أقداحُهُ الرَّيَّانُ والمُغيثُ *** وءاخرٌ مُضَبَّبٌ يَغيثُ

بهِ إذا ما مَسَّهُم مِنْ حاجِ *** وقدحٌ ءاخرُ مِن زُجاجِ

وقدح تحتَ السريرِ عَيدانْ *** يقضي بهِ حاجتهُ في الأحيانْ

كان له اقداح كثيرة قدح يسمى الريان [بفتح الراء وشدة المثناة التحتية]، وءاخر يسمى المغيث [بضم الميم ومعجمة]، وءاخر مضبب بعضه [يقدر أكثر من نصف المد أو أقل من المد، وفيه ثلاث ضبات من فضة وحلقة يعلق بها] يغيثهم به إذا ما مستهم حاجة فيشربون فيه فيشفون رواه الطبراني (1)، وقدح ءاخر من زجاج، وكان له قدح من عيدان [بفتح أوله وسكون ثانيه اشتهر نقله قاضي القضاة السعدي الحنبلي وكان يُجعلُ] تحت سريره يقضي به حاجته ويبول فيه بالليل في الأحيان الباردة.

مَرْكِنُهُ منْ شبهٍ وتَوْرَه *** حجارةٌ مَنْ نالَهُ يَميرُهْ

رَكوتهُ كانت تُسمى الصَّادرهْ *** قصعتُهُ الغرَّاء ليست قاصرهْ

كانَ له صاعٌ لأجلِ الفِطرةِ *** وقعْبُهُ كانَ اسمهُ بالسَّعةِ

وكان مركنه أي مخضبه من شَبَهِ وهو ضرب من النحاس تكون فيه الحناء، وكان له تور من حجارة يتوضأ فيه [والتَّوْرُ بمثناة فوقية إناء كبير يتطهر منه من ناله يميره]، وكانت ركوته تسمى الصادرة [سميت به لأنه يصدر عنها بالرحى]، وكانت قصعته تسمى الغراء ليست قاصرة أي ليست قليلة السعة بل كانت كبيرة جدًا [بحيث لا يحملها إلا أربعة رجال كما رواه أحمد وغيره (2) إذا ما مسهم بزيادة ما]، وكان له صاع لأجل إخراج زكاة الفطر به، وكانت له قعبة من صفر موسومة بالسعة.

كنتْ له ربعَةٌ اي مُرَبَّعَهْ *** كجُونَةٍ يُجعلُ فيها أمْتِعَهْ

سِواكهُ ومِشْطُهُ والمُكْحُلَهْ *** كذلكَ المِرءاةُ والمِقراضُ لهْ

كان له ربعة مربعة اسكندرانية أهداها له المقوقس [مع مارية أم إبراهيم]، وكانت كالجونة [بضم الجيم ما يجعل فيه الطيب، وكان] يجعل فيها أمتعته أي سواكه ومشطه وكان من عاج وقيل من ذبل (3)، ومكحلته [التي كان يكتحل منها عند النوم]، ومرءاته [قال السهيلي: واسمها المدله كان ينظر فيها]، ومقراضه [يسمى الجامع كما رواه الطبراني] وكانت هذه الأشياء لا يفارقها في السفر.

كانَ لهُ سريرٌ اهداهُ لهُ *** أسعدُ وهْوَ ساجٌ استعملهُ

مُوَشَّحٌ بالليفِ ثم وُضعا *** عليهِ لمَّا ماتَ ثم رُفِعا

عليهِ أيضًا بعدَهُ الصّديقُ *** كذاك أيضًا عُمرُ الفاروقُ

وكان له سرير ينام عليه أهداه له أسعد بن زرارة وهو من ساج أي قوائمه منه [كما روى البلاذري عن عائشة قالت: كانت قريش بمكة وليس شيء أحب إلينا من السرير ننام عليه، فلما قدم رسول الله المدينة ونزل منزل أبي أيوب قال: "أما لكم سرير"؟ قالوا: لا، فبلغ أسعد بن زرارة فبعث له سريرًا له عمود وقوائمه ساج، وكان ينام عليه حتى تحول إلى منزلي وكان فيه، فوهبه لي وكان ينام عليه حتى توفي صلى الله عليه وسلم وهو فوقه، وطلبه الناس منا يحملون عليه موتاهم، فحمل عليه أبو بكر وعمر والناس طلبًا لبركته]، وقوله:

"استعمله" أي استعمله له أسعد وهو موشح بالليف [اشترى ألواحه عبد الله بن إسحاق مولى معاوية بأربعة ءالاف درهم، ذكره حماد، وأنه بيع في ميراث عائشة]، ثم وضع عليه لما مات، ثم وضع عليه بعده الصديق، ثم الفاروق، ثم كان الناس يحملون عليه موتاهم تبركًا به، وقوله: "ثم وضعا" و"رفعا" بألف الإطلاق.

باب ذكر الوفود إليه صلى الله عليه وسلم

الوفود جمع وفد وهم الجماعة المختارة من القوم يتقدمونهم للقاء العظماء.

أولُ وفدٍ وفدوا المدينهْ *** سنةَ خمسٍ وافِدوا مُزَينهْ

وهكذا سعدُ بنُ بكرٍ في رجبْ *** وعامَ سبعةٍ جُذامٌ وعَقبْ

الأشعريونَ ودَوسُ القومُ *** وفي الثمانِ ألفتْ سُليمُ

ثعلبةٌ ثُمالةٌ والحدانْ *** فيها وفي التاسعِ وفدُ همذانْ

كذا بنو الدارِ وفيهِ في صفرْ *** عذرةُ بعدها بَلي وحِمْيَرْ

أول وفد وفدوا المدينة على المصطفى وفد مزينة في رجب سنة خمس وكانوا أربعمائة فأسلموا، وكذا وفد سعد بن بكر في رجب منها، وفي سنة سبع وفد جذام قدم رفاعة بن زيد الجذامي في جماعة، وأعقبه الأشعريون [وهم خمسون رجلاً منهم أبو موسى الأشعري فوجدوه في خيبر فبايعوه وأسلموا]، ودوس [القوم قدم عليه منهم أربعمائة، وقوله: "القوم" حشو كمل به الوزن]، وفي سنة ثمان [ألفت سليم بضم وفتح أي ألفت الإسلام]. وثعلبة لما قدم من الجعرانة قدم عليه أربعة منهم وقالوا: نحن رسل من خلفنا نحن وهم مقرّون بالإسلام] وثمالة [بمثلثة مضمومة فميم فألف] والحدان [بحاء مهملة مفتوحة فدال مهملة، وقوله:

"فيها" أي في عام ثمان قدم عبد الله بن علس الثمالي]، وفي عام تسع قدم وفد همدان بفتح فسكون فدعوا وأسلموا وبنو عبد الدار وهم عشرة، وفيه في صفر قدم وفد عذرة اثنا عشر رجلاً منهم حمزة بن النعمان وبشرهم المصطفى بفتح الشام، وفيع قدم وفد بَلي بفتح الموحدة التحتية وكسر اللام فأنزلهم رويفع بن ثابت عنده وقدم بهم المصطفى وقال: "هؤلاء قومي" فقال: "مرحبًا بك وبقومك" فأسلموا، وفيه قدم وفد حميَر.

وبعدُ في العاشرِ وفدُ خَولانْ *** وكِندةٍ وغامدٍ وغسَّانْ

وفدُ الرُّهاويينَ وفدُ نجرانْ *** وفدُ صُدَا والأزْدِ معْ سلامانْ

بَجيلةٍ وحضرموتُ النَّخَعُ *** والحارثِ بنِ كعبٍ أيضًا أجْمعُ

وقدم بعدَ بالضم أي بعد ذلك في شعبان في العام العاشر قدم وفد خولان بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وهم عشرة نفر، ووفد كندة [قدم الأشعث بن قيس الكندي] في بضعة عشر راكبًا [وقيل: في ثمانين وقيل: في ستين]، ووفد غامدٍ بغير معجمة حي من عرب اليمن عشرة أنفس [في رمضان سنة عشر]، ووفد غسام [بفتح المعجمة وشدة المهملة، قدم] ثلاثة نفر [منهم في رمضان عام عشر المدينة] فأسلموا، ووفد الرهاويين بضم الراء حي من مذحج خمسة عشر، ووفد من نصارى نجران أربعة عشر من أشرافهم، ووفد صدا بضم الصاد المهملة وفتح الدال مقثورًا للوزن، قدم زياد بن الحارث الصدائي ومعه خمسة عشر منهم، ووفد الأزد ويقال:

الأسد [قدم صرد بن عبد الله في خمسة عشر منهم]، ووفد سلامان بفتح السين المهملة وخفة اللام من قضاعة [قدم منهم حبيب بن عمرو في سبعة أنفس فأسلموا]، ووفد بجيلة بفتح الباء وبينهم جرير بن عبد الله ومعه خمسون ومائة، ووفد حضرموت بفتح الحاء والراء والميم قدموا مع وفد كندة، ووفد النخع أرسلوا رجلين بإسلامهم، ووفد الحارث بن كعب.

وفيهما مُرَّةُ عبسٌ أسدُ *** وفدُ تميمٍ فيهمُ عُطاردُ

باهلةٌ وجعدةٌ فزارةُ *** عقيلُ عبدٌ أشجعٌ كِنانةُ

لقيطُ بكرٌ وابنُ عمَّارٍ قُدَدْ *** ماتَ رُجوعًا وكِلابٌ ووفدْ

وفدُ ثقيفٍ معَ عبدِ القَيْسِ *** رُؤاسِ عامرٍ هلالٍ عَنْسِ

وقوله: "وفيهما" أي يحتمل عود الضمير على سنة عشر وإحدى عشرة أي في السنتين إما هذه أو هذه، قدم وفد مرة ثلاثة عشر رجلاً رأسهم الحارث بن عوف [منصرفه من تبوك]، ووفد عبس بباء موحدة تسعة نفر [وكانوا من المهاجرين الأولين]، ووفد أسد [قدم منهم حضرمي بن عامر في] عشرةة أنفس وقيل: في ثلاثين، ووفد تميم ثمانون أن تسعون وفيهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر والأقرع بن حابس وقيس بن عاصم، ووفد باهلة [بموحدة وهاء مكسورة فلام مفتوحة] قدم منهم مطرف بن كاهن الباهلي بعد الفتح فأسلم، ووفد جعدة وهو الرقاد بن عمرو بن زمعة بن جعدة، ووفد فزارة بفتح الفاء قدم عليه منهم لما رجع من تبوك بضعة عشرة رجلاً، ووفد عقيل بفتح العين المهملة وكسر القاف ابن كعب،

ووفد بني عبد بتنوين ابن عدي، ووفد أشجع بهمزة فشين معجمة فجيم قدموا عام الخندق وهم مائة وقيل: سبعمائة، ووفد كنانة ووفد عليه واثلة بن الأسقع [فأسلم وبايع ورجع إلى أهله]، ووفد لقيط بن عامر، ووفد بكر بن وائل، ووفد قُدد بن عمار بضم القاف وفتح الدال الأولى [وسكون الثانية فأسلم وعاهد على أن يأتي بألف من قومه، فخرج معه تسعمائة وخلف في الحي مائة فأقبل بهم يريد المصطفى فنزل به الموت فلهذا قال الناظم: "مات رجوعًا" أي مات في رجوعه إلى النبي أي في ذهابه إليه فلم يصل إليه، ووفد بني كلاب بثلاثة عشر رجلاً [منهم لبيد بن ربيعة]، ووفد ثقيف [قدم عليه في رمضان منصرفه من تبوك] في سبعين رجلاً وقيل:

بضعة عشر رأسهم ياليل، [ومع وفد ربيعة] وفد عبد القيس [بفتح القاف ابن أفصى بفتح الهمزة وبفاء وصاد ابن دعمى بم جذيلة، قيل: قدموا مرتين وكانوا أربعين أو أربعة عشر أو ثلاثة عشر]، ووفد رؤاس [بضم الراء وفتح الهمزة من كلاب قدم منهم عمرو بن مالك فأسلم]، ووفد عامر بن صعصعة، ووفد هلال بن عامر، ووفد عنس بسكون النون فأسلموا.

قَشيرُ تغلبُ وبعضٌ مُسلمُ *** أمَّا النصارى منهم فألزموا

أنْ يمنعوا أولادهم من صِبغَةِ *** في دينهم وفي بني حنيفةِ

ومن وفودِ اليمنِ اليمانِ *** وفدُ تُجِيب طيءٍ جَيشانِ

كلبٌ خُشَيْنٌ ومرادٌ والصَّدِفْ *** وخثعمٌ سعدُ العشيرةِ ردَفْ

أزدٌ عثمانٌ وزُبيدٌ اسلمُ *** وبارقٌ وابنُ حميدٍ سالمُ

سعدُ هُذيمٍ جَرْمُ يهْرا مهرةُ *** ووفدُ جُعفِيّ كذا جُهينةُ

سنة إحدى عشرةٍ جاءَ النخعْ *** في مئتينِ بعدَ مَن قبلُ نَجَعْ

وفدُ السباعِ والذئابِ ذُكرا *** في غابةٍ وغيرها واستُنكرا

وفيه بشير بن عمر وربيعة بن عامر بن صعصعة ثم وفد قشير بن كعب، ووفد تغلب [بفتح المثناة فوق وسكون الغين وكسر اللام] ستة عشر رجلاً بعضهم مسلمين وبعضهم نصارى أما النصارى منهم فالتزموا أن يمنعوا أولادهم الصغار من صبغة النصرانية في دينهم [والصبغة بكسر المهملة وسكون الموحدة]، ووفد بني حنيفة [بن لجيم بن صعب قدم في] بضعة عشر رجلاً.

ومن جملة وفود اليمن اليمان بن جابر والد حذيفة، ووفد تُجيب بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم ثلاثة عشر رجلاً في سنة تسع، ووفد طيء بتشديد الياء بعدها همزة خمسة عشر رجلاً، ووفد جَيشان بفتح الجيم [وسكون المثناة تحت قدم أبو وهب الجيشاني في نفير]، ووفد كلب [منهم عبد عمرو بن جبلة فعرض عليهم الإسلام فأسلموا]، ووفد خُشين بخاء وشين معجمتين مضغرًا، ووفد مراد منهم فروة المرادي، ووفد الصدف بفتح الصاد وكسر الدال المهملتين وفاء بضعة عشر رجلاً، ووفد خثعم قدم منهم رجال، ووفد سعد العشيرة ردف لهم، ووفد أزد عُمان بضم العيم المهملة فميم مخففة، ووفد زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة عشرة أو أكثر، ووفد أٍلم، ووفد بارق بموحدة وراء وقاف قدموا فأسلموا وبايعوه،

ووفد ابن حميد واسمه سالم وهو من بني مرة، ووفد سعد هذيم بإضافة سعد إلى هُذَيم بضم الهاء وفتح الذال المعجمة ومثناة مصغرًا كان عبدًا أسود، ووفد جرم بفتح الجيم وسكون الراء، ووفد بهراء بفتح الموحدة وسكون الهاء والمد قدموا من اليمن ثلاثة عشر رجلاً، ووفد مهرة بفتح الميم وسكون الهاء، ووفد جُعفي بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء وشدة الياء، ووفد جهينة.

وقول الناظم: "سنة إحدى عشرة" أي وفي نصف محرم سنة إحدى عشرة بالتنوين للوزن جاء وفد النخع [من اليمن مرة ثانية وهو أول وفد قدموا عليه] في مائتي رجل فأسلموا، وقوله: "بعد" بالنصب، وقوله "من قبل" بالضم أي بعد الذي تقدم قبلهم، وقوله "نَجَع" بفتح النون والجيم أي نفع فيهم كلام النبي لما قدموا عليه، ثم وفد السباع جمع سبع الحيوان المفترس المعروف وفدت عليه وهو في غزوة الغابة وسألته أن يتعرض لها ما تأكله ذكره ابن سعد في الطبقات (1) بسنده عن عبد الله بن حنطب قال:

بينما النبي جالس بالمدينة فأقبل له سبعٌ فوقف بين يديه فعوى فقال: "هذا وافد السباع إليكم فإن أحببتم أن تعرضوا له شيئًا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحرزتم منه فما أخذ فهو رزقه" قالوا: ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه بأصابعه أن خالبتهم فولّى، ووفد الذئاب جمع ذئب، روى البيهقي (2) عن أبي هريرة جاء إلى النبي ذئب فأقعى غير بعيد ثم جعل يبصبص (3) بذنبه فقال النبي: "هذا وافد الذئاب إليكم يسألكم أن تجعلوا له شيئًا من أموالكم" قالوا: لا، كذا ذكر أن وفد السباع والذئاب وفدا في غزوة غابة وغيرها، وقد استنكر حديث وفدهما [جمع من العلماء فجزموا بأنه منكر].

[تنبيه: كان عليه أن يذكر وفد الجن فإنهم وفدوا عليه وفادة كوفادة الإنس فجاءوا فوجًا بعد فوج وقبيلة بعد قبيلة بمكة وبعد الهجرة كما أخرجه أبو نعيم وغيره (4)، ولهم معه وقائع كثيرة وأسئلة وأجوبة مذكورة في كتب شهيرة فإهمال ذلك تقصير].


(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير [24/205-206].

(2) لم نجده في مسند أحمد لكن أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الأكل من أعلى الصفحة، والبيهقي في دلائل النبوة [6/334].

(3) شيء كالعاج، وقيل عظام دابة بحرية يتخذ منها الأسورة والأمشاط.

(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته من طريق الواقدي [1/269].

(2) دلائل النبوة [6/40].

(3) قال الفيروزابادي في القاموس: "بصبص الكلب: حرك ذنبه" [ص/791].

(4) دلائل النبوة [ص/358-372].