فلما اطمأن الناس جاء البيت فطاف سبعًا على راحلته يستم الحجر بمحجنه، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح فدخلها ثم وقف على بابها فقال: "لا إله إلا الله صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرةٍ أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء الناس لآدم وءادم من تراب" ثم تلا: {يا أيُّها الناسُ إنَّا خَلقناكم مِنْ ذَكَرٍ وأنثى} [سورة الحجرات/13] الآية ثم قال:

"يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟" قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ثم جلس بالمسجد فقام علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال: اجمع لنا الحجابة مع السقاية فقال: "أين عثمان بن طلحة" فجاء فقال: "هذا مفتاحك اليوم يوم وفاءٍ وبرّ" وكان حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل" فما أشار لصنم إلا وقع لقفاه، ولما دخل الكعبة أمر بلالاً أن يؤذن وكان دخل معه، وأبو سفيان وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة وقال عتاب:

قد أكرم الله أسيدًا أن لا يكون سمع هذا، وقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق ما تبعته، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فخرج إليهم المصطفى فقال: "علمت ما قلتم" ثم ذكر لهم ذلك فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد، ثم قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون إذا فتح الله عليه بلده يقيم بها، فلما فرغ قال: "ما أنتم؟" قالوا: لا شيء فلم يزل حتى أخبروه، فقال: "معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم"، ثم أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة وكان فتحها صلحًا عند الشافعي وعنوة عند أبي حنيفة، وقيل: أعلاها كان صلحًا وأسفلها كان عنوة.

الخامسة والعشرون غزوة حنين (40): واد بقرب الطائف بينه وبين مكة ثلاث ليال أو غير ذلك، والأغلب عليه التذكير لأنه اسم ماء وربما أثنوه نظرًا إلى أنه اسم للبقعة، سمي بحنين بن قانية بن مهلايل. وسببها أنه لما سمعت هوزان بفتح مكة جمعها مالك بن عوف النصري واجتمع عليه مع هوزان ثقيف كلها واجتمعت مضر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وفي جشم دريد بن الصمه شيخ كبير لا شيء فيه إلا التيمن برأيه ومعرفته، وجماع الناس إلى مالك بن عوف، فلما أجمع السير إلى المصطفى حط مع الناس مالهم ونساءهم وأطفالهم، فلما نزلوا بأوطاس وفيهم دريد في شجار له تقاد به قال:

بأي واد أنتم، قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير، قالوا: ساق مالك مع الناس ذلك، فقال: اين مالك؟ فدعي له فقال: إنك أصبحت رئيس قومك وهذا يوم له ما بعده ما لي أسمع رغاء البعير إلخ، قال: اجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: وهل يرد المنهزم شيء إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه أو عليك، فضحت في أهلك ومالك يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوزان إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعلى قومهم ثم الصق الصبا على متون الخيل فإن كان ذلك لحق بك شيء من وراءك أو عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال:

لا أفعل إنك كبرت وخرفت لتطيعني يا معشر هوزان أو لأتكئَنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي فأطاعوه، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده يا ليتني فيها جذع، ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم احملوا حملة رجل واحد.

ثم لما أجمع المصطفى السير إليهم ذكر له أن عند صفوان أدراعًا وسلاحًا وهو يومئذ كافر فقال: "يا أبا أمية أعرنا سلاحك"، فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة" فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله المصطفى أن يكفيه حملها ففعل، ثم خرج عامدًا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة ءالاف من الذين فتح الله بهم، وذُكر أن المصطفى قال حين رأى كثرة من معه من جنود الله: "لن نغلب اليوم من قلة"، واستعمل المصطفى على مكة عتاب بن أسيد أميرًا على من تخلف من الناس، فلما خرج معه أهل مكة ركبانًا ومشاة حتى النساء على غير دين نظارًا يرجون الغنائم ولا يكرهون أن تكون الصدمة بالمصطفى وصحبه فاستقبلوا وادي حنين في عماية الصبح وكان القوم سبقوهم إليه فكمنوا في شعابه وأجنابه ومضايقه حتى تأهبوا فخرجوا عليه وقد شدوا شدة رجل واحد،

فائتمر المسلمون راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز المصطفى ذات اليمين ثم قال: "أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله ابن عبد المطلب" فانطلق الناس إلا أنه بقي مع المصطفى نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابن عمه أبو سفيان بن الحارث الذي أسلم قبيل دخول المصطفى للفتح والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة، فلما انهزم الناس ورأى من كان مع المصطفى من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلموا بما في أنفسهم من الطعن فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وإن الأزلام معه في كنانته، وقال بعضهم:

ألا بطل الشحر اليوم، فقال له صفوان وهو يومئذ كافر: اسكت فضَّ الله فاك فلأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحب إلي من أن يَرُبَّني رجل من هوزان، وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار وكان أبوه قتل يوم أحد: اليوم أدرك ثأري أقتل محمدًا قال: فأردت قتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك فعلمت أني ممنوع منه، فقال المصطفى وهو على بغلته البيضاء للعباس وهو ءاخذ بلجامها يسعى في ركابه وكان جسيمًا شديد الصوت: "اصرخ يا معشر الأنصار" فأجابوا لبيك لبيك، قال فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذه درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس،

فاقتتلوا فكانت الدعوى أول ما كانت "يا للأنصار" ثم خلصت أخرى "يا للخزرج" وكانوا صبرًا عند الحرب، فأشرف المصطفى في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: "الآن حميَ الوطيس" فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند المصطفى والتفت إلى أبي سفيان بن الحارث وكان ممن صبر معه يومئذ وهو ءاخذ بثغر بغلته فقال: "من هذا؟" قال: ابن عمك يا رسول الله وقبض قبضة من الحصا فحصب بها وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فهُزموا من كل ناحية وتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنموا نساءهم وذراريهم وشاءهم وإبلهم، وفر مالك بن عوف فدخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله رسولَهُ،

ورأى المصطفى أم سليم بنت ملحان وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل ومعها خنجر فقال المصطفى: "أم سليم" قالت: نعم [اقتل] هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما نقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل قال: "أو يكفي الله يا أم سليم" وقال لها زوجها: ما هذا الخنجر؟ قالت: إن دنا مني مشرك بعجته به، واستلب أبو طلحة وحده عشرين رجلاً.

ولما انهزمت هوزان استحر القتل في ثقيف فقتل منهم سبعون تحت رايتهم، وأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظنه امرأة فأناخ به فإذا شيخ كبير فقال دريد: ما تريد؟، قال: أقتلك، قال: من أنت؟ قال: ربيعة بن رفيع، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئًا، قال: بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أضرب الرقاب، فإذا أتيت أمك فأخبرها بأنك قتلت ابن الصمة قرب يوم قد منعت فيه نساءك، ثم بعث المصطفى في ءاثار من فرّ منهم أقوامًا. وأنزل الله في يوم حنين {لقدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مواطِنَ كثيرةٍ ويومَ حُنَينٍ} [سورة التوبة/25] الآيات، ثم جمعت سبايا حنين وأموالها فامر بحبسها في الجعرانة حتى ينصرف عن الطائف.

السادسة والعشرون غزوة الطائف (41): فلما فرّ ثقيف إلى الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال، فتوجه إليهم المصطفى في شوال سنة ثمان فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة وتراموا بالنبل وقالتلهم قتالاً شديدًا وقاتل فيها بنفسه ورماهم بالمنجنيق وقطع أعناقهم ولم يقدر منهم على شيء، وقال المصطفى لأبي بكر وهو محاصرهم: "رأيت أني أهديت إلي قصعة مملوءة ثريدًا فنقرها ديك فأهراق ما فيها" فقال: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد؟ فقال المصطفى: "وأنا لا أرى ذلك" فأذن بالرحيل واستشهد من الصحابة اثنا عشر رجلاً، ثم انصرف عن الطائف حتى نزل الجعرانة وفيها كان قدم سبي هوزان وأموالهم، وقال له رجل يوم ظعن عن ثقيف:

ادع عليهم، قال: "اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم"، ثم أتاه وفد هوزان بالجعرانة وقد أسلموا وكان معهم من سبيهم ستة ءالاف من الذراري والنساء ومن الإبل والشاء ما لا يدري ما عدته إلا الله تعالى، فقالوا: يا رسول الله إنا أهلٌ وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فآمنن عليك، وقال رجل من سعد بن بكر: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنّا منحنا للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه علينا وأنت خير المكفولين، فقال المصطفى:

"أحب الحديث إلي أصدقه، ومعي من ترون أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم" قالوا: خيَّرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليتُ الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نتشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك" ففعلوا فقال المصطفى: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فلكم" (42) فقال المهاجرون: ما لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار:

ما لنا فهو لرسول الله، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وفزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليمة فلا، فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العباس: وهنتموني، فقال المصطفى: "أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم" وسألهم المصطفى: "ما فعل عوف بن مالك"، قالوا: بالطائف، قال: "اخبروه أنه إن أتاني مسلمًا رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل" فأخبروه فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه ماله وأهله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم فحسن إسلامه، واستعمله على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفًا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم.

ولما رد السبايا إلى أهلها ركب واتبعه الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا حتى ألجئوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعمٌ لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جبانًا ولا كذوبًا" ثم قام فأخذ وبرة من سنام بعير فقال: "أيها الناس ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخُمس [والخمس] مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول على أهله عارٌ وشنار يوم القيامة"، ثم أعطى المؤلفة وكانوا أشرافًا يتألف بهم قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وصفوان بن أمية كل هؤلاء من أشراف قريش،

والأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف كل واحد مائة بعير، وأعطى رجالاً دون المائة، وأعطى العباس بن مرداس أباعر فسخطها وعاتبه بقصيدة فقال: "اقطعوا عني لسانه" فأعطوه حتى رضي، ويقال: أتي به إلى الغنائم فقيل له: خذ منها ما شئت فقال: إنما أراد رسول الله أن يقطع لساني بالعطاء بعد أن تكلمت فتكرم أن يأخذ منها شيئًا فبعث إليه المصطفى بحلةٍ فقبلها، وقيل له: أعطيتَ هيينة والأقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال: "أما والله لجعيل خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع لكني تألفتهما ليسلما ووكلته إلى إسلامه"، وجاءه ذو الخويصرة التميمي وهو يعطي الناس فقال: يا محمد قد رأيتُ ما صنعتَ لم أرك عدلتَ، فغضب وقال: "ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون"؟ فقال عمر: ألا أقتلنه؟ قال: "لا".

ولما أعطى قبائل العرب ولم يعط الأنصار شيئًا وجدوا في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة وحتى قال قائلهم: لقي والله قومه، فدخل سعد بن عبادة عليه فقال: إن الأنصار قد وجدوا عليك أعطيت عطايا عظامًا ولم تعطهم فقال: "أين أنت من ذلك؟" قال: ما أنا إلا من قومي، قال: "فاجمعهم لي" فجمعهم في حظيرة فأتاهم المصطفى فحمد الله ثم قال: "يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف بين قلوبكم؟" قالوا:

بلى، لله ولرسوله المنّ والفضل، ثم قال: "ألا تجيبوني؟" قالوا: بماذا نجيب؟ قال: "أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم أتيتنا مكذبًا فصدقناك ومخذولاً فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلاً فواسيناك، أوجدتم في أنفسكم في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم أما ترضون أن تذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده لو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الانصار"، فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم قالوا: رضينا بك قسمًا وحظًّا، ثم خرجوا فاعتمر ثم انصرف راجعًا إلى المدينة وخلف عتاب بن أسيد على مكة ورزقه في كل يوم درهمًا فقام خطيبًا فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمًا كل يوم فلا حاجة بي إلى أحد.

السابعة والعشرون غزوة تبوك (43): وتسمى العسرة والفاضحة، بينها وبين مكة أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة وهي ءاخر غزوة غزاها بنفسه، وسببها أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل فأمر أصحابه بالتأهب لغزوهم وكان ذلك في شدة من الحر وجدب من البلاد، وكان قلّما يخرج لغزوة إلا ورَّى عنها إلا هذه فإنه بيَّنها للناس لبعد المشقة وكثرة العدو وليتأهب الناس لذلك أهبته، فقال وهو في جهازه للجد بن قيس: "هل لك العام في جلاد بني الأصفر" فقال: يا رسول الله أولا تأذن لي ولا تفتني فلقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الاصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه وقال:

"أذنت لك" فنزلت: {ومنهُم من يقولُ ائذَن لي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتنةِ سَقطوا} [سورة التوبة/49] أي وإن كان إنما خاف الفتنة من النساء وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عنه، وقال بعض المنافقين لبعضهم: لا تنفروا في الحر، زهادةً في الجهاد وشكًّا في الحق وارهاجًا بالرسول فنزل فيهم: {وقالوا لا تنفِروا في الحر} [سورة التوبة/81] الآية.

ثم إنه جدَّ في سفره وحضَّ أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله فحمل رجالٌ من الأغنياء وأنفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فلما خرج شرب عسكره على ثنية الوداع وضرب عبد الله بن أبيّ معه وعلى حدة العسكر أسفل منه نحور باب، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله تخلف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلف من أهل الريب، وخلف عليًّا على أهله وأمره بالإقامة فقال المنافقون: ما خلفه إلا استثقالاً وتخفيفًا منه فأتاه فأخبره فقال: "كذبوا لكن خلفتك لِمَا تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".

ومضى على سفره ولما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: "لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفًا من أن يصيبكم ما أصابهم"، وقال: "لا تشربوا من ماء بئرهم ولا تتوضؤوا منه، وما من عجين عجنتموه فاعلفوه الناضح ولا تأكلوا منه" فأصبح الناس لا ماء معهم فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتووا وحملوا، ثم ضلت ناقته فخرج صحبه في طلبها فقال بعض المنافقين: أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فأطلعه الله على ذلك فقال: "إن رجلاً قال كذا وأني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي بالوادي من شعب كذا حبستها شجرة بزمامها" فانطلقوا فوجدوها كذلك، وجعل يتخلف عنه الرجل فيقال له:

تخلّف فلان فيقول: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه" ولما انتهى إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالحه وأعطى الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرج فأعطوها وكتب لهم كتابًا بالأمان، ثم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو رجل من كندة كان ملكًا عليها وكان نصرانيًا فقال لخالد: "تجده يتصيد البقر" فخرج حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة وهو على سطحه ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت امرأته:

ما رأيت مثل هذا قط، قال: فمن يترك هذه، فأمر بفرسه فأسرج فركب معه نفر من أهل بيته منهم أخوه حسان وخرجوا بطارقته فلقيهم خيل المصطفى فأخذوه وقتلوا أخاه، وكان عليه قباء ديباج مخوص بذهب فاستلبه خالد فبعث به إلى المصطفى فجعل المسلمون يلمسونه ويتعجبون منه فقال المصطفى: "أتعجبون منه لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منه"، ثم قدم خالد على رسول الله بأكيدر فحقن دمه وصالحه على الجزية فرجع إلى قومه، فأقام رسول الله بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يتجاوزها ثم انصرف قافلاً إلى المدينة، والقصة فيها طول جدًا فليراجعها من المطولات من أراد.

فهذه سبع وعشرون غزوة غزاها المصطفى بنفسه قاتل منها في سبع: أحد، والخندق، وبدر، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، والطائف، وحكى أهل السير عن بعض السلف أنه قاتل في بني النضير، وغابة، ووادي القرى المشهور بذي قرد وهو قول الواقدي، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه إنما قاتل في تلك السبع فقط.


(40) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/114]، تاريخ ابن جرير [2/165]، السيرة النبوية [2/437]، الدرر [ص/237]، عيون الأثر [2/237]، الكامل [2/261]، فتح الباري [8/27].

(41) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/120]، السيرة النبوية [2/478]، تاريخ ابن جرير [2/171]، عيون الأثر [2/270]، الكامل [2/266]، فتح الباري [8/43].

(42) تاريخ ابن جرير [2/173].

(43) راجع تفصيل هذه الغزوة في: طبقات ابن سعد [2/125]، السيرة النبوية [2/515]، تاريخ ابن جرير [2/181]، الدرر [ص/253]، عيون الأثر [2/267]، الكامل [2/276]، فتح الباري [8/110].