر رسول الله أعظم بركة.
وفيها سئل عن العزل فقال: "ما عليكم أن لا تعزلوا ما من نسمةٍ كائنة [إلا وهي كائنة]" ثم أمر بالأسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة، وجمعت الغنائم واستعمل عليها شقران مولاه، وجمع الذرية ناحيته، وكانت الإبل ألفين والشاء خمسة ءالاف والسبي مائتين.
وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك في حق أم المؤمنين الحصان الرزان عائشة رضي الله عنها، وأصله أن المصطفى لما قرب إلى المدينة نزل منزلاً بات فيه بعض الليل ثم أذن بالرحيل فخرجت عائشة لحاجتها وفي جيدها عقد فيه جزع فانسل ولا تدري، فلما رجعت فقدته فذهبت تطلبه فشدوا هودجها على بعير لا يشكّون أنها فيه، وانطلقوا فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب فتلففت بجلبابها واضطجعت إذ مر صفوان بن المعطل السلمي فوقف عليها فقال: إنا لله [وإنا إليه راجعون] ظعينة رسول الله، ولم تكلمه فقرب بعيره فقال:
اركبي فركبته وأخذ برأسه فما أدرك العسكر حتى نزلوا فقال أهل الإفك ما قالوا، وارتج العسكر وهي لا تعلم بشيء، فلما قدموا المدينة شكت وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبويها وأنكرت من المصطفى ما كانت تعهده من لطفه بها، وكان إذا دخل يقول: "كيف تيكم" ولا يزيد، فاستأذنته أن تُمرَّض عند أمها فأذن، فلما نقهت بعد عشرين يومًا خرجت لحاجتها ومعها أم مسطح فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة: بئس لعمر الله ما قلت، قالت: أو ما بلغك الخبر، فأخبرتها بما قال أهل الإفك، فما زالت تبكي حتى كاد البكاء يصدع كبدها فقالت أمها:
أي بنية خففي عنك فقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن القول فيها، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فحمد اللخ وقال: "يا أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون غير الحق والله ا علمت عليهم إلا خيرًا ويقولون ذلك لرجل ما علمت منه إلا خيرًا وما يدخل بيتًا من بيوتي إلا وهو معي" وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبيّ في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش لمكان أختها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم أو من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك فإنهم لأهلٌ لأن تضرب أعناقهم، فقام سعد بن عبادة فكانت بينهما مقاولة حتى كاد يكون بين الحيين شرٌّ، هذا هو الصحيح لا ما ذُكِر أنه سعد بن معاذ فإنه كان مات.
فنزل المصطفى فدعا عليًّا وأسامة فاستشارهما فأثنى أسامة خيرًا وقال: هذا كذب وباطل، وقال علي: النساء كثير وسل الجارية فإنها تصدقك، فدعا المصطفى بريرة وقام علي يضربها ضربًا شديدًا ويقول: اصدقي رسول الله فتقول: لا أعلم إلا خيرًا ولا أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام فتاتي الداجن فتأكله، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقال: "يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله فإنه يقبل التوبة عن عباده" قالت: فما هو إلا أن قال ذلك وقلص دمعي وانتظرت أبوي أن يجيبا فلم يتكلما، وأيمُ اللهِ لأنا كنت أحقر في نفسي من أن يُنزِلَ اللهُ فيَّ قرءانًا يُقرأ به ويصلى به، وكنت أرجو أن يرى المصطفى في منامه ما فيه براءتي،
وما أهل بيت دخل عليهم ما دخل على ءال أبي بكر في تلك الأيام، فما برح رسول الله مجلسه حتى تغشاه ما كان يتغشاه فسجي بثوبه، ثم سرى عنه فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق ويقول: "أبشري يا عائشة قد أنزل الله براءتك"، قلت: بحمد الله لا بحمد أحد غيره. وفي الطبراني أن أبا بكر دخل وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تنتظر بهذه التي خانتك وفضحتني فما كان غير يسير حتى نزل الوحي وجاء عذرها من السماء، ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما نزل من القرءان، ثم أمر بمسطح وحمنة وحسان بن ثابت وكان ممن أفصح بالفاحشة فحُدّوا، ولما نزلت الآيات حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ولا ينفعه أبدًا فأنزل الله: {ولا يأْتَلِ أولوا الفَضْلِ مِنكُم} [سورة النور/22] الآية فرجع إلى نفقته، ثم ظهر أن ابن المعطل كان حصورًا لا يأتي النساء ومات شهيدًا انتهى.
ثم هذا القول من كون قريظة بعد الخندق ثم لحيان ثم ذو قرد ثم المريسيع هو القول الأسد الأصح من أقوال أهل السير، ووراء ذلك أقوال أخر لا يليق إيرادها بهذا المجموع الموجز المختصر.
الحادية والعشرون غزوة عمرة الحديبية (36): وهي تلي المصطلق عدها بعضهم من الغزوات، خرج إليها في ذي القعدة سنة ست معتمرًا لا يريد حربًا واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب وساق الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه خرج زائرًا للبيت معظمًا [له]، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: قريش سمعت بك فخرجوا معهم العوذ المطافل قد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى وتعاهدوا أن لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموها إلى كراع الغميم، فقال المصطفى:
"يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين أو قاتلوا وبهم قوة، فما تطلب قريش فوالله لا زلت أجاهد على ما بعثت به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة" فسار حتى إذا سلك ثنية المراد بركت ناقته فقالت الناس خلأت [فقال: "ما خلأت] وما هو لها بخلق لكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"، فلما اطمأن أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فسألوه ما جاء به، فأخبرهم أنه لن يات لحرب بل زائرًا فرجعوا لقريش فقالوا:
إنكم تعجلون على محمد إنه لم يأت لقتال فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن كان لا يريد قتالاً لا يدخلها عنوة أبدًا، ثم بعثوا إليه بكرز بن حفص أخي بني عامر فلما رءاه مقبلاً قال: "هذا رجل غادر" فكلمه فقال له نحوًا مما قاله لبديل فرجع إل قريش فأخبرهم، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان سيد الأحابيش فلما رءاه قال: "هذا من قوم يتباهون فابعثوا الهدي في وجهه ليراه" فلما رءاه في قلائده رجع إلى قريش ولم يصل إلى المصطفى إعظامًا لما رأى فقال لهم ذلك فقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب فقال:
ما على هذا حالفناكم ولا عليه عاهدناكم أيُصدُّ عن بيت الله من جاء معظمًا له والذي نفسي بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء به أو لأنفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد فقالوا: كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما ترضى به، ثم بعثوا عروة بن مسعود الثقفي فأتاه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت إلى بيضتك لتفضها بهم إنها قريش لبسوا جلود النمور متعاهدين لا تدخلها عنوة أبدًا، وأيم الله كأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك فرد عليه أبو بكر وقال: أنحن ننكشف عنه، ثم جعل عروة يتناول لحية المصطفى وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأسه في الحديد فجعل يقرع يده ويقول:
اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن نصل إليك فيقول عروة: ما أفظك وأغلظك، فتبسم المصطفى فقال: من هذا يا محمد قال: "ابن أخيك المغيرة" قال: أي غدر وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس يريد أن المغيرة كان قد قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلاً من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف رهط المقتولين والاحلاف رهط المغيرة فودى عروةُ المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح الأمر، وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بنحو ما كلم أصحابه فقام من عنده وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه ولا تسقط منه شعرة إلا أخذوها، فرجع فقال:
يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه فما رأيت ملكًا قط كمحمد في أصحابه، رأيت قومًا لا يسلمونه أبدًا فرَوا رأيكم، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي فحمله على بعير وبعثه لقريش يبلغ أشرافهم ما جاء به، فعقروا بعيره وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، وبعثت قريش خمسين رجلاً طافوا بالعسكر ليصيبوا منهم أحدًا فأُخذوا فخلى المصطفى سبيلهم، ثم دعا عمر ليبعثه إلى مكة فقال: أخاف قريشًا على نفسي وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريشًا عداوتي إياها وغلظتي عليها، وأدلك على رجل أعز بها مني عثمان، فبعثه فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مة فجعله بين يديه ثم أجاره وقال:
أقبل وأدبر ولا تخف، بنو سعيد أعزة الحرم، فأتى عظماء قريش فبلغهم رسول الله، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ المصطفى أنه قتل فقال: "لا نبرح حتى نناجز القوم" ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فبايعهم على الموت، ثم بان أن قتل عثمان باطل، ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو فلما رءاه مقبلاً قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا" فتكلم فأطال وتراجعا ثم جرى الصلح على أن يرجع عنهم عامهم، فوثب عمر رضي الله عنه حتى أتى أبا بكر رضي الله عنه فقال: أليس برسول الله؟
قال: بلى قال: ألسنا بالمسلمين وهم بالمشركين؟ قال: بلى قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا قال: يا عمر الزم [غرزه] فأنا أشهد أنه رسول الله قال: وأنا، ثم أتى رسول الله وقال له ذلك فقال: "أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره" ثم دعا عليًّا فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل: لا أعرف الرحمن اكتب باسمك اللهم فقال المصطفى: "اكتب" فكتبها ثم قال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" قال: لو شهدنا أنك رسول الله لم نقاتلك اكتب اسمك واسم أبيك قال: "اكتب هذا [ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو]"، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردوه عليه،
ومن أحب أن يدخل في عهد [محمد دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد] قريش دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد، وبنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وإن ترجع عنا عامك فإذا كان عام قابل خرجنا فدخلتها بصحبك فأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها، وقد كان الصحابة خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رءاها المصطفى فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع دخلهم أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، فقام المصطفى إلى هديه فنحره ثم حلق رأسه وأهدى عامئذٍ في هداياه جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة ليغيظ المشركين، فلما رءاه الناس نحر وحلق فعلوا كذلك فكان صلح الحديبية فتحًا قريبًا أمن الناس بعضهم بعضًا والتقوا وتفاوضوا الحديث فدخل الإسلام في تلك السنتين مِثلُ ما كان فيه قبل أو أكثر، بدليل أنه خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بعامين في عشرة ءالاف ونزل في شأن ذلك سورة الفتح بين الحرمين، والقصة فيها طولٌ، وفي هذا القدر كفاية.
الثانية والعشرون غزوة خيبر (37): لما قدم من الحديبية مكث بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم سنة سبع، ثم خرج فيه إلى خيبر غازيًا وهي بلد بينها وبين المدينة ثلاثة أيام، ذات حصون أعظمها يسمى القموص وهو الذي فتحه علي وخلع بابه فدفع اللواء إلى علي وسار حتى نزل بساحتهم ليلاً فلم يصح لهم تلك الليلة ديك، وكان إذا غزا قومًا لم يغز عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فبات فلم يسمع أذانًا فركب فخرج عمال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والخميس، سمي الجيش خميسًا لأنه خمسة أقسام:
ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب، ثم أدبروا هرابًا فقال المصطفى: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وفرّق الرايات ولم تكن [إلا] يومئذ وإنما كانت الألوية وكانت رايته سوداء من برد لعائشة، وتحصنوا في الحصون فدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتحها حصنًا حصنًا فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه منه صخرة، ثم القموص حصن بن أبي الحقيق وأصاب منهم سبايا منهم صفية بنت حيي بن أخطب فاصطفاها لنفسه وكان بلال هو الذي جاء بها وبأخرى معها، فمر بهما على القتلى فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها فقالت لبلال:
أنزعت منك الرحمة حين تمر بهما على قتلى رجالهما، وكانت صفية رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع أن قمرًا وقع في حجرها فذكرته لزوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمد ولطمها، وعرّس المصطفى بها في الطريق في قبة فبات أبو أيوب الأنصاري متوشحًا السيف يحرسه فلما أصبح وراء المصطفى فقال: "ما لك؟" قال: خفت عليك من امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها وهي حديثة عهد بكفر، وأتي بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز ليهود بني النضير فسأله فجحده فقال للزبير بن العوام: عذبه وكان يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله لمحمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود، وفشت السبايا من خيبر في المسلمين فنهاهم عن أكل الحمر الأهلية وعن إتيان الحبالى وقال: "لا يحل لامرءٍ يؤمن بالله أن يسقي ماءه زرع غيره".
ثم انتهى إلى حصنهم الوطيح والسلالم وكانا ءاخر الحصون افتتاحًا فحاصرهم بضع عشرة ليلة وخرج مرحب من حصنهم قد جمع سلاحه ونادى: من يبارز، ويرتجز:
قد عَلِمَت خيبر أني مرحب *** شاكي السلاح بطلٌ مجرّب
أطعن أحيانًا وحينًا أضرب *** إذا الليوث أقبلت تلهب
فقال المصطفى: "من لهذا؟"، قال محمد بن مسلمة: أنا، قال: "قم إليه اللهم أعنه عليه" فبرز كل منهما لصاحبه فحمل مرحب على محمد فاتقاه بدرقته فرفع سيفه فيها وضربه محمد فقتله، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وقال: من يبارز، فخرج إليه الزبير فقالت أمه: يقتل ابني يا رسول الله قال: "بل ابنك يقتله إن شاء الله" فقتله، ثم اشتد الحصار فقال المصطفى: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح على يديه ليس بفرار" فدعا عليًا وهو أرمد فتفل في عينيه ثم قال:
"خذ هذه الراية فامض حتى يفتح الله على يديك" فخرج يهرول حتى ركزها تحت الحصن فاطلع يهودي فقال: من أنت؟ قال: علي، قال: علوتم وما أنزل على موسى، فخرج إليه أهله فقاتلهم فضربه يهودي فطرح ترسه من يديه فتناول بابًا عند الحصن فتترس به فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، فاجتمع ثمانية نفر على أن يقلبوا ذلك الباب فما أمكنهم، ثم حاصر أهل الوطيح والسلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم ففعل، فسمع بذلك أهل فدك فسألوه في ذلم ففعل، فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوه أن يعاملهم في الأموال على النصف فصالحهم عليه على أنّا إذا شئنا إخراجكم أخرجناكم، فكانت خيبر فيئًا للمسلمين وانت فدك خالصة للمصطفى لأنهم [لم] يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.
فلما اطمأن أهدت له زينب امرأة سلام بن مسكم شاةً مصلية وسمتها فلاك منها قطعة ولم يسغها ومعه بشر بن البراء فلاك مضغة فأساغها، ثم قال المصطفى: "إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم" ثم دعا بها فاعترفت وقالت: قلت: إن كان مَلِكًا استرحنا منه وإن كان نبيًا فستخبره فتجاوز عنها، ومات بشر، واحتجم المصطفى يومئذ على كاهله ثم بقي بعدها ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه قال: "هذا اوان انقطاع أبهري من ذلك السم" فكانوا يرون أنه مات شهيدًا مع ما أكرمه الله من النبوة.
ولما فرغ من خيبر انصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي ثم رجع إلى المدينة
• الثالثة والعشرون غزوة القضية (38): وتسمى عمرة القضاء وعمرة الصلح وعمرة الأمن، وذكرت في الغزوات لتضمنها ذكر الصلح مع المسلمين، فخرج في ذي القعدة مستهل الشهر الذي صده فيه المشركون فهي سنة سبع ولم يتخلف ممن شهد الحديبية أحد، فلما سمع به أهل مكة نفرت أشرافهم إلى البوادي كراهة أن ينظروا إليه غيظًا وحنقًا ونفاسة، وتحدث قريش أن محمدًا وصحبه في جهد وشدة وصفوا عند دار الندوة لينظروا إليهم فاضطبع المصطفى بردائه وأخرج عضده اليمنى وقال: "رحم الله امرءًا أراهم اليوم من نفسه قوة"، ثم استلم الحجر ثم هرول حتى إذا واراه البيت منهم مشى حتى استلم الركن، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى في سائرها ودخل مكة وابن رواحة يرتجز بيد يديه:
خلوا بني الكفار عن سبيله *** خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمنٌ بقيله *** أعرف حق الله في قبوله
وكان بعث بين يديه جعفر بن أبي طالب يخطب ميمونة بنت الحارث الهلالية فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها منه، ثم قضى نسكه وأقام بمكة ثلاث ليال فلما أصبح الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وقالا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت من أرضنا فقال سعد بن عبادة: كذبتَ ليست بأرضك ولا أرض أبيك لا يخرج إلا راضيًا، قال المصطفى: "ويحك يا سعد لا تؤذ قومًا زارونا في رحالنا"، ثم قال: "وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعت لكم طعامًا" قالوا: لا حاجة لنا بطعامك اخرج عنا، فأذن بالرحيل وخلف أبا رافع على ميمونة حتى أتاه بها بسرف وقد لقيت ومن معها عناءً وأذى من سفهاء الكفار وصبيانهم، فبنى بها بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
ففتح مكةَ حُنينٌ وتلا *** غزاةُ طائفٍ تبوكٌ قاتَلا
منها بتِسْعٍ أحدٍ والخندقِ *** بدرٍ بني قريظة المُصطلق
خيبرَ والفتحِ حُنينٍ طائفِ *** وقد حكوا عن قولِ بعضِ السلفِ
بأنهُ قاتلَ في النَّضيرِ *** وغابةِ وادي القرى المشهورِ
الرابعة والعشرون فتح مكة (39): في رمضان سنة ثمان، وسبب ذلك نقض قريش بإعانتهم بني بكر الذين دخلوا في عقدهم وعهدهم على خزاعة الذين دخلوا في عهد المصطفى وعقده، فناصوهم سرًّا حتى قتلوا منهم رجالاً فجاء عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء إلى المدينة وأخبراه بمظاهرة قريش بني بكر عليهم وإجابتهم إلى مناصرتهم، ثم قدم أبو سفيان المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة فدخل على بنته أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبتِ بي عن هذا الفراش أم رغبتِ به عني؟
قالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجسٌ، فقال: لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج فلقي المصطفى فكلمه فلم يرد عليه، فكلم أباب بكر أن يكلم المصطفى فقال: ما أنا بفاعل، فكلم عمر فقال: أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الدّرة لجاهدتكم بها، فدخل على علي وعنده فاطمة وابنها حسن فقال: يا علي أنت أمسّ القوم بي رحمًا جئت في حاجة وذكرها قال: لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه، فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى ءاخر الدهر قالت:
ما بلغ ابني أن يجير، قال: يا أبا الحسن قد اشتد الأمر فانصحني قال: ما أعلم شيئًا يغني عنك لكنك سيد بني كنانة فقم فاجْرِ بين الناس ثم الحق بأرضك، فقام فقال: أيها الناس قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم مكة أخبرهم قالوا: فهل أجاز لك محمد؟ قال: لا، قالوا: فما يغني عنك ما قلت، قال: ما وجدت غير ذلك.
وأمر المصطفى الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر على عائشة وهي تحرك تصلح بعض الجهاز، قال: أين ترينه يريد؟ قالت: لا أدري، ثم أعلم الناس أنه قاصد مكة وأمرهم بالجد ثم قال: "اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش" ثم خرج في عشرة ءالاف وقيل: في اثني عشر حتى نزل بمر الظهران، وعميت أخباره على قريش فلا يأتيهم عنه خبر، وخرج في تلك الليلة أبو سفيان وحكيم بن حزام يتجسسان الأخبار وكان العباس لقي المصطفى بالطريق مهاجرًا بعياله من مكة إلى المدينة قال العباس:
فلما نزل مر الظهران قلت: واصباح قريش إن دخل مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاكهم إلى ءاخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء وخرج لعله يجد بعض الحطابة تأتي مكة فيخبرهم وإذا هو يسمع كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء خرجا وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط، فقال العباس: أبا حنظلة قال: يا أبا الفضل ما لك؟ قلت: هذا رسول الله واصباح قريش، فمال الحيلة، قلت: إن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب على عجز هذه البغلة لآتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنَهُ لك، فركب فجئت به كلما مرَّ بنار قالوا:
من هذا؟ فإذا رأوا البغلة قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر فلما رأى أبا سفيان قال: عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدواب الرجل، فدخلت عليه ودخل عمر فقال: هذا أبو سفيان اضرب عنقه، قلت: يا رسول الله إني أجرته، فقال: "اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به" فغدوت به فلما رءاه قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله"، قال:
لقد ظننت أنه لو كان مع الله إلهٌ غيره لقد أغنى شيئًا بعد، قال: "ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله" قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك أما هذه ففي نفسي منها شيء حتى الآن فقال له العباس: أسلم قبل أن يضرب عنقك فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إنه رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو ءامنٌ، ومن أغلق عليه بابه فهو ءامن، ومن دخل المسجد فهو ءامن" فذهب لينصرف فقال المصطفى: "يا عباس احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها" ففعل فمرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال:
يا عباس من هذه؟ فيقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هذه؟ فيقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل فمر المصطفى في كتيبته الخضراء فيها المهاجرين والأنصار [لا يُرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: من هؤلاء؟ قال: رسول الله في المهاجرين والأنصار]، قال: يا أبا الفضل قد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، قال: إنها النبوة، قال: فنعم إذًا الحق إلى قومك، فجاء فصرخ بأعلى صوته: هذا محمد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو ءامن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بلحيته وقالت:
[اقتلوا] الشيخ الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم، قال: لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، ولما انتهى المصطفى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرًا بشقة بردة حمراء وأنه ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه به من الفتح حتى إن عثنونه يكاد يمس واسط الرحل، فلما دخل مكة دحل المسجد فأتاه أبو بكر بأبيه يقوده فقال: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى ءاتيه" فقال: هو أحق أن يمشي إليك، فمسح صدره وقال له: "أسلم" فأسلم، ورأى كأن رأسه ثغامة فقال: "غيروا هذا بشيء".
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرّق جيشه من ذي طوى الزبير أن يدخل بمن معه من كدى، [وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كدى] فذكروا أن سعدًا قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فسمعها عمر وغيره فقالوا: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة فقال لعلي: "خذ الراية فادخل بها"، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وكان على المدينة فدخل من أسفل مكة فلقيه بنو بكر فقاتلوه فقتل منهم نحو عشرين وانهزموا، وارتفعت طائفة على الجبل وتبعهم المسلمون بالسيوف، ولما علا المصطفى بنفسه كذا نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين فقال:
"ألم أنه عن القتال"؟ فقال المهاجرون: نظن أن خالدًا قوتل وبُدئ بالقتال فلم يكن بُدٌّ من أن يقاتل مَن قاتله وما [كان] ليعصيك، وكان المصطفى عهد إلى امرئه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم لكنه أمر بقتل نفر سماهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن أبي سرح وكان أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، ففر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاع فغيبه حتى أتى به المصطفى فاستأمنه له فسكت طويلاً ثم قال: "نعم"، فلما انصرف قال لمن حوله: "لقد صمتُ ليقوم عليه أحدكم فيضرب عنقه؟" قالوا له:
هلا أومأت لنا قال: "إن النبي لا ينبغي أن يكون خائنة الأعين"، ومنهم عبد الله بن خطل كان مسلمًا فارتد فقال: "اقتلوه وإن تعلق بأستار الكعبة" فقتلوه، ومنهم الحويرث بن نفيل كان يؤذي المصطفى بمكة، ولما حمل العباس فاطمة وأم كلثوم ابنتي المصطفى من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض فقتله علي يوم الفتح، ولما أتاه خالد قال له: "قد نهيتك عن القتال؟" قال: هم بدأوا ووضعوا فينا السلاح وقد كففت يدي ما استطعت قال: "قضاء الله خير"، وفر صفوان بن أمية عامدًا للبحر وعكرمة بن أبي جهل عامدًا لليمن فقال عمير بن وهب:
يا نبي الله صفوان سيد قومه وقد خرج ليقذف نفسه في البحر فأمّنه فإنك أمّنت الأحمر والأسود قال: "أدرك ابن عمك فهو ءامن"، فأدركه قال: هذا أمان قد جئتك به قال: اغرب عني لا تكلمني، قال: أي صفوان ابن عمك عزه من عزك وشرفه من شرفك قال: أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذلك، فرجع معه إليه فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني قال: "صدق"، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين قال: "أربعة أشهر" وأقبلت زوجة عكرمة بن أبي جهل وهي مسلمة يومئذ فاستأمنته له فأمّنه فأقبل معها فأسلم، فوثب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحًا به، وأتته أم هانئ أخت علي وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين وفاطمة بنته تستره بثوبه، فلما اغتسل صلى ثماني ركعات من الضحى ثم قال: "مرحبًا وأهلاً بأم هانئ ما جاء بك؟" فقالت: نفر إلي رجلان من أحمائي فقال أخي لأقتلنهما فقال: "أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ".
(25) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/37]، السيرة النبوية [2/101-102]، الدرر [ص/167]، عيون الأثر [2/53]، الكامل [2/164].
(26) راجع تفصيل هذه الغزوة في طبقات ابن سعد [2/43]، السيرة النبوية [2/190]، تاريخ الطبري [2/83]، الدرر [ص/174]، عيون الأثر [2/70]، الكامل [2/173]، فتح الباري [7/329].
(27) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/46]، السيرة النبوية [2/203]، الدرر [ص/176]، عيون الأثر [2/76]، الكامل [2/174]، فتح الباري [7/416].
(28) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/45]، السيرة النبوية [2/209]، الدرر [ص/177]، عيون الأثر [2/79]، الكامل [2/175].
(29) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/47]، السيرة النبوية [2/213]، الدرر [ص/178]، عيون الأثر [2/81].
(30) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/50]، السيرة النبوية [2/214]، تاريخ ابن جرير [2/90]، الدرر [ص/179]، عيون الأثر [2/83]، الكامل [2/178]، فتح الباري [7/392].
(31) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/57]، السيرة النبوية [2/233]، تاريخ ابن جرير [2/98]، الدرر [ص/189]، عيون الأثر [2/100]، الكامل [2/185]، فتح الباري [7/407].
(32) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/60]، السيرة النبوية [2/279]، تاريخ ابن جرير [2/105]، الدرر [ص/197]، عيون الأثر [2/119]، الكامل [2/188].
(33) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/62]، السيرة النبوية [2/281]، تاريخ ابن جرير [2/105]، الدرر [ص/198]، عيون الأثر [2/120]، الكامل [188].
(34) صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير: باب غزوة ذي قرد وغيرها.
(35) راجع تفصيل هذه الغزوة في: السيرة النبوية [2/289]، تاريخ ابن جرير [2/109]، الدرر [ص/200]، عيون الأثر [2/128]، الكامل [2/192]، فتح الباري [7/428].
(36) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/72]، السيرة النبوية [2/308]، تاريخ ابن جرير [2/115]، الدرر [ص/204]، عيون الأثر [2/154]، الكامل [2/200]، فتح الباري [7/439].
(37) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/81]، والسيرة النبوية [2/328]، وتاريخ ابن جرير [2/135]، والدرر [ص/209]، عيون الأثر [2/172]، الكامل [2/216]، فتح الباري [7/463].
(38) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/92]، السيرة النبوية [2/370]، الدرر [ص/221]، عيون الأثر [2/191]، الكامل [2/227]، فتح الباري [7/499].
(39) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/102]، تاريخ ابن جرير [2/152]، الدرر [ص/224]، السيرة النبوية [2/389]، عيون الأثر [2/211]، الكامل [2/239]، فتح الباري [7/519] و[8/3].
