وعرضَ النبيُّ نفسهُ على *** قبيلةٍ قبيلةٍ ليَحصلا
إيواؤه مِنْ بعضهم يبلّغ *** رسالةَ الله فكلٌّ يَنْزَغُ
إليهمُ الشيطانُ حتى يُعرِضوا *** عَنْ قولهِ ويَهزءوا ويَرفضوا
حتى أتاحَ الله للأنصار *** فاستبقوا للخير باختيارِ
فيُسْلِمُ الواحدُ منهم يُسلمُ *** بهِ جميعُ أهلهِ فرُحِموا
لَقِيَ ستًا أو ثمانيًا لدى *** عَقبةٍ دعاهم إلى الهُدى
فآمنوا بالله ثمّ رجعوا *** لقومهم يدعونَهُم فَسمعوا
حتى فشا الإسلامُ ثمَّ قَدِما *** في قابلٍ منهم وممَّن أسلما
لبيعةٍ ضِعفُ الذينَ أسلفوا *** كبيعةِ النساءِ ثم انصرفوا
ثمّ أتى مِنْ قابلٍ سبعونا *** ونيفٌ فبايعوا يُخْفونا
بيعتهم ليلاً ونِعْمَ البيعةُ *** جزاءُ مَن بايَعَ فيها الجنةُ
ألم يأت قومي أن لله دعوة *** يفوز بها أهل السعادة والبر
إذا بعث المبعوث من ءال غالب *** بمكة فيما بين زمزم والحجر
هنالك فابغوا نصرة ببلادكم *** بني عامر إن السعادة في النصر
فإن يسلم السعدان يصبح محمدُ *** بمكة لا يخشى خلافَ المخالف
أيا سعدُ سعدَ الأوس كن أنت ناصرا ** ويا سعدُ سعدَ الخزرجين الغطارفِ
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ** على الله في الفردوس مُنيةَ عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ** جنانٌ من الفردوس ذاتُ رفارِفِ
باب ذكر الهجرة من مكة إلى المدينة المشرفة
وإذْ فشا الإسلامُ بالمدينةِ *** هاجرَ مَنْ يحفظُ فيها دينَهْ
وعَزمَ الصديقُ أن يُهاجرا *** فردّهُ النبيُّ حتى هاجرا
معًا إليها فترافقا إلى *** غارٍ بثورٍ بعدُ ثمَّ ارتحلا
ومعهُما عامر مولى الصدّيق *** وابنُ أرَيْقِطِ دليلٌ للطريق
فأخذوا نحوَ طريق الساحل *** والحقُّ للعدو خيرُ شاغلِ
تَبِعهم سُراقةُ بن مالك *** يريدُ فَتْكًا وهوَ غيرُ فاتِكِ
لمَّا دعا عليهِ ساخَتِ الفرس *** ناداهُ بالأمانِ إذْ عنهُ خَنَسْ
أبا حكمٍ لو كنت والله شاهدًا *** لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدًا *** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإنني *** أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
بأمرٍ يود الناس فيه بأسرهم *** بأن جميع الناس طرًّا تسالمه
باب ذكر مروره صلى الله عليه وسلم بأم معبد
مروا على خيمةِ أم معبد *** وهيَ على طريقهم بمرصدِ
وعندها شاةٌ أضرَّ الجَهْدُ *** بها وما بها قوًى تشتدُّ
فمسحَ النبيُّ منها الضرعا *** فحلبتْ ما قد كفاهم وُسعَا
وحلبتْ بعدُ إناءً ءاخرا *** تركَ ذاكَ عندها وسافرا
جزى الله ربُّ الناس خيرَ جزائه *** رفيقين حلا خيمتَي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به *** فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فما حملت من ناقة فوق رَحْلها *** أبرّ وأوفى ذمة من محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم *** به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم *** ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها *** فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت *** له بضريع ضرة الشاة مزبد
باب ذكر وصوله –أي رسول الله- إلى قُبا
حتى إذا أتى إلى قُباءِ *** نزلها بالسَّعدِ والهناءِ
في يوم الاثنين لثنتي عشرهْ *** من شهر مولدٍ فنِعمَ الهجرة
أقامَ أربعًا لديهم وطلعْ *** في يوم جمعةٍ فصلى وجَمَعْ
في مسجدِ الجُمعةِ وهْيَ أولُ *** ما جمَّعَ النبيُّ فيما نقلوا
وقيلَ بلْ أقامَ أربعْ عشرهْ *** فيهم وهُمْ ينتحلون ذكرهْ
وهو الذي أخرجه الشيخانِ *** لكن ما مرّ منَ الإتيانِ
بمسجدِ الجمعةِ يومَ جمعةِ *** لا يستقيمُ معَ هذي المُدّةِ
إلا على القول بكون القَدْمةِ *** إلى قُبا كانتْ بيومِ الجمعةِ
بنى بها مسجدهُ وارْتحلا *** لطيبةَ الفيحاءِ طابتْ نُزُلا
أقبل البدر علينا *** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
فبركت ناقتهُ المأمورهْ *** بموضعِ المسجدِ في الظهيرهْ
فحلَّ في دارِ أبي أيوبا *** حتى ابْتَنى مسجدهُ الرَّحيبا
وحولهُ منازلا لأهلهِ *** وحولهُ أصحابهُ في ظِلّهِ
نحن جوارٍ من بني النجار *** يا حبذا محمدٌ من جار
لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا عمل مضلل
طابَتْ بهِ طيبةُ من بعْدِ الرَّدى *** أشرقَ ما قدْ كانَ منها أسْودا
كانتْ لَمِنْ أوْبأِ أرضِ الله *** فزالَ داؤُها بهذا الجاهِ
ونقلَ الله بفضلِ رحْمةِ *** ما كانَ منْ حمَّى بها للجُحْفةِ
وليسَ دجالٌ ولا طاعونُ *** يدخُلها فحِرْزُها حصينُ
أقامَ شهرًا ثمَّ بعدُ نزَلَتْ *** عليهِ إتمامُ الصلاةِ أُكمِلتْ
أقامَ مِنْ شهرِ ربيعٍ لصفرْ *** يُبْنى لهُ مسجدُهُ والمُسْتقرْ
ووادَعَ اليهودَ في كتابهِ *** ما بينهم وبينَ ما أصحابِهِ
وكانَ أمرُ البدءِ بالأذانِ *** رؤيا ابنِ زيدٍ أو لعامٍ ثانِ
وفيهِ فرضُ الصَّومِ والزكاةِ *** للفِطرِ والعيدينِ بالصلاةِ
بخُطبتَيْنِ بعدُ والأضحيةُ *** كذا زكاة مالِهِمْ والقِبْلةُ
للمَسجدِ الحرامِ والبِناءُ *** بعائشٍ كذلكَ الزهراءُ
وبدرٌ الكُبرى وفي الثالثةِ *** دخولهُ بحَفصةَ القانتَةِ
والزَّيْنَبينِ وبنى ابنُ عفَّانْ *** بأمّ كلثومٍ وفيهِ الجَمْعانْ
إلتقيَا بأحُدٍ والرابعةْ *** بئرُ مَعونةٍ بتلكَ الفاجعهْ
وغزوةُ بني النَّضيرِ وجَلَوا *** ذاتُ الرِّقاعَ بعدَها كما حَكَوْا
وقائلٌ فيها الصلاةُ قُصِرَتْ *** والخَمرُ حُرِّمَتْ أو في التي خَلَتْ
وقيلَ فيها ءايةُ التَّيَمُّمِ *** كذا صلاةُ الخَوْفِ معْ خُلْفٍ نُمي
وقيلَ في الخَمسِ وفيهِ نَزَلَتْ *** ءايُ الحجابِ والخُسوفُ صُلِّيَتْ
لِقَمَرٍ وفيهِ غزوُ الخَنْدَقِ *** معَ قُريْظة معَ المُصْطَلِقِ
على الصحيحِ وبها جُويريهْ *** بنى بها والإفكُ أوْ في الآتيهْ
في السّتِّ كانتْ عُمرةُ الحُدَيْبِيَهْ *** وبيعةُ الرّضوانِ تلكَ الزاكيهْ
وفيهِ فرْضُ الحجّ أو ما خلت *** أو في الثمان أو ففي التاسعة
خُلْفٌ وقيلَ كان قبلَ الهجرةِ *** وجوبُهُ حَكاهُ في النهايةِ
وفيهِ قد سابَقَ بين الخيلِ *** وءايةُ الظّهارِ في ابن خَوْلي
في السبعِ خيبرٌ وعُمرةُ القضا *** وقَدِمَتْ أمَّ حبيبةَ الرضا
بنى بها وبعدها ميمونهْ *** كذاكَ فيها قبلها صفيهْ
وفيهِ مَنعُ الحُمُرِ الأهلية *** ومتعةِ النساءِ ثمَّ حَلَّتِ
يومَ حنينٍ ثم قدْ حرَّمها *** مؤبدًا ليسَ لذلكَ انْتِها
وفي الثمان وقعةٌ بمُؤتةِ *** والفتحُ معْ حُنينِ في ذي السنةِ
وأخْذُ جِزيةِ مَجوسِ هَجرا *** واتَّخذَ النبيُّ فيهِ المنبرا
في التسعِ غزوةُ تبوكَ بعدَ أنْ *** صلَّى على أصحمَ غائبًا فسَنْ
وفيهِ قدْ ءالى منَ النسوانِ *** شهرًا وفيهِ قصةُ اللِّعانِ
وحجَّةُ الصديقِ ثم أَرْسلا *** له عليًا بعدهُ على الوِلا
أن لا يَحُجَّ مُشركٌ بعدُ ولا *** يطوفُ عُريانٌ كفعل الجُهلا
وسُميت بسنة الوُفودِ *** لكثرةِ القادِمِ منْ وفودِ
في العشرِ كانتْ حجةُ الوداعِ *** لا يحْصُرُ الوافونَ باطلاعِ
فقيلَ كانوا أربعينَ ألفا *** أو ضعفها وزِدْ عليه ضِعفا
وارتدَّ فيها وادَّعى النبوهْ *** الأسودُ العَنْسيُّ حينَ موَّهْ
لبعضِ قومِهِ بسَجْعٍ صَنَعهْ *** فقُتشلَ الشقيُّ معْ مَنْ تَبِعهْ
فيما يليها وهْيَ إحدى عشرهْ *** قضى نبيُّ الله فيها عمرهْ
عاشَ ثلاثًا بعدَ ستينَ على *** أصحها والخُلفُ في هذا خلا
باب ذكر صفته صلى الله عليه وسلم أي أوصافه الطاهرة
وربعةً كانَ منَ الرجالِ *** لا مِنْ قِصارهم ولا الطِّوالِ
بعيدَ بينَ المَنْكِبين شعرُهُ *** يبلغُ شحمةً للأذنِ يُوفرُهُ
مرةً أخرى فيكونُ وفْرُهُ *** يضربُ منْكبيهِ يعلو ظهرَهْ
يحلِقُ رأسهُ لأجلِ النُّسُكِ *** وربما قصَّرهُ في نُسُكِ
وقد روَوا لا توضعُ النَّواصي *** إلا لأجلِ النُّسُكِ المحَّاصِ
أبيضُ قدْ أُشرِبَ حُمرةً علَتْ *** وفي الصحيحِ أزهرُ اللونِ ثَبَتْ
وفي الصحيحِ أشْكَلُ العَيْنَيْنِ *** أي حُمرةٌ لدى بياضِ العَيْنِ
ولِعَليّ أدْعجٌ وفُسِّرا *** بِشِدّةِ السَّوادِ في العينِ يُرى
وفي الصحيحِ أنه رجْل الشّعرْ *** لا سَبِطٌ ولا بجعْدٍ الخبَرْ
وعن عليّ سَبِطٌ لم يثبُتِ *** إسنادُهُ وكانَ كثَّ اللحيةِ
وأشعرَ الصَّدْرِ دقيقَ المَسْرُبَهْ *** مِن سُرَّةٍ حتى يُحاذي لَبَّتهْ
وكان شَثْنًا كفُّهُ والقدمُ *** وهو الغليظُ قوةً يَسْتلزمْ
إذا مشى كأنَّما يَنْحَطُّ *** من صَبَبٍ مِنْ صُعُدٍ يَحُطُّ
إذا مشى كأنما تَقَلَّعا *** مِنْ صَخْرٍ اي قويَّ مَشْيٍ مُسْرعا
يُقْبِلُ كُلُّهُ إذا ما التَفتا *** وليسَ يَلْوي عُنُقًا تَلَفُّتَا
كأنَّما عرقُهُ كاللؤلؤ *** أي في البَياضِ والصَّفا إذا رُئي
تجمعُهُ أمُّ سليمٍ تجعلهْ *** في طيبِها فهْوَ لعمري أفضلُهْ
يقولُ مَنْ يَنعتُهُ ما قَبلَهُ *** أو بعدهُ رأيتُ قطُّ مثلهُ
